المعركة على مضيق هرمز ليست حربا أو انتصارا لترامب


لندن- القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” مقالا للباحث البارز في معهد الشرق الأوسط والدبلوماسي السابق آلان أير، قال فيه إن عودة تدفق النفط عبر مضيق هرمز لا تعني أن الولايات المتحدة انتصرت في الحرب ضد إيران.

وقال إن مؤيدي الحرب ضد إيران اعتبروا الزيادة الأخيرة في تدفق النفط الخام عبر المضيق دليلا على نجاح الاستراتيجية الأمريكية. وبات الرئيس دونالد ترامب واثقا جدا من ذلك لدرجة أنه رفض مؤخرا خطة مدتها سبعة أيام، طرحتها وزارة الخارجية الإيرانية، لإنهاء الحرب وفتح المضيق. وتباهى ترامب بأن الولايات المتحدة “تحقق انتصارات هائلة”.

ويرى الكاتب أن الإدارة الأمريكية مرتبكة وتخلط بين الهيمنة التكتيكية والنجاح الاستراتيجي. وبعد مرور سبعة أشهر على حرب توقع مخططوها أن تستمر من أربعة إلى خمسة أسابيع، لا يزال فهم إدارة ترامب لإيران قاصرا جدا، ولا تعني الزيادة في صادرات النفط عبر المضيق أن الولايات المتحدة على وشك إنهاء الصراع بشروطها.

ولا شك أن ثقة الرئيس بنفسه تنبع جزئيا من اعتقاده، بأن هذا الصراع سيحسم بناء على قدرة الطرف على تحمل الخسائر الاقتصادية لأطول فترة.

ويبدو أن عداد الوقت الضائع على الاقتصاد الإيراني يدق بسرعة متزايدة: فقد كان الحصار الذي فرضته البحرية الأمريكية على الموانئ الإيرانية فعالا جدا. وكذلك، وإن بدرجة أقل، عملية “المنبوذ الاقتصادي” التي أعلنتها وزارة الخزانة في آب/أغسطس باعتبارها “حملة غير مسبوقة لقطع كل شريان حياة اقتصادي متبق يدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

ويضيف الكاتب أن الاقتصاد الإيراني كان في حالة سيئة قبل الحرب، أما الآن فهو في أزمة عميقة. ويتم تداول الريال الإيراني بسعر قياسي يتجاوز 2.5 مليون ريال للدولار، مقارنة بسعر صرف قبل الحرب الذي كان أقرب إلى 1.2 مليون ريال. وبلغ حجم التضخم السنوي في أسعار المواد الغذائية أكثر من 125% في أواخر آب/ أغسطس، وفقا لإحصاءات الحكومة الإيرانية. وتعاني البلاد، التي اعتادت على وفرة البنزين الرخيص، من نقص حاد فيه، ما يدفع حكومتها إلى تقليص الدعم تدريجيا. ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% في عام 2026، وقد خلصت الإدارة الأمريكية، كما قال وزير الخزانة  سكوت بيسنت مطلع الشهر الماضي، إلى أن إيران في “دوامة موت”، وتسعى جاهدة للتوصل إلى اتفاق.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية تعتقد أن تراجع قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز أو حتى تقييد حركة الملاحة البحرية فيه بشكل كبير قد أدى إلى إبطاء وتيرة الأزمة الاقتصادية الأمريكية.

فقد أدى تشديد إيران قبضتها على هذا الممر المائي الحيوي، عبر الألغام البحرية والهجمات على ناقلات النفط، إلى خفض كمية النفط العابرة يوميا من 20 مليون برميل قبل الحرب إلى أقل من 3 ملايين برميل بحلول مارس/آذار. لكن وفي نهاية آب/أغسطس، أعلن الجيش الأمريكي عن “إنجاز هام”: فقد تمكن من تطهير طرق عبور المضيق من الألغام. وأفاد بيان صحافي صادر عن القيادة المركزية الأمريكية في منتصف أيلول/سبتمبر بأن المضيق “مفتوح للعبور”.

وشهدت صادرات النفط الإقليمية ارتفاعا ملحوظا في أيلول/سبتمبر ووفقا لتقييم أجرته شركة جي بي مورغان وانتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أواخر الشهر الماضي، فقد انتعشت الصادرات الإقليمية بنسبة 11% فقط دون مستويات ما قبل الحرب. وأفادت شركة كيبلر للاستخبارات البحرية أن متوسط ​​كمية النفط العابرة للمضيق يوميا في أيلول/سبتمبر بلغ 10 ملايين برميل. وغادرت 6 ملايين برميل اضافية المنطقة عبر موانئ وخطوط أنابيب تتجنب المضيق.

ويبدو أن عنوانا رئيسيا نشر في أواخر أيلول/سبتمبر على شبكة سي إن إن قد لخص التقييم العام: “فقدت إيران نفوذا كبيرا في مضيق هرمز ولا يمكن أن يستمر الوضع على هذا النحو إلى الأبد”.

واحد من أسباب استئناف تدفق النفط هو أن شركات النفط السعودية والإماراتية والقطرية والكويتية، بالتعاون مع البحرية الأمريكية، بدأت بتنفيذ عمليات نقل محفوفة بالمخاطر تتجنب الصواريخ الإيرانية المضادة للسفن والطائرات المسيرة التي تهدد المضيق. وتقوم ناقلات النفط داخل الممر المائي بإيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها وتحمل بالنفط، ثم تغادر المضيق تحت حراسة طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية تابعة للبحرية الأمريكية، مرورا بالساحل العماني.

وبمجرد وصولها إلى المياه الآمنة، تنقل حمولتها من النفط الخام إلى ناقلات عملاقة لنقلها إلى وجهات أخرى.

ويرى الكاتب أن الوضع الراهن الجديد في المضيق غير مستدام وغير قابل للتوسع. فعمليات النقل من سفينة إلى أخرى محفوفة بالمخاطر ومكلفة وتعتمد على العمليات العسكرية الأمريكية النشطة، والتي تشمل حاليا مجموعتين من حاملات الطائرات الضاربة التابعة للبحرية الأمريكية موجودتين بالفعل في المنطقة، وثالثة في طريقها إليها.

في الوقت نفسه، لا يزال العبور عبر المضيق محفوفا بالمخاطر، حيث تعرضت ثماني ناقلات نفط على الأقل لهجمات في الأسبوع الماضي، ولا يزال المركز البحري المشترك متعدد الجنسيات، ومقره البحرين، يقيم التهديد لعبور المضيق بأنه “خطير”. ووفقا لمنظمة التجارة البحرية البريطانية، لا تزال حركة الملاحة في المضيق أقل بنسبة 75% من مستويات ما قبل النزاع. ويتخلف العرض العالمي من النفط الخام والمنتجات المكررة عن الطلب، ولا تتجاوز صادرات المنتجات المكررة الإقليمية 58% من مستويات ما قبل الحرب. وكما قالت آنا سوباسيتش، محللة مخاطر التجارة في شركة كيبلر، لصحيفة “نيويورك تايمز” قبل فترة، فإن مرور المزيد من السفن والنفط عبر المنطقة مقارنة ببداية الحرب “لا يعني أننا نشهد عودة التدفق إلى وضعها الطبيعي”.

وربما يكون ترامب محقا في اعتقاده بأن المعاناة الاقتصادية لإيران تتفاقم بوتيرة أسرع من معاناة أمريكا. لكن النظام الإيراني، المنخرط في حرب يعتبرها وجودية، سيتحمل مستويات معاناة أعلى بكثير مما تقبله إدارة أمريكية غارقة في حرب لا تحظى بشعبية. وقد يمثل الارتفاع الحاد في أسعار البنزين والديزل مشكلة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي الشهر المقبل. على النقيض من ذلك، أظهر النظام الإيراني، ببنيته التحتية الواسعة والمُجرَّبة للقمع الشعبي، استعداده لقمع وقتل مواطنيه، ولا يراعي في سياساته نتائج الانتخابات.

وعلى ما يبدو، لا تدرك إدارة ترامب أن قادة إيران الحاليين أكثر عسكرة وتشددا من تلك التي قتلت في بداية الحرب ويتصرفون انطلاقا من افتراض أن الولايات المتحدة عازمة على هزيمة الجمهورية الإسلامية. فهم يرون في التنازل تحت الضغط تسريعا لتدميرهم، لا تأخيرا له. وردا على تصاعد الضغوط الاقتصادية الأمريكية وتدهور الوضع الاستراتيجي، ربما يلجؤون إلى تصعيد الوضع العسكري بدلا من الاستسلام.

بعد انتهاء حرب فيتنام بفترة وجيزة، نقل عن عقيد أمريكي قوله لنظيره الفيتنامي: “لم تهزمونا قط في ساحة المعركة”، ويزعم أن العقيد الفيتنامي فكَر في الأمر، ثم أجاب: “قد يكون ذلك صحيحا، ولكنه غير مهم”. قد ينطبق الأمر نفسه على إيران. نعم، لقد دمرت الولايات المتحدة أجزاء كبيرة من الجيش الإيراني. ونعم، إنها تلحق ضررا بالغا بالاقتصاد الإيراني وتفاقم معاناة المزيد من مواطنيه. ونعم، إنها تستخرج كميات أكبر من النفط من المنطقة مقارنة ببداية الحرب. لكن لا شيء من ذلك يُقرّب أمريكا كثيراً من تحقيق النصر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *