«الصندوق الأسود» للعلاقة الخاصة بين ألمانيا وإسرائيل!


في 6 تشرين أول/ أكتوبر – اليوم ذو الرمزية العالية في الصراع العربي ـ الإسرائيلي – ألقت السلطات الألمانية القبض على شخص استثنائي: أوغوست هانينغ، رئيس جهاز استخباراتها الخارجية الأسبق، وعلى رئيس مكتبه حينها مانفريد د. التهم الذي وجّهت إلى هانينغ خطيرة: الخيانة العظمى، وممارسة نشاط استخباراتي لجهة أجنبية، والتجسس الخ.
تكشّفت أخطر الفضائح الاستخباراتية في تاريخ ألمانيا الحديث من نقطة تبدو تافهة: نزاع عائلي على حضانة طفلين. في مسعاها لاستعادة ابنيها من طليقها الدنماركي، كلّفت المليونيرة الألمانية كريستينا بلوك «شركة أمن» إسرائيلية خاصة بخطفهما من الدنمارك، وهو أمر كان متابعا من قبل المخابرات الدنماركية التي تواصلت مع نظيرتها الألمانية. قاد التحقيق إلى تفتيش منزل ومكتب هانينغ، وعثر هناك على نحو ألفي وثيقة من ملفات الجهاز، تعتقد النيابة أنه جمعها على مدى سنوات واستخدم بعضها في «نشاطه الاستشاري»، و»ربما لصالح جهاز أجنبي» لم تحدد هويته بعد.
في موضوع «الرابطة الخاصة» بين ألمانيا، عادة ما يتم النظر إلى المسألة من أعلى: الهولوكوست وإحساس الدولة الألمانية بالذنب التاريخي الذي قاد إلى تعويضات متواصلة، وإلى تعاون عسكري، وصولا إلى تحول أمن إسرائيل إلى ركن تأسيسي في الخطاب السياسي الألماني، ويكون إنشاء إسرائيل علّة لوجود ألمانيا الحديثة نفسها.
ما يلفت في قضية هانينغ هو أنها تكشف «الرابطة الخاصة» من الأسفل، فالعلاقات التأسيسية بين الدولتين لم تنتج تعويضات وتعاونا عسكريا ومنعا لأي عقوبات على إسرائيل في الاتحاد الأوروبي، بل تنتج أيضا علاقات شخصية حيث يعمل المسؤولون الأمنيون معا لفترات طويلة، ثم يغادرون مناصبهم الحساسة إلى عالم الشركات والاستشارات والأمن الخاص، كما هو حال العاملين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الخاصة التي كلّفت بخطف الطفلين، وفي حالة هانينغ ومساعده وكثيرين غيرهم، الذين يوظّفون شبكاتهم ومعارفهم الأمنية أثناء خدمتهم في نشاطاتهم اللاحقة.
هنا تبدأ أسرار «الصندوق الأسود» تزداد تشابكا وتعقيدا حيث يجب طرح الأسئلة عن كيفية تحول «العلاقة الخاصة» التي بنتها الدولتان طوال عقود إلى شبكة واسعة من العلاقات الخاصة بين رجال أمن سابقين وشركات ومصالح.
لا يعود مهما هنا السؤال «لمن باع هانينغ الأسرار؟». ما يهم هو سؤال أكثر إزعاجا وصعوبة: ما الذي تصنعه العلاقة الأمنية «الاستثنائية» حين تتراكم لسنوات طويلة ويتم تناقلها من المؤسسات إلى الأفراد ومن الدولة إلى السوق؟
فتح التحقيق بابا صغيرا على العالم المفتون بالموساد الإسرائيلي والذي يعتبر الدولة العبرية النموذج الأكثر تفوقا في العالم، كما فتح بابا آخر على علاقة ألمانيا «الخاصة» بهذه الدولة. يكتسي ما قاله المستشار الألماني الحالي فريدريش ميرتس في حزيران/يونيو العام الماضي إن إسرائيل «تنفّذ العمل القذر نيابة عنا جميعا».
الجديد في الفضيحة الاستخباراتية الألمانية الآنفة هو أن «العمل القذر» الإباديّ الذي تنفّذه إسرائيل، امتدّ، عبر الشركات الأمنية الإسرائيلية ذات المنشأ الاستخباري، إلى خطف الأطفال الألمان لصالح مليونيرة لا تكترث بالقوانين، وهو ما قاد إلى كشف المسؤول الاستخباراتي الألماني الأكبر السابق، ومدير مكتبه الذي ظل يعمل في الجهاز، في التجسس على ألمانيا وبيع أسرارها الأمنية إلى دول أخرى، وإلى فضائح من طبيعة سياسية وأمنية مالية أخرى قد لا تسمح «العلاقة الخاصة» بين البلدين بكشفها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *