بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي تتواصل فيه موجة الغضب السياسي والمجتمعي، على قرار الحكومة الأخير القاضي برفع قيمة الدولار على حساب الدينار، وآثاره المباشرة على السوق المحلية ومعيشة المواطنين، يرفض نواب «الحلول الترقيعية» للحكومة لتدارك الأزمة المالية.
وقرر البنك المركزي مساء الثلاثاء، «بناء على قرار حكومي» اعتماد سعر بيع الدولار الأمريكي 1520 دينارا لكل دولار، وذلك بعدما كان السعر مثبّتا عند 1320 منذ شباط/فبراير 2023.
16 مقترحاً
النائب عن كتلة «إشراقة كانون» النيابية، حيدر المطيري، قدّم حزمة تتضمن 16 مقترحاً اقتصادياً لمعالجة الأزمة المالية الراهنة في العراق، محذراً في الوقت ذاته من تحميل السلطات التنفيذية المواطن البسيط تبعات الأزمة.
وجدد في بيان رسمي، تمسّك كتلته بنهج «المعارضة البناءة»، موضحاً: «لم نصوت ولم نشترك في تشكيلة الحكومة السابقة التي أثقلت كاهل البلاد بديون بلغت 210 تريليونات دينار (أكثر من 160 مليار دولار)، كما لم نشترك في الحكومة الحالية». ودعا، أصحاب القرار إلى «معالجة إخفاقات المراحل الماضية عبر تجفيف منابع هدر المال العام، وتفادي الحلول السريعة التي تمسّ الشرائح الكادحة والفقيرة وذوي الدخل المحدود».
أبرز مقترحات «الإصلاح المالي والإداري» التي اقترحها النائب تمثلت بـ»ترشيد الإنفاق الحكومي والامتيازات»، من خلال «خفض رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث، على أن يبدأ التطبيق بأعضاء مجلس النواب، وتقليص أعداد البعثات الدبلوماسية في الخارج وإعادة الفائض منها، وإلغاء ازدواج الرواتب (الثنائية، والثلاثية، والرباعية)».
وشدد على «تعظيم الإيرادات العامة واسترداد مستحقات الدولة»، عِبر «منح رخصة تشغيل لشركة اتصالات وطنية، واستحصال الديون المتراكمة بذمة شركات الاتصالات الحالية»، وإلغاء الإعفاءات الجمركية الممنوحة لدول الجوار وغيرها، وفرض سيطرة كاملة على المنافذ الحدودية مع أتمتتها الشاملة، واسترداد أموال العراق المجمدة والمودعة في الخارج، وإلغاء الاستثناءات الممنوحة في بيع أموال وعقارات الدولة، واستعادة حقوق الخزينة في الأراضي والعقارات (المليارية والتريليونية) التي مُنحت لمتنفذين ومستثمرين دون وجه حق، واسترجاع الأرباح غير المشروعة وإعادتها إلى خزينة الدولة».
وشدد على أهمية ضبط سوق العمل والوظائف و»تقليص أعداد العمالة الأجنبية والحد من تحويلاتها المالية الباهظة، بما يتيح فرص العمل للكفاءات المحلية».
من أين لك هذا؟
وأكد ضرورة «مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة»، مشيراً إلى «تفعيل قانون (من أين لك هذا؟) ليشمل جميع المسؤولين وذويهم ومساعديهم، بدءاً من مسؤولي الشعب والوحدات وصولاً إلى أعلى هرم السلطة»، فضلاً عن «مراجعة وتدقيق آلاف العقود والمشاريع التي تحوم حولها شبهات فساد وهدر مالي»، بالإضافة إلى «استرجاع الأموال التي صُرفت لمزورين ومنتحلي صفة، استغلوا قانون ضحايا الإرهاب دون وجه حق».
واختتم بيانه بالتشديد على أن «أغلب هذه الملفات جرى توثيقها ومتابعتها عبر كتب رسمية ومخاطبات برلمانية حثيثة»، حاثّاً على «مواصلة الدور الرقابي وبذل أقصى الجهود لتصحيح المسار المالي والاقتصادي وحماية ثروات الشعب العراقي». في الموازاة، يؤكد النائب يوسف الكلابي، المعلومات التي أوردها زميله المطيري بشأن حجم الديون التي سلّمتها الحكومة السابقة، برئاسة محمد شياع السوداني، لحكومة الزيدي الحالية.
الكلابي ذكر في مؤتمر صحافي عقده في مبنى البرلمان مع مجموعة من النواب، إن «حكومة الكاظمي رغم ارتفاع سعر صرف الدولار وما رافقه من مشكلات تحمل المواطن أعباءها، سلمت حكومة السوداني فائضاً نقدياً بلغ 70 تريليون دينار».
وأضاف النائب، وهو عضو في اللجنة المالية النيابية، أن «حكومة السوداني سلّمت الحكومة الحالية ديوناً مستحقة تقارب 210 تريليونات دينار، بالتزامن مع توقف بيع النفط لأكثر من ستة أشهر بسبب أحداث مضيق هرمز»، مشيرا إلى أن «هذه التطورات وضعت البلاد أمام تحديات مالية كبيرة تستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجتها».
مشكلات كبيرة
وأوضح أن «الحكومة الحالية تسلّمت إدارة مالية تعاني من مشكلات كبيرة في وقت يعتمد فيه العراق بصورة أساسية على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة ودفع رواتب الموظفين»، لافتا إلى أن «استمرار تعطل الإيرادات النفطية يهدد قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية».
وشدد على ضرورة «الكشف عن الجهات المسؤولة عن إغراق الدولة بالديون وهدر الأموال العامة والمشاريع التي نفذت بكلف مضاعفة»، داعيا إلى «اتخاذ إجراءات حازمة بحق المتورطين بالفساد وهدر المال العام».
في السياق أيضاً، عبّر الحزب الشيوعي عن رفضه القرار الحكومي الذي قال إنه مدعوم من «الإطار التنسيقي»، وتحميل المواطن مسؤولية أزمة صنعتها سياسات اقتصادية كرّست «المحاصصة والفساد».
بيان للجنة المركزية للحزب أفاد بأن «القرار يحمّل المواطنين، ولا سيما أصحابَ الدخول المحدودة، والطبقاتِ المهمشة والكادحين ومنهم الباعة الجوالون والكسبة وأصحاب البسطات والمتقاعدون والموظفون الصغار والحمالة والعتالة وعمالُ الطابوق والدلفري وأصحاب التكسيات، كلفةَ أزمةٍ صنعتها سياسات اقتصادية كرّست المحاصصة والفساد والاعتمادَ المفرط على النفط». وحمّل البيان الحكومة وقوى السلطة الداعمة لها مسؤولية «استمرارَ هذا النهج الذي يضع أعباء الأزمة على الفقراء والكادحين، فيما تبقى الامتيازات ومصادرُ الهدر خارج إجراءات الإصلاح».
ووفق البيان، فإن تجاوز الأزمة يتطلب «تغييرا في النهج الاقتصادي، والانتقالَ من اقتصاد ريعي أحادي إلى اقتصادٍ منتج ٍ ومتنوع، يعزز الصناعة والزراعة ويطور الخدماتِ العامة»، وفيما أكد الحزب رفضه «خصخصةَ الثروات والبنى التحتية والخدمات الأساسية»، دعا إلى «توزيعٍ عادل لثروات البلاد وضمانِ حقوق المواطنين في التعليم والصحة والسكن والكهرباء والماء والنقل».
كما دعا الحزب أيضاً جميعَ المواطنات والمواطنين المتضررين إلى «التعبير عن رفضهم لقرار تجويعهم والضغط سلميا بمختلف الأشكال من أجل التراجع عنه وحمايةِ معيشتهِم»، محذّراً من «قمع الأصوات الرافضة، ويحمل السلطةَ مسؤوليةَ ذلك».
مطالب «الشيوعي»
وحدد البيان مطالبه بنقاط تضمّنت «إيقافُ العمل بهذا القرار ومراجعته بسبب آثاره على معيشة المواطنين وخصوصا الفقراء وذوي الدخل المحدود، وتقديم حزمةٍ من الإجراءات الاقتصادية، النقدية والمالية، لمعالج أزمة البلاد»، و»حماية أصحاب الدخول المحدودة بإجراءات عاجلة تصون قدرتَهم الشرائية، وتضمن انتظام البطاقة التموينية وتحسينَ نوعيتها وزيادةَ مفرداتها، وتعزز الأجورَ والحماية الاجتماعية»، و»اعتماد سياسةٍ مالية بديلة وعادلة، تقوم على إصلاح ضريبي يستهدف الثروةَ والدخولَ المرتفعة، وإلغاءَ الامتيازات وتقليصَ الإنفاق والهدر، ومكافحةَ الفساد والتهرب الجمركي».
في المقابل، أوضح البنك المركزي أسباب قراره بشأن رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار، فيما أشار إلى أن شراء الدولار من السوق الموازية يهدف لإدخال مواد خارج الضوابط الجمركية.
وقال مدير المكتب الإعلامي للبنك حيدر غازي لوسائل إعلام حكومية، إن «الظرف الاستثنائي الذي يمر به العراق من إغلاق مضيق هرمز وانحسار الصادرات النفطية مما يسبب قلة في الواردات، حيث اعتمدت الحكومة في السابق على خصم الحوالة من البنك المركزي وهي ديوان تتراكم على الحكومة مما دعاها إلى مناقشة الموضوع جديا ووصلنا في المرحلة الأخيرة لعملية جراحية لإنقاذ الدولة العراقية والعملية السياسية من خلال عملية تحوطية استثنائية لاستدامة الجانب المالي واحتياجات التمويل الموازنة». وأضاف أن «القرار تم اتخاذه بعجالة لكن هو بالحقيقة كشرب المر»، مستدركاً: «إننا نعلم أنه ستكون هناك مضاعفات من هذا القرار ولكن ستكون لها ارتدادات أقل ضررا لو استمر الوضع كما هو عليه».
لكن الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، اعتبر أن القرار الحكومي لن يحقق سوى 5.5% من إجمالي النفقات العامة في موازنة عام 2027.
وحسب المرسومي فإن «احتساب الإيراد الناتج عن تخفيض قيمة الدينار من خلال ضرب سعر الصرف الجديد في إجمالي الإيرادات النفطية، يُعد غير دقيق»، مشيراً إلى ضرورة «طرح نفقات شركات التراخيص النفطية وتسديد الديون الخارجية وفوائدها والالتزامات الخارجية الأخرى، فضلاً عن قيمة السلع التي تستوردها الحكومة بالدولار، ومنها الغاز والكهرباء والمشتقات النفطية ومواد البطاقة التموينية».
وأضاف أن «المبلغ المتبقي بعد طرح هذه المدفوعات هو الذي ينبغي احتسابه عند تطبيق سعر الصرف الجديد»، موضحاً أن «الإيرادات النفطية إذا بلغت 80 مليار دولار سنوياً، فيما بلغت مدفوعات الحكومة 20 مليار دولار، فإن صافي الإيرادات سيكون 60 مليار دولار».
وبيّن أنه «عند احتساب قيمة الـ60 مليار دولار وفق سعر صرف يبلغ 1500 دينار للدولار، فإن الناتج سيصل إلى 90 تريليون دينار، في حين يبلغ الناتج عند احتسابها وفق سعر الصرف القديم البالغ 1300 دينار للدولار نحو 78 تريليون دينار».
وأشار إلى أن «الفارق بين القيمتين يبلغ 12 تريليون دينار سنوياً، وهو ما يمثل نحو 5.5 % من إجمالي النفقات العامة في موازنة عام 2027»، حسب تقديراته.
وأكد أن «هذا الأسلوب في الاحتساب يوضح الأثر المالي الفعلي لتغيير سعر الصرف بصورة أدق، من خلال التركيز على الإيرادات النفطية الصافية بعد استبعاد المدفوعات والالتزامات التي تسددها الحكومة بالدولار».
وفي خطوة لاحقة للحكومة تهدف إلى السيطرة على الأسعار في الأسواق المحلية، وجّه رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، بـ «تأجيل استيفاء الرسوم الجمركية والضريبة المفروضة على منتجات البيض والدجاج واللحوم الحية المستوردة لدعم استقرار الأسواق المحلية، وتوفير هذه المواد الأساسية بأسعار مناسبة لتكون بمتناول جميع المواطنين».