بغداد ـ “القدس العربي”: أفاق العراقيون، الأربعاء، على قرار حكومي يقضي برفع قيمة الدولار أمام الدينار العراقي، كأحد الحلول لمعالجة الأزمة المالية التي تمر بها البلاد جراء إغلاق مضيق هرمز بفعل الحرب بين واشنطن وطهران، وتأثر أبرز خطوط تصدير النفط العراقي إلى الخارج، غير أن القرار ألقى بظلال سلبية على السوق التي شهدت شللاً واضحاً نتيجة ارتفاع مفاجئ في سعر الصرف في السوق الموازنة.
تغيير السعر
وأصدر البنك المركزي العراقي، أمس، توضيحاً بشأن أسباب قرار تعديل سعر الصرف، مؤكداً أن الخطوة جاءت “نظراً للظروف الاقتصادية والمالية الراهنة وبناءً على توصية مجلس الوزراء”.
وحدد البنك سعر شراء الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار لكل دولار، بعدما كان (1300) دينار، وفيما بلغ سعر بيع الدولار للمصارف 1510 دنانير لكل دولار- كان (1310) دنانير، حدّد بيع الدولار للجمهور بـ1520 ديناراً لكل دولار- كان (1320) ديناراً.
حدد البنك سعر شراء الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار لكل دولار، بعدما كان 1300 دينار
وطمأن البنك المركزي في توضيحه “بوفاء احتياطياته الأجنبية لتلبية كافة المتطلبات النقدية”، مشدداً على “مواصلة تمويل التجارة الخارجية، وسداد تعاملات البطاقات المصرفية بالخارج، وتوفير الكاش للمسافرين دون تراجع”.
واعتبر أن “هذا التعديل الإيجابي يفتح آفاقاً جديدة وملموسة تخدم الاقتصاد الوطني والمواطن بشكل مباشر، من خلال دعم المنتج الوطني والصناعة المحلية، وتيسير المنافسة العادلة للسلع العراقية في الأسواق أمام المنتجات المستوردة”.
على أرض الواقع، قفزت أسعار بيع وشراء الدولار في السوق الموازي إلى نحو 1800 دينار مقابل الدولار، وسط شبه توقف عن تداول العملة الأجنبية، وإغلاق أغلب المخازن التجارية ومحال البيع بالجمّلة أبوابها.
حالة الشلل هذه جاءت نتيجة ترقب التجار لما ستؤول إليه الأمور في الساعات المقبلة، فيما بدأ بعض أصحاب المحال الصغيرة برفع أسعار بضائعهم – أغلبها مستورد – كإجراء احترازي.
قفزت أسعار بيع وشراء الدولار في السوق الموازي إلى نحو 1800 دينار مقابل الدولار
إلى ذلك، أقرّ المكتب السياسي لحزب “الدعوة الإسلامية” بتداعيات الحرب الدائرة في المنطقة على الوضع الاقتصادي للبلاد، غير أنه رفض تحميل المواطن تداعياتها.
وذكر في بيان صحافي “نتابع بقلق آثار عدم الاستقرار والتذبذب في سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار الأمريكي، وما ترتب عليه من ارتفاع في أسعار السلع في الأسواق، وانخفاض في القوة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي سينعكس سلبا على الأوضاع السياسية والاجتماعية”.
وأشار إلى أنه “في الوقت الذي ندرك فيه الظروف الصعبة نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة، والعجز المالي الموروث، فإننا نهيب بالمعنيين الإسراع في الحد من هذا الارتفاع الجنوني، وإيجاد حلول عاجلة للسيطرة على تداعياته، حتى لا تكون معالجة الأزمة الاقتصادية على حساب المواطن وقدرته على تأمين احتياجاته الأساسية، ومعالجة أسباب الأزمة من جذورها، وتدعيم الإنتاج الوطني، والحد من الهدر والفساد، وتنظيم الاستيراد، والتشديد في مراقبة حركة الأسواق”.
ودعا بيان الحزب التجار ورجال الأعمال إلى “مراعاة الظروف الصعبة التي يمر بها المواطن، والتعاون من أجل عبور هذه الظروف الضاغطة، والابتعاد عن الجشع والاحتكار، فقد استفاد الكثير منهم في المراحل السابقة، وعليهم اليوم أن يراعوا العدل والإنصاف، وأن يتحملوا مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية تجاه أبناء شعبنا”.
وأثار قرار الحكومة موجة غضب نيابية، إذ انتقد عدد من أعضاء مجلس النواب رفع قيمة الدولار أمام الدينار، لما له من تأثير مباشر على المواطن العراقي، مطالبين بعقد جلسة نيابية طارئة لبحث تداعيات القرار الحكومي.
عضو مجلس النواب مقداد الخفاجي، ذكر في بيان صحافي أنه “في الوقت الذي تتثاقل فيه الكتل السياسية على الوزارات واستحداث مناصب جديدة تثقل كاهل موازنة الدولة، تأتي زيادة سعر صرف الدولار الحكومي لتضيف عبئاً جديداً على المواطن العراقي”.
وأكد أن “رفع سعر الصرف يتسبب بشكل مباشر في ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للموظفين والمواطنين ذوي الدخل البسيط”، مشدداً على أن “الشارع المثقل بالأزمات لن يحتمل أعباءً جديدة”.
وطالب النائب بضرورة “وضع مصلحة المواطن وقوته المعيشي فوق أي اعتبارات أخرى، والتراجع الفوري عن هذا القرار لتفادي تداعياته على الأسواق المحلية”.
أكدت النائبة ابتسام الهلالي أن مجلس النواب سيكون له رأي بشأن تعديل سعر الصرف في قانون الموازنة بالتشاور مع الحكومة للسيطرة على الدولار في السوق السوداء
فيما أكدت النائبة ابتسام الهلالي أن مجلس النواب سيكون له رأي بشأن تعديل سعر الصرف في قانون الموازنة بالتشاور مع الحكومة للسيطرة على الدولار في السوق السوداء، عقب القرار الحكومي المفاجئ بتغيير السعر الرسمي.
وأعربت في بيان صحافي نشره مكتبها الإعلامي أمس، عن رفضها “قرار مجلس الوزراء بتغيير سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي”، موضحة ان “هذا القرار سيؤثر على المواطن والسوق العراقي”.
وأضافت: “تفاجأنا من قرار مجلس الوزراء بتغيير ورفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، مما له من تداعيات وتأثيره المباشر على الاقتصاد والسوق العراقي”.
وأكدت النائبة رفضها “هذا القرار، وكان يفترض من الحكومة إذا كانت تريد معالجة الأزمة المالية ان يكون تغيير 1400 دينار للدولار الواحد أو أدنى من ذلك للسيطرة على السوق وعدم تأثيره على أسعار المواد الغذائية، مما يؤثر ذلك بشكل مباشر على المواطنين”.
وبينت أن “مجلس النواب سيكون له رأي بتغيير سعر صرف في قانون الموازنة، بالتشاور مع الحكومة للسيطرة على صرف الدولار في السوق السوداء”.
أما وزيرة الاتصالات السابقة، النائبة الحالية هيام الياسري، فهاجمت القرار الحكومي، مؤكدة أنه “ليس إصلاحاً اقتصادياً بل هو العجز بعينه”، ومحذرة من تداعياته “الكارثية والمباشرة” على معيشة المواطنين والشرائح الضعيفة.
وقالت في بيان إن “الذهاب إلى رفع السعر يمثل اللجوء إلى أبسط الحلول وأصعبها على المواطن، جراء العجز عن وضع حلول اقتصادية ناجحة”، متسائلة عن مدركات الحكومة لنتائج هذا القرار: “ألا تدركون كارثية نتائجه؟”.
وأضافت أن “المعالجة الحقيقية للأزمة كان ينبغي أن تبدأ بضرب رؤوس الفساد الكبيرة التي تلتهم مشاريع الدولة، وتنشيط الاقتصاد عبر مشاريع تعظّم الإيرادات، بدلاً من تعظيمها من جيب المواطن الفقير والموظفين والمتقاعدين”.
وزيرة الاتصالات السابقة، النائبة الحالية هيام الياسري، هاجمت القرار الحكومي، مؤكدة أنه “ليس إصلاحاً اقتصادياً بل هو العجز بعينه”
وحذرت الياسري من “التداعيات المترتبة على التخبط والأزمات المتتالية من غلاء وتدهور للخدمات وتفشي الفساد”، داعية إلى “مراجعة القرار قبل أن تنعكس آثاره بشكل أعمق على الشارع”.
ورغم موجة الاستياء النيابي من القرار الحكومي الاتحادي، غير أن أعضاء مجلس النواب لا يمتلكون أيّ صلاحية قانونية أو دستورية لدفع الحكومة على التراجع عن قرارها، حسب رأي الباحث القانوني علي التميمي.
وذكر في بيان صحافي أصدره تعليقاً على تعديل سعر الصرف وتداعياته، أن “قرار مجلس الوزراء الصادر في جلسته الـ22 بتاريخ 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، وبناءً على توصية البنك المركزي واستناداً إلى قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004، حدد سعر شراء الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار، وبيعه للمصارف بـ1510 دنانير، وللجمهور بـ1520 ديناراً، على أن يبدأ العمل به اعتباراً من 7 تشرين الأول (أكتوبر)”.
وأشار إلى أن “المادة 4 أولاً/ ب من قانون البنك المركزي تمنح البنك صلاحية صياغة وتنفيذ سياسة سعر الصرف، فيما تنص المادة 16/ ب على أن مجلس إدارة البنك هو الجهة المختصة بصياغة هذه السياسة”.
واستند التميمي إلى “عدد من القرارات القضائية السابقة، بينها قرار المحكمة الاتحادية رقم 34/اتحادية/2015 وموحدتها 19/اتحادية/2015، الذي قضى بعدم دستورية تدخل تشريعي في السياسة النقدية، فضلاً عن الدعوى 32/اتحادية/2021 المتعلقة بسعر الصرف، والتي ردتها المحكمة بتاريخ 4 نيسان (أبريل) 2022″، معتبراً أن “تحديد سعر الصرف من الاختصاص الفني للبنك المركزي”.
وبيّن أن “النائب يستطيع الامتناع عن التصويت أو التصويت برفض فقرة سعر الصرف في قانون الموازنة والسعي إلى تعديلها، إذا رأى أن السعر الجديد يؤثر في القوة الشرائية للمواطنين، إلا أن تعطيل الموازنة كاملة للضغط باتجاه إلغاء قرار البنك المركزي قد يمثل تعسفاً في استعمال الحق”.
ولفت إلى أن “عدم إقرار الموازنة يترتب عليه استمرار الإنفاق وفق الآليات القانونية المعتمدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأخير المشاريع والتعيينات وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق”.
وخلص التميمي إلى أن “المسار الأنسب يتمثل في مناقشة فقرة سعر الصرف ضمن الموازنة وتعديلها إن اقتضى الأمر، إلى جانب استجواب محافظ البنك المركزي والطعن أمام المحكمة الاتحادية إذا توافرت أسباب قانونية للطعن”.
المقاولون يناشدون
من جهة ثانية، يمثل المقاولون أحد أبواب الضغط على الحكومة للتراجع عن قرارها، خصوصاً بعد إطلاقهم مناشدات إلى رئيس الوزراء علي الزيدي للتريث في التطبيق، محذرين في الوقت عينه من تداعياته المالية على عقود ومشاريع القطاع الحكومي.
وقال اتحاد المقاولين العراقيين، في طلب موجه إلى رئيس الوزراء، إن “شركات المقاولات لا تزال تتحمل آثار التعديل السابق لسعر الصرف، فيما لم تُصرف حتى الآن المستحقات المالية المترتبة عن ذلك التعديل”.
وأشار إلى أن “تداعيات قرار رفع سعر الصرف لا تقتصر على العقود القائمة، بل تشمل أيضاً العقود التي لا تزال في مراحل الدراسة أو الإحالة ولم تدخل حيز التعاقد، ما قد يؤدي إلى إبرام عقود لا تتناسب مع الكلف الفعلية للتنفيذ”.
وأوضح الاتحاد أن “استمرار تطبيق القرار سيؤدي إلى ارتفاع كلف المشاريع والمواد والنقل والخدمات، وتآكل الهوامش المالية المقررة، فضلاً عن زيادة الحاجة إلى السيولة والتمويل وتحميل شركات المقاولات أعباء إضافية قد تؤثر في قدرتها على الاستمرار”.
معالجة عاجلة
ولفت إلى أن “الضغوط التضخمية التي تشهدها مختلف القطاعات الاقتصادية، ومنها قطاع المقاولات، تزيد من التداعيات المالية على استمرارية المشاريع والاقتصاد الوطني”.
وطالب الاتحاد بـ “إيجاد معالجة عاجلة ومتكاملة تراعي المرحلة التعاقدية لكل مشروع، وتمنع تراكم الأعباء والفروقات المالية، بما يضمن استقرار العقود واستمرار تنفيذ المشاريع الحكومية وتفادي التأخير الذي قد يؤدي إلى زيادة كلفها ومدد إنجازها”.