أشياء لا تُباع


في ساعة الشدة كم من الأيادي تمتد إليكَ في الوقت نفسه، لكنك لا تقدس سوى واحدة، تلك التي بقيت معك.
ألمّت بي قبل سنين علّةٌ أقعدتني وعزلتني طويلاً عن الآخرين والعالم، ولم تنجدني من بين كنوز مكتبتي غيرُ مقالات علي جواد الطاهر؛ لا القصة، ولا الرواية، ولا كتب التاريخ والجغرافيا القديمة.
بطبيعة الحال نسيتُ كلّ ما يخصّ هذا الموضوع، ولم أعد إلى مؤلفات أستاذي بعد انقضاء بؤس تلك الأيام. لكنني في زمن تال، وأنا أكتب إلى هذه الصحيفة مقال «أخي عبد الله»، كنتُ أصغي إلى صدى صوت الطاهر في أذني، بعد أن ذاب فيّ وصار بضعةً مني، وأتممتُ الكتابة دون الحاجة للعودة إلى المصدر.
تزدهي المقالة وتصير قطعة فنّيّة حين تشعّ فيها رائحة الحنان، فتحرّك دماءنا كي تطفر من مكانها وتتغيّر نحو الأحسن، أو أن النصّ يكون بارداً فاتراً فينهكنا من الضّجر، ويقتلنا مللاً. الإيقاع مطلوب ولازم، وجرس الكلمة مع الصّمت أو السّكون أو الصّخب الذي يليه مطلوب ولازم، والعمل العشوائيّ يخلص إلى أدب عشوائيّ يشبه البناء العشوائيّ، لا تنظيم ولا هندسة ولا ترتيب ولا إحساس بالفراغ، لقد تسرّب النّظام من فتحة خفيّة في المكان، واستمرّ التّسرّب إلى النّهاية.
ورغم أن كلّ الفنون تتوق إلى محاكاة الموسيقى، لكنّ فنّ المقالة إلى روح النّغم أقرب، طلاوة الحرف ورونق المعنى تنتج عن اجتماعهما ملاحةٌ في الكلام، ويظنّ البعض أن افتعال الشّدّة في الأسلوب والتّعالي على القارئ يضمنان تقدير النّقاد. فات عن بال هؤلاء أن الكلام العسير مثل الماء العسر، والوضوح والبساطة والجرس هي صفات الكلام المعسول العذب.
وهناك من يلجأ إلى الخطاب الأعمى الذي لا يستدلّ طريقه إلى القرّاء، كأنّه معادلة رياضيّة في الهندسة، أو يأتيك بمواضيع تغشّك في بادئ الأمر فتحسب الموت الذي فيها حياة، ويترك هذا فراغاً في قلبك، تلغيه مباشرة لحظات من التأمّل.
في محاورة فيدروس يتحدّث أفلاطون عن «الوحدة العضويّة» في الخطاب الأدبيّ، والذي من المفروض أن يتشكّل كمخلوق حيّ تام البنية، وليس ثمة فراغ أو تجزئة في النص، بل إنّ وحدات المقالة، وإن تعدّدت، «تستطيع – بالتّضامّ – أن تشكّل الكلّ ببساطة»، وأرجو الانتباه إلى شرط «البساطة» الذي وضعه فيلسوف المأدبة، عن اتّحاد الأجزاء في واحد.
«إن كتابة عشر صفحات من رواية، لأسهل من كتابة هاتين الصفحتين. لقد أعدتُ كتابة هذا النص اللعين خمس مرات على الأقل، وكنت، في أثناء ذلك، أدخل عليه التعديل تلو التعديل حتى أتممته أخيرًا كيفما أتفق… لكن رداءته تدمي الفؤاد». صاحب هذه العبارات المؤثرة هو دوستويفسكي، في إحدى رسائله إلى أخيه، يعلن فيها صراحة صعوبة كتابة المقالة الأدبية.
أهمّ شروط هذا الفنّ أن يكون المقالي موهوباً، ومدركاً لتاريخ ثقافة وفنون شعبه. فالمقالة تمسّ حياة الناس مباشرة، وتدخل في خباياهم، وتستشرف العالم البعيد والقريب والأقرب. ويمنح هذا الفنّ مريدَه أن يعيش مهرجان المدينة حوله كلّ يوم، داخلَ بيوتها وخارجها. جميع الأشياء صارت ملكه طالما كتب عنها وثبّتها على الورق؛ الزّجاج والمباني والشّوارع والنّهر بضفّتيه، وكأنّه غدا نخلةً باسقة تتفاعل مع الرّيح والشّمس، وتدور مع الحركة في المدينة، وتتأثّر بما يجري.
والمقالي أيضاً رسّام خرائط للعالم لا نظير له، بإمكانه صنع خريطة مقياسها 1 :100000 أو 1 :50000 أو 1 :5000، تتضمن كل أبعاد العالم المرئي والضمير الإنساني، كما يمكنه من خلال خبرته أن يصوّر ذاته والآخرين والجنس البشري، بالإضافة إلى بقية الكائنات على الأرض، في لوحة رمزية وبالأبعاد التي يشاء، ويستطيع أيضاً فحص كل ما تقدم بواسطة المجهر.
بطاقتِها الذاتية تصنع لك المقالة نصباً تذكارياً، أو تحفر لك حفرة، أو لا هذا ولا ذاك، وهو النوع الأعمّ فيما نقرأ في الصحف وفي الكتب الخاصّة بهذا الفنّ، لأن المؤلّف لم يصبّ جهده في سبيل أن يرفعه القرّاء فوق رؤوسهم، ولا يهبط دون ذلك فيضيع في بحران همهماتهم، وإذا استمرّ على هذا المنوال بالهبوط فقد يحدث أن تدوسه الكعاب، ويفضّل الكاتب عندها الموت على أن يُحشر في هذا المكان؛ أمثولة للفشل والعجز وفساد الذّوق.
المعروف عن هذا الفن أنه يعيش على الصحافة التي تقتات بدورها على الواقع، ولا تأخذ من الخيال شيئاً. بينما يهوى المختصّ بالمقالة الأدبية الكلام عن الأشياء التي تبدو غير ضرورية، والتي اختفت منها الفائدة العملية، تاركة له الحياة العارية فيها؛ ما يدعوها النقد الشعرية الخاصة بها، يكشفها للقارئ في صور مؤثرة. إنها سبيلُ من يعيش سنينه كلها، وهو يقتني أشياء لا تُباع.
التأنيث والتذكير وتفضيل الذكر على الأنثى لا يغيب عن تفكيرنا في هذه البلاد، وإن كان المتفكّر أديباً وعالماً وإنساناً عظيماً. يُروى عن أستاذي الطاهر تفضيله اسم «المقال» بالتذكير على «المقالة»، فإن أعجبته طريقة الكتابة والعَرض قال عن النصّ إنه مقال، وإلا فهو بالصورة المؤنثة. بالنسبة إلي أحبّذ دعوتها بتاء التّأنيث لأنّها تشبه حوّاء، لطيفة وخفيفة على القلب، وسهلة المنال في الظّاهر، لكنها مستحيلة على العاجز.
تُكتب المقالة وكأنّ قائلها عندليب يغنّي، يجمع بين أثمن شيئين في الوجود؛ الموسيقى الخلّابة والحكمة الباقية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *