برلين- “القدس العربي”: لم تهدأ بعد تداعيات فض الشرطة الألمانية مسيرة مؤيدة لفلسطين شاركت فيها الناشطة السويدية غريتا تونبرغ مساء الأربعاء، حتى بدأت الأنظار تتجه إلى اختبار جديد في شوارع العاصمة، مظاهرة فلسطينية واسعة مقررة السبت المقبل، تنطلق من بوابة براندنبورغ وتمر بالحي الحكومي في قلب برلين.
وتأتي المظاهرة الجديدة وسط جدل مستمر في المدينة حول الطريقة التي تتعامل بها الشرطة مع الاحتجاجات المتضامنة مع الفلسطينيين، وهو جدل اكتسب بعداً إضافياً قبل أيام فقط عندما قضت المحكمة الإدارية في برلين بعدم قانونية إجراء اتخذته الشرطة لمنع ناشطة شاركت في احتجاجات مرتبطة بالحرب في غزة من التواجد مستقبلاً قرب موقع شركة “راينميتال” للصناعات الدفاعية.
وفي موازاة الاستعدادات الأمنية والرسمية، تتواصل التحضيرات داخل الأوساط الفلسطينية والمجموعات المتضامنة في برلين لحشد أكبر عدد ممكن من المشاركين في مظاهرة السبت، التي ينظر إليها المنظمون باعتبارها محطة جديدة لإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الشارع الألماني، ولا سيما بعد الجدل الذي أعقب فض مسيرة الأربعاء.
وفي حديث لـ”القدس العربي”، قال الناشط الفلسطيني ناصر إن التحضيرات للمظاهرة بدأت منذ أيام بمشاركة مجموعات فلسطينية ومتضامنين، موضحاً أن التركيز ينصب على حشد مشاركة واسعة وتنظيم التحرك بصورة تسمح بإيصال رسالته إلى قلب العاصمة الألمانية.
وأضاف أن اختيار بوابة براندنبورغ والحي الحكومي ليس عابراً، “فنحن نريد أن يكون الصوت الفلسطيني حاضراً في المكان الذي تُصنع فيه السياسة الألمانية”، مشيراً إلى أن المنظمين يتوقعون مشاركة قادمين من مدن ألمانية مختلفة في مظاهرة السبت.
ومن المقرر أن تنطلق مظاهرة “United4Palestine” عند الساعة الثالثة بعد ظهر السبت من بوابة براندنبورغ، فيما تظهر في سجل التجمعات الرسمي لشرطة برلين ليوم 10 تشرين الأول/ أكتوبر، مع مسار يمر بالحي الحكومي وعدد من شوارع وسط العاصمة وصولاً إلى بوتسدامر بلاتس.
وأضاف أن العمل يجري على ترتيب نقاط التجمع ومسار التحرك والتواصل مع المشاركين قبل انطلاق المظاهرة، لافتاً إلى أن اختيار بوابة براندنبورغ والحي الحكومي يحمل دلالة رمزية، لأنه ينقل مطالب المتظاهرين إلى قلب الحياة السياسية في العاصمة الألمانية.
مظاهرة جديدة في قلب العاصمة
وبحسب القائمة الرسمية للمظاهرات المنشورة من شرطة برلين، من المقرر تنظيم مسيرة السبت 10 تشرين الأول/ أكتوبر على أن تبدأ من بوابة براندنبورغ وتسلك طريقاً يمر بالحي الحكومي ثم شارع راينهاردت وفريدريش شتراسه ولايبزيغر بلاتس وصولاً إلى بوتسدامر بلاتس.
وتعلن الجهات الداعية إلى التحرك أن التجمع الرئيسي يبدأ عند الساعة الثالثة بعد الظهر. كما أعلن فرع حزب اليسار في حي نويكولن مشاركته ودعا أعضاءه ومؤيديه إلى التوجه بصورة جماعية إلى بوابة براندنبورغ.
ويطالب المنظمون بوقف الدعم الألماني لإسرائيل، والالتزام بالقانون الدولي، وحماية أصوات ورموز الاحتجاج المتضامن مع الفلسطينيين، كما يضعون ما يصفونه بـ”تجريم التضامن مع فلسطين” ضمن القضايا الرئيسية التي تسعى المظاهرة إلى تسليط الضوء عليها.
ويمنح مسار المظاهرة المقبلة أهمية إضافية للتحرك، إذ لن تقتصر على الأحياء التي تشهد تقليدياً الاحتجاجات الفلسطينية، مثل كرويتسبيرغ ونويكولن، وإنما ستصل إلى بوابة براندنبورغ والحي الحكومي، أي إلى المنطقة السياسية والرمزية الأبرز في العاصمة الألمانية.
غريتا تونبرغ وسط المظاهرة
وتأتي الدعوة بعد ثلاثة أيام فقط من مظاهرة شهدها حي كرويتسبيرغ مساء الأربعاء، وكان متوقعاً أن يشارك فيها نحو 150 شخصاً، قبل أن يرتفع العدد إلى مئات. وقالت هيئة إذاعة برلين وبراندنبورغ “rbb” إن الشرطة قدرت عدد المشاركين بنحو 700 شخص، بينما تحدثت “برلينر تسايتونغ” لاحقاً عن وصول العدد في ذروته إلى نحو 850 متظاهراً. ورفع المشاركون أعلاماً فلسطينية ولافتات تنتقد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وكان من بين المشاركين غريتا تونبرغ، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة وجهاً متكرراً في الاحتجاجات الداعمة للفلسطينيين، بعدما عُرفت عالمياً في البداية من خلال نشاطها المناخي. وحظيت مشاركتها باهتمام لافت في وسائل الإعلام الألمانية، إذ وضعتها صحيفة “تاغس شبيغل” في صلب تغطيتها التي استمرت حتى صباح الخميس لكن المسيرة لم تصل إلى وجهتها المخطط لها في هيرمان بلاتس. فيما لم يتأكد بعد مشاركة الناشطة العالمية يوم السبت أيضا.
ونقلت “تاغس شبيغل” عن الشرطة أن أكثر من 30 شخصاً أوقفوا، وأن قرار إنهاء المظاهرة اتُخذ بسبب ما وصفته الشرطة بـ”انتهاكات متكررة للشروط” ووجود مخاطر على الأمن العام. وهذه رواية الشرطة للأحداث، فيما أظهرت تقارير وصور من المكان وجود احتكاكات متكررة بين المتظاهرين والقوات التي كانت تطوق المسيرة من جوانبها.
أين تنتهي صلاحيات الشرطة؟
لكن الجدل بشأن تدخل الشرطة في الاحتجاجات المتعلقة بفلسطين لا يبدأ من مظاهرة الأربعاء.
ففي الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر، أي قبل أيام فقط من المظاهرة، أصدرت المحكمة الإدارية في برلين حكماً لافتاً يتعلق بناشطة شاركت منذ الربيع في احتجاجات قرب موقع إنتاج تابع لشركة الصناعات الدفاعية “راينميتال” في حي غيزوندبرونن.
وكانت الاحتجاجات مرتبطة، من بين قضايا أخرى، باتهامات للشركة بإنتاج أسلحة تستخدمها القوات الإسرائيلية.
وبعد عدة تدخلات سابقة، فرضت الشرطة على الناشطة حظراً يمنعها لمدة ستة أشهر من التواجد في محيط المصنع، لكن المحكمة اعتبرت القرار غير قانوني.
وقالت في حيثيات قرارها إن الحق الأساسي في التظاهر لا يجوز تقييده بواسطة حظر احترازي يصدر مسبقاً، مشددة على أن النزاع بين حرية التجمع ومنع المخالفات المحتملة يجب التعامل معه وفق القواعد الخاصة بالمظاهرات، وليس بواسطة منع عام ومسبق من التواجد في المكان.
والقرار لا يتعلق مباشرة بمسيرة الأربعاء، لكنه يأتي في سياق نقاش متزايد في برلين حول الحدود القانونية لتدخل الشرطة في الاحتجاجات، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بفلسطين والحرب في غزة.
انتقادات سياسية
ولا يقتصر هذا النقاش على المحاكم أو الناشطين، فإليف إرالب، إحدى أبرز قيادات حزب اليسار في برلين، انتقدت في أيلول/ سبتمبر الماضي التعامل الأمني المشدد مع بعض المظاهرات المؤيدة لفلسطين، وقالت إن اللجوء إلى “القمع” بصورة خاصة ضد الاحتجاجات التي تريد التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين لا يساعد المناخ السياسي والاجتماعي في المدينة.
في المقابل، تؤكد الشرطة والسلطات المحلية باستمرار أن تدخلاتها تستهدف منع المخالفات الجنائية وحماية المشاركين والأمن العام، خصوصاً في المظاهرات التي تشهد هتافات أو رموزاً محظورة بموجب القانون الألماني.
ويقول الناشط الفلسطيني ناصر، في تصريح لـ”القدس العربي”، إن التحضيرات للمظاهرة تجري منذ عدة أيام بالتنسيق بين مجموعات فلسطينية ومتضامنين وناشطين من خلفيات مختلفة، مشيراً إلى أن التركيز ينصب على ضمان مشاركة واسعة وتنظيم المسيرة بصورة هادئة وواضحة الرسائل.
وأوضح ناصر أن الهدف لا يقتصر على تنظيم مسيرة جديدة، بل يتمثل أيضاً في إبقاء معاناة الفلسطينيين، وخصوصاً في قطاع غزة، حاضرة في النقاش العام الألماني، وإظهار أن التضامن مع فلسطين لا يزال قادراً على حشد مشاركين من خلفيات عربية وألمانية وأوروبية مختلفة.