من المتوقع أن تتكاثر الأفلام التي تتناول تجربة السجون السورية في عهد الأسد، ولا سيما الأفلام الوثائقية التي تستعيد ما جرى منذ اندلاع الثورة عام 2011، حين بلغت وحشية السجّانين مستويات غير مسبوقة، رغم ما عُرفت به سجون الأسد الأب والابن من قمع وتعذيب قبل ذلك. ومع تزايد هذه الأفلام، ستتفاوت مستوياتها الفنية. فبعض الوثائقيات سيكتفي بالاتكاء على فظاعة الوقائع وقوة الشهادات، من دون إضافة سينمائية تذكر، فيما قد تنجح أفلام أخرى في احتلال مكانة متقدمة ضمن سينما السجون، على غرار المكانة التي حققها الأدب السوري في هذا المجال على الخريطة الأدبية العربية. وقد بدأت بالفعل تظهر وثائقيات تتناول السجون السورية في السنوات التي أعقبت عام 2011، مدفوعة بأهمية الموضوع، وكذلك بسهولة إنتاج الفيلم الوثائقي نسبيا، من الناحيتين التمويلية والتنظيمية، مقارنة بالفيلم الروائي. لكن هذه الظروف تفتح الباب أيضا أمام أعمال قد تكون بالغة الأهمية من حيث التوثيق، ومتواضعة من حيث المعالجة السينمائية، إذ تكتفي بعرض الشهادات والوقائع المروعة من دون الاشتغال على صورتها وبنائها الفني. وفي هذا السياق يأتي الفيلم الذي تتناوله هذه المقالة.

لا يكفي الموضوع المريع والفظيع لصناعة فيلم جيد. قوة الموضوع لا تفرض قوّةً للفيلم، ولا علاقة للمخرج أصلاً بالموضوع القوي، مهمَّته، في الوثائقي تحديداً، هو ألا يصنع فيلماً ضعيفاً من موضوع قوي. وهذا حال الفيلم الضعيف «الجانب الآخر من الشمس»، لتوفيق صابوني، المعروض في قسم بانوراما ضمن مهرجان برلين السينمائي الأخير. الفيلم الذي من مشاهده الأولى، لخمسة سجناء سابقين، صابوني من بينهم، في عربة «سرفيس» متجهين إلى سجن صيدنايا، يذكّر، من الدقائق الأولى، بواحد من أبرز أفلام سينما السجون العربية، «رحلة إلى الذاكرة» لهالا محمد، فيلم محصور بمعظمه في «السرفيس»، تتحاور فيه ذكريات وأفكر وحتى آمال ثلاثة سجناء سابقين هم الشاعر فرج بيرقدار والكاتب ياسين الحاج صالح والمسرحي غسان جباعي. كان إطار الكاميرا أقرب إلى جدران زنزانة تتحرر منها ذكريات الثلاثة كأنها تطير من نوافذ العربة التي تقلهم وذكرياتهم إلى سجن تدمر.
في فيلم صابوني كانت الذكريات قريبة وحيّة، وبالتالي ميكانيكية وفاقدة للخيال، أقرب لشهادات في قاعة محكمة منها في موقع تصوير سينمائي. سيفيد الفيلم في عمليات تحقيق أكثر مما يفيد في مسار سينمائي. وكان تمثيل الشهادات فور وصول السجناء المحررين إلى غرف «صيدنايا» وممراته وزنازينه وحماماته، كان أقرب إلى تمثيل واقعي، استعاد ذاكرة قريبة في الموقع ذاته، موقع الجريمة. لا سينما هنا، بل تلفزيون.
التصوير المباشر هذا، لم يسمح للخيال بالتحرر، لم يسمح للكلمات بالسيطرة على صناعة الصورة، كان التمثيل الجسدي الواقعي هنا هو المسيطر، وليس في ذلك علامة قوة أو ضعف في النوع الاستعادي للذاكرة ضمن الفيلم الوثائقي، لكنه إضافة إلى الزمان القصير، والسخونة البادية للجرح الدامى دائماً، جعل من الوثائقي أقرب لعمل تلفزيوني، تحقيقي، معظم مشاهده صالحة لتقرير صحافي، شاهدنا كثيراً منه من بعد تحرير السجناء وسقوط الأسد، إذ ذهب سجناء محررون لتمثيل ما تعرضوا له من ارتكابات لسجّاني الأسد في صيدنايا وغيره من السجون.
هذا كله جعل من «الجانب الآخر من الشمس» فجّاً وواقعياً، لا بالمعنى المطلوب لنوع من الأفلام الساعية لإثارة الصدمة، فتنحصر بقساوة موضوعها، قد يفهم أحدنا ذلك ويتفهمه. لا صدمة هنا، بل حياد ثقيل للكاميرا أمام شهادات تدمي القلوب، هنا كان الفيلم ناقصاً جانباً إبداعياً، خيالياً، يرتقي بالمصوَّر إلى مستوى سينمائي. لا سبب في هذا الفيلم يجعله سينمائياً، وفيه كل الأسباب الضرورية ليكون شهادة، تلفزيونية أو غيرها لا يهم، شهادة جوهرية ستحفظها الأعوام، في مدى وحشية نظام السجون السورية.

فلتكثر أفلام كهذه، فعلاً. لأن الكلام هنا يتخطى أهميةً الجانب السينمائي، وما أقوله هنا لا يعيب هذا الفيلم أو غيره، فأهميته لا تكمن في سينمائيته، في إبداعات صانع الفيلم الإخراجية والكتابية والتصويرية والمونتاجية، المفقودة هنا، ومحاولة الإحالة إلى ما هو خارج جدران السجن. هذا كله يجعل للعمل قيمة كبرى، تحتاجه سينما السجون السورية، لكن إن لم توجد، ووجد وحسب أفلام الشهادات، وهي توثيقية أكثر منها وثائقية، فلا بأس، في موضوعنا هنا ما هو أكبر من ضرورة السينما الجيدة الموثّقة لظروف السجون السورية، فالتوثيق أولوية، لكن، إن كان لذلك من مجال، فليكن هذا التوثيق بمستوى جيد سينمائياً، فليرتقِ صانع الفيلم إلى مستويات الشهادات الملقاة أمام كاميراته. وليكن شغله أكثر من مجرد اتكاء على كلام الضحايا، ليكن الشكل السينمائي بمستوى المضمون الواقعي، هذا هو المرجو في سينما السجون السوري.
يتمنى أحدنا عملاً وثائقياً، وحتى روائياً بمستوى الكارثة، لكن الحال السوري اليوم مأساوي إلى درجة يقول فيها أحدنا: لا بأس إن لم يوجد هذا العمل، أياً يكن، المهم، وقبل أن يطرأ ما يمنع، لا بد من التوثيق لمرحلة السجون بأي شكل كان.
كاتب فلسطيني/ سوري