لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده كل من ناتان أودينهايمر وآدم راسغون، قالا فيه إن دبلوماسيا أمريكيا قتل تقارير ناقدة لإسرائيل صادرة عن السفارة الأمريكية في القدس.
وكشف مسؤولون ووثائق حصلت عليها “نيويورك تايمز” أن أحد كبار مساعدي السفير مايك هاكابي، زوّر المعلومات لتصوير حكومة نتنياهو بصورة إيجابية.
ففي نهاية آذار/مارس، وفي ذروة الحرب مع إيران، وافقت إسرائيل سرا على تسريع بناء مستوطنات في الضفة الغربية المحتلة أكثر من أي وقت مضى، وهو ما أثار قلق موظفي السفارة الأمريكية الذين رأوا أن هذه الخطوة قد تكون انتهاكا لأحد الخطوط الحمراء الصريحة التي وضعها الرئيس ترامب لإسرائيل، ألا وهو عدم ضم أي جزء من الضفة الغربية، فقاموا بصياغة تقرير عاجل موجه لصناع القرار في واشنطن. ولكن التقرير لم يصل قط إلى العاصمة الأمريكية، إذ قام ديفيد ميلشتاين، أحد كبار مساعدي السفير مايك هاكابي، بإلغائه، وذلك وفقا لثلاثة مسؤولين أمريكيين مطلعين على الأمر، ولم تكن هذه حادثة معزولة.
ميلشتاين دأب ومنذ توليه منصبه على إخفاء أو تعديل تقارير السفارة بشأن الأنشطة الإسرائيلية بشكل كبير، وذلك بهدف تصوير حكومة نتنياهو بصورة إيجابية
وقالت الصحيفة إن ميلشتاين (36 عاما) دأب ومنذ توليه منصبه في نيسان/أبريل 2025، على إخفاء أو تعديل تقارير السفارة بشأن الأنشطة الإسرائيلية بشكل كبير، وذلك بهدف تصوير حكومة نتنياهو بصورة إيجابية، حسبما قال عشرات الأشخاص الذين يعملون أو على تواصل معه في كل من القدس وواشنطن.
فقد عرقل ميلشتاين، مع تصاعد أعمال العنف الاستيطاني في الضفة الغربية خلال فصل الربيع، تقارير السفارة التي أشارت إلى تقاعس الحكومة الإسرائيلية عن اتخاذ أي إجراء، وفقا للمسؤولين الثلاثة. وبدلا من ذلك، أرسلت السفارة برقية إلى واشنطن، اطلعت عليها “نيويورك تايمز”، تشيد بإسرائيل لـ”قمعها” الهجمات.
وعندما ضغط أعضاء الكونغرس للمطالبة بالمساءلة عن مقتل تسعة فلسطينيين أمريكيين على يد مستوطنين وقوات أمن إسرائيلية، قام ميلشتاين بحجب تقرير مفصل أعده موظفو السفارة، مما عرقل فعليا جهود المشرعين للحصول على المعلومات، حسبما قال عدد من المسؤولين المطلعين على الأمر.
وأشارت “نيويورك تايمز” إلى أن الدبلوماسي وبعد وصوله بفترة قصيرة إلى إسرائيل، أصر على الموافقة على كل المراسلات الصادرة من السفارة والمتعلقة بالشؤون الفلسطينية، وذلك بحسب عدد من المسؤولين المطلعين على العملية، مما أدى إلى تراجع تدفق البرقيات بشكل حاد من عدة برقيات أسبوعيا إلى بضع برقيات شهريا، حيث امتنع بعض الموظفين عن كتابة التقارير خشية أن يقوم ميلشتاين بحجبها أو إعادة كتابتها، وفقا لهؤلاء المسؤولين.
وقال عدد من المسؤولين إن تدخلات ميلشتاين تتجاوز بكثير تدخلات أي من أسلافه في الآونة الأخيرة. وأوضحوا، إلى جانب آخرين، أنهم يتحدثون انطلاقا من قلقهم حول تلقي المسؤولين في واشنطن صورة مشوهة عن تحركات إسرائيل عبر القنوات الدبلوماسية الرئيسية.
وساهمت جهود ميلشتاين في حماية حكومة إسرائيل اليمينية من أي ردود فعل سلبية محتملة من إدارة ترامب، التي تعد أقرب حلفائها. ومن بين أكثر القضايا إثارة للجدل التي تدخل فيها ميلشتاين، التوسع المتسارع للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وهو موضوع شائك أدى إلى توتر علاقات إسرائيل مع بعض حلفائها القدامى.
ولا يزال من غير الواضح مدى علم هاكابي بتصرفات مستشاره. وقد رفض كل من هاكابي وميلشتاين طلبات إجراء مقابلة.
إلا أن السفير الأمريكي انتقد -مع أنه من أشد المدافعين عن حركة الاستيطان الإسرائيلية- هجمات محددة شنها مستوطنون، واصفا إياهم بـ”الإرهابيين الإسرائيليين”، لكنه قلل من شأن عنف المستوطنين بشكل عام، قائلاً إنه ينفذ من قبل مجموعة صغيرة.
ساهمت جهود ميلشتاين في حماية حكومة إسرائيل اليمينية من أي ردود فعل سلبية محتملة من إدارة ترامب، التي تعد أقرب حلفائها
ومع أن هاكابي هو من يجب عليه الموافقة على معظم البرقيات والقرارات الهامة، إلا أن مسؤولين قالوا إن ميلشتاين يتصرف أحيانا بمفرده. وأضاف هؤلاء المسؤولون أن السفير تعاون أحيانا مع ميلشتاين لإخفاء المعلومات أو تحريفها. لكنه قام بكبح جماحه في عدة حالات، عندما اعتقد أن ميلشتاين قد تجاوز حدوده.
ؤيعد ميلشتاين شخصية معروفة في الأوساط اليمينية في الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد نظم اجتماعات بين هاكابي وبعض كبار المسؤولين الإسرائيليين. إلا أنه ليس معروفا على نطاق واسع في أي منهما، ولم يحظ دوره كحارس للمعلومات المرسلة إلى واشنطن باهتمام يذكر.
وقد نشرت أولى التقارير عن جهوده في توجيه التقارير الصحافية للسفارة قبل عام في المجلة الإلكترونية لمعهد كوينسي للحكم الرشيد في واشنطن.
لكنّ تقرير “نيويورك تايمز” الجديد يكشف عن أدلة موثقة وحالات لم تنشر سابقا تشير إلى سعي ميلشتاين لتزييف المعلومات لصالح حكومة نتنياهو، وهو ما استمر طوال هذا العام.
وأجرت الصحيفة مقابلات مع 15 مسؤولا أمريكيا من بينهم العديد في واشنطن، وجميعهم عملوا مع ميلشتاين بطريقة أو بأخرى. كما تحدثت الصحيفة إلى تسعة دبلوماسيين سابقين قدموا معلومات حول أدوار ومسؤوليات كبار مسؤولي السفارة. كما حصلت الصحيفة على عشرات الوثائق والبرقيات والمذكرات وغيرها من المراسلات الداخلية أو راجعتها. وكان الأشخاص الذين تحدثوا إلى “نيويورك تايمز” مسؤولين حكوميين مخضرمين ومعينيين سياسيين، عدد منهم من المؤيدين الكبار للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وقال معظمهم إنهم يتحدثون انطلاقا من قلقهم من أن تصرفات ميلشتاين تقوض العمل الدبلوماسي المعتاد، معربين عن مخاوفهم من أنها، في بعض الحالات، تتعارض مع سياسات الرئيس المعلنة.
وليس من الواضح ما إذا كانت تدخلات ميلشتاين قد أثرت على سياسة البيت الأبيض. ولكن منذ أن أعلن ترامب قبل عام أنه لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية، لم يدل بتصريحات كثيرة حول هذه القضية، باستثناء تأكيده لفترة وجيزة في شباط/فبراير على معارضته للضم، حتى في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تحكم سيطرتها على المنطقة.
وردا على أسئلة الصحيفة إلى السفارة بشأن تصرفات ميلشتاين، لم يتطرق هاكابي إلى الحالات المحددة التي ذكرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، وكتب في بيان: “إن عناصر القصة التي تحاول نيويورك تايمز تجميعها تفتقر إلى الحقائق لدرجة أنها تصنف ضمن محاولات الصحيفة الهزلية الأخرى”. وأضاف: “أرفض شخصيا وبشكل قاطع عناصر قصتكم المقترحة”.
ويقول المقربون من ميلشتاين إنه يبذل جهودا استثنائية لتصوير إسرائيل بصورة إيجابية. وقال مسؤولون إنه منع إرسال التقارير، وأعاد صياغة البرقيات لتوصيل رسالة مختلفة، بل ومتناقضة أحيانا، عن الرسالة الأصلية، وأخّر الموافقة على المسودات حتى فقد الموضوع أهميته.
ففي صيف عام 2025 مثلا، قُتل عشرات الفلسطينيين الذين كانوا يبحثون عن الطعام بالقرب من مواقع التوزيع التي تديرها “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة. وقد صاغ دبلوماسيون أمريكيون في إسرائيل برقية، اطلعت عليها صحيفة “نيويورك تايمز”، تحذر من أن عملية التوزيع التي تقوم بها المؤسسة فوضوية ومميتة، وتنذر بمزيد من “حوادث سقوط ضحايا جماعية”.
وأعاد ميلشتاين صياغة البرقية ليعلن نجاح عملية “مؤسسة غزة الإنسانية” متجاهلا الخسائر البشرية الفادحة، وفقا لأشخاص اطلعوا على البرقية وعلى عملية التحرير.
ولأن موظفي البيت الأبيض ووزارة الخارجية انزعجوا من التناقضات الصارخة بين التغطية الإخبارية والتقارير الرسمية للسفارة، فإنهم سعوا للحصول على صورة أوضح للأحداث، متجاوزين القنوات الرسمية مرتين على الأقل للتواصل مباشرة مع موظفي السفارة، وفقا لمسؤولين مطلعين على عملية التواصل ورسالة داخلية من أواخر الصيف اطلعت عليها “نيويورك تايمز”.
كما استجوب ميلشتاين عددا من زملائه حول ما إذا كانوا “مؤيدين لإسرائيل” أو “مؤيدين لحماس”، وفقا لأربعة مسؤولين، اعتبروا السؤال غير لائق، وقالوا إنه جعل البعض يخشى التعبير عن آرائهم بحرية.
استجوب ميلشتاين عددا من زملائه حول ما إذا كانوا “مؤيدين لإسرائيل” أو “مؤيدين لحماس”، وفقا لأربعة مسؤولين، اعتبروا السؤال غير لائق
وبرزت أمثلة محاولاته لحجب الصورة الحقيقية عما يحدث في الضفة الغربية في مقتل نصر الله أبو صيام، البالغ من العمر 19 عاما الذي كان يحاول منع مستوطنين من سرقة مواشيه عندما أطلق عليه أحدهم النار في قريته بالضفة الغربية.
وكان أبو صيام تاسع مواطن أمريكي من أصل فلسطيني يقتل في الضفة الغربية على يد مستوطنين أو جنود إسرائيليين خلال أربع سنوات. وبعد أسابيع، وفي محاولة للحصول على آخر المستجدات بشأن التحقيقات في عمليات القتل، أرسل 30 عضوا في الكونغرس، بقيادة السناتور كريس فان هولين، الديمقراطي عن ولاية مريلاند، رسالة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو يطالبون فيها إسرائيل بتقديم إجابات.
وردا على ذلك، أعد مسؤولون في السفارة تقريرا أُنجز في آذار/مارس، فصّل حالة كل تحقيق، وفقا لعدد من المسؤولين المطلعين على العملية. وأشارت النتائج الرئيسية للتقرير إلى أن التحقيقات، في معظم الحالات، لم تحرز تقدما يذكر، وأن بعض القضايا قد أغلقت، وأنه لم يوجه أي اتهام لأي شخص في أي من عمليات القتل. وبدلا من إرسال التقرير، جادل ميلشتاين بأن السفارة يجب أن ترسل رسالة تفيد بأن إسرائيل تجري التحقيقات على النحو الصحيح، وفقا لما ذكره مسؤولان مطلعان على المناقشات.
وفي 4 أيار/مايو، أرسل بول دي. غواليانوني، مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، رسالة ردا على رسالة فان هولن، أوضح فيها أن السفارة، التي خفضت عدد موظفيها بسبب الحرب الإيرانية، تركز على التعاون الأمني مع إسرائيل وحماية الأمريكيين من الهجمات الإيرانية.
وذكرت الرسالة، التي قدمها مكتب فان هولن لنيويورك تايمز، أن السفارة تعمل مع إسرائيل “لضمان المساءلة عن هذه الوفيات”، وهو رد لم يطمئن فان هولن. وقال في مقابلة هاتفية: “إذا لم تحاسبوا، فإنكم تعرضون المزيد من المواطنين الأمريكيين للخطر”.
وفي شباط/ فبراير، أقرت حكومة نتنياهو إجراء يسهل على الإسرائيليين شراء الأراضي في الضفة الغربية، وهي خطوة لاقت إدانة دولية واسعة النطاق باعتبارها تسرع من وتيرة الضم. ووصف ميلشتاين إعلان الحكومة الإسرائيلية بشأن شراء الأراضي بأنه شأن داخلي لا يكتسب أهمية تذكر بالنسبة للعالم الخارجي، وفقا لمسؤولين اثنين. وذكر تقرير للسفارة أرسل إلى واشنطن، واطلعت عليه “نيويورك تايمز” أن السياسة الإسرائيلية تهدف إلى “تلبية الاحتياجات الإنسانية” للمستوطنين الإسرائيليين، دون الخوض في تفاصيل تلك الاحتياجات.
وحدث تدخل مماثل في نيسان/أبريل عندما حذر كبار القادة العسكريين الإسرائيليين علنا من أن عنف المستوطنين في الضفة الغربية قد يشعل انتفاضة فلسطينية جديدة. وحاول موظفو السفارة تنبيه واشنطن إلى تلك التحذيرات، لكن ميلشتاين منع إرسال التقرير بصيغته الأصلية، وفقا لثلاثة مسؤولين.
وفي برقية اطلعت عليها الصحيفة، ورد اسمه فيها كمؤلف أول، أشاد ميلشتاين بـ”المبادرات الجديدة غير المسبوقة” التي أطلقها نتنياهو لمكافحة تصاعد العنف في الضفة الغربية. وجاء عنوان التقرير: “الحكومة تضيق الخناق على تصاعد العنف في الضفة الغربية”.