راوية «عيون بيروت» هي كاتبتها، وهي بطلتها أيضا، لكنها متنازَعة على هذه الصفة الأخيرة من لمياء التي تمرّ بتجربة غرامية أكثر استعصاء من تلك التي عاشتها الراوية مع الرجل نفسه، قبل عقد من الزمن، أي أن هذه الأخيرة، إزاء زميلتها الأصغر منها سنّاً، رأت أن عليها التنبيه من خطر هذه العلاقة، لكونها عرفت بأي قدرة يستطيع ذاك الرجل (رامي)، أن يستلب عاشقة لم تقْس عودَها التجارب. ذاك أنه يستطيع أن يترك في المرأة أثرا منه مستمرا في التوالد والنمو، من دون حاجة إلى دوام وجوده الشخصي، وذلك يصل إلى حدّ أن تبلغ العاشقة أقصى الاتّصال به. وهذا ما أمكن للراوية، في علاقتها السابقة به، إلى أن تتفاداه، وإن متأخرّة قليلا.
وهي، الراوية والكاتبة، تركت للمياء أن تعيش التجربة الأكثر تعقيدا، والتي استغرقت نصف الرواية الأول واستمرّت تبعاتها إلى آخر فصل من فصولها. ولم تتوقّف تلك العلاقة بين المرأتين على نصح الأولى للثانية وتحذيرها مما قد يفعله رامي، الذي بدوره ينازع الآخرين على البطولة. فالزميلة الأقدم تجربة، الراوية، داخلتْها مشاعر بينها الاستعادة، وإن المتحفّظة، لعلاقتها السابقة بالرجل نفسه، ثم داخلها الحسد تاليا، وإن لم يكن هبوب موجاته عاصفا، ويرجع ذلك إلى بدء لمياء بكتابة روايتها، التي بدت لزميلتها الكاتبة متفوّقة عليها في ما تصفه. ذاك أن رامي هذا يعرف كيف يبقي أثره في مَن عرفنه. شخصية معقّدة هي أيضا، ما أضفى عليها طاقة غامضة وقدرة على السيطرة. وها هو يبقى مهيمنا في مسار الرواية بمقابل الرجل الآخر، كنان، المرتبط باندفاع أقلّ في علاقته بالراوية. فمع أن عنوان الرواية يرجع، بمعنى ما، إليه، كونه يظل متعلّقا بتصوير العيون بواسطة الكاميرا التي يبقيها، على الدوام، معلّقة على كتفه. وعلى الرغم من أن ما جرى (انفجار المرفأ) أتاح له أن يرى إلى الكارثة من عيون المصابين المقتلعة أو المشوهة والمدمّاة، فيما كان الرجل الآخر، رامي، واحدا من الضحايا، ظلّ هذا الأخير أبرز حضورا من المصوّر الذي اشتدّ حضوره في الفصول الأخيرة. ذاك أن زمن بيروت كان أكثر حاجة لمن يشاركون في مِحَنه وحروبه، فيما رامي، غاوي النساء، ظلّ منغلقا على نفسه ساعيا إلى إشباع رغباتها، في زمن غير مؤاتٍ، فما مرّ على المدينة كان أقرب إلى كوارث بدأت، في الرواية، بمصرع رفيق الحريري، ثم تلتها جائحة كورونا التي أعقبها انفجار الرابع من أغسطس وقد دمّر مساحة واسعة من المدينة.
بدا للكاتبة أن أحداثا على هذا القدر من الأهمية ينبغي عدم التغافل عن ذكرها، أو تركها تمرّ من دون الوقوف عندها. وهذه الأحداث تغري بكونها تحضر في الكتابة بقوتها الخاصة، ولم يمرّ الزمن بعد إلى تحولها تفاصيل أساسية، أو عابرة، في الكتابة التي ستأتي في ما بعد. لكن هنا، ووقع الأحداث ما زال على هذا القرب الزمني، يظل أثرها ساخنا وقويا إلى حدّ أنه يصعب ان تُكتنف برؤية الكاتب الخاصّة. وهذا، على أي حال، ما أغرى الكتابات الروائية كلها بالتقاط تلك الوقائع حارّة ملتهبة.
لكن، في ما خصّ عزّة طويل، ظلّت السخونة الغرامية التي عاشها أبطالها الأربعة مشتعلة، رغم أحداث بيروت المهولة. في أكثر من مكان استطاعت الكاتبة إبقاء روايتها، بشكلها الأول، في نصفها الأوّل، حاضرة وكثيفة، وإن مرت وقائع آخرها، مثل رحيل رامي أو موته، خفيفة الوقع وبلا وقفة من الكاتبة، وبلا دعوة للتأمّل. ولنزد إلى ذلك كشف السرّ، في صفحات الرواية الأخيرة، عن مقتل والد الراوية، وكان قد احتل مكانا بين وقائع الرواية، عبر إنهاء حياته بكلمات قليلة، كما لو أن حضوره السابق في الرواية تكفيه كلمات عابرة لإغلاق صفحته لاكتمال مشهد الختام.
«عيون بيروت» رواية عن الغرام غير المقتصرة وقائعه على ما يجري بين الحبيبين. ذاك لكونه يمدّ جذوره إلى ما يتعدّاهما من شهود سيرته، أعني تلك الوشائج التي تربط الآخرين بتفاصيله. كما أن حبكته أبعد من أن تكون وصفية خالصة، لكونه أعمق غورا من ثيمات مثل التخلّي أو الهجر أو الغيرة. هي علاقة معقدّة احتاجت إلى تمكّن الكاتبة من مماشاة السرد في توتّره علوّا وانخفاضا. كما أنها أبقت الرغبة بالقراءة مشدودة، ولنضف إلى ذلك التحولات التي ظلت متقلّبة بين الشخصيّات الحاضرة في الكتاب. وهذا ما ينشأ عن كونهم كتّابا جميعهم، باستثناء كنان المصوّر، الذي رغم ذلك، كانت «عيناه» تُقرأ بلغة الكتّاب وأدبهم. ومثلما كان ما يشاهد من صوره يوصف بالكلام، رأت الكاتبة أن الصفحات التي قرأتها من رواية لمياء، ينبغي أن تختلف، لغة وأسلوبا، عن لغتها في الرواية.
*»عيون بيروت» لعزّة طويل صدرت عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» في 232 صفحة – سنة 2026.