أثار وزير خارجية بريطانيا إد ميليباند، أخيراً زوبعة قوية حين أعلن أن بريطانيا سوف تقاطع منتجات المستوطنات «غير القانونية»، وإن ما يقوم به «المستوطنون» هو عملية تطهير عرقي، وإن ما يجري في غزة «جريمة حرب» وإن جميع تلك التصرفات هي محاولات لإحباط مشروع حل الدولتين، ولكننا نقول لهم «لن تنجحوا في مسعاكم».
من المهم التأكيد على أن أقوال وزير الخارجية ميليباند، أقوال مستحدثة في الدبلوماسية البريطانية، ولم يسبق لمسؤول بريطاني أن قالها، أو قال ما يقترب منها، وظلّت السياسة البريطانية منذ تصريح بلفور عام 1917، سياسة مراوغة، مخادعة، ومتلونة، وزادها مكراً وخبثاً حين تولّى توني بلير، شريك جورج بوش في جريمة العدوان على العراق، مهمة تطبيق مشروع الرباعية في عام 2007، وما زال يمثل العقلية الاستعمارية إياها، حين أصبح الرئيس الفعلي لمجلس السلام الذي تمّ تصميمه حسب مواصفات الرئيس دونالد ترامب. ونذكر إن أولى مهامه هي الطلب من الفلسطينيين تغيير اسم «الضفة الغربية» إلى «يهودا والسامرة» تنفيذاً لرغبات الوزير الإسرائيلي بن غفير.
وقبل ان أعلّق على أقوال ميليباند، لا بدّ أن نستذكر أن بريطانيا اعترفت بدولة فلسطين بتاريخ 21 سبتمبر 2025، على حدود الرابع من يونيو 1967، مع تبادل في الأراضي، مع التحفّظ على وضع القدس والحدود النهائية، حيث تترك لمفاوضات الطرفين. وكان الاعتراف خطوة جيدة الاّ أنها قليلة الفائدة، ذلك أن الاعتراف ليس واجباً على الدولة المعترفة، بل عمل اختياري، بينما لم تقم بريطانيا بما هو مطلوب منها بموجب القانون الدولي، مثل وقف المساعدات لإسرائيل، التي ترتكب جريمة إبادة، وهناك ثلاثة قرارات وقتية صادرة عن محكمة العدل الدولية، بتاريخ 26 يناير، و28 مارس، و24 مايو، 2024، تطلب فيه من إسرائيل ومن الدول الأخرى الأطرف في اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948، وقف الأعمال العسكرية وتقديم المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين، ولاحظت المحكمة أن «لجميع الدول الأعضاء في اتفاقية الإبادة مصلحة مشتركة لضمان منع الإبادة». وتجدر الإشارة إلى أن الأوامر الوقتية «ملزمة قانوناً» للدول الأطراف، وبريطانيا واحدة منها.
ما قاله ميليباند جديد وجيد، إلاّ أن اليقظة تقتضي التدقيق في ما قاله وما لم يقله، لكي لا نصاب بالإحباط، وننساق وراء خطاب ظهرت علية الجديّة والنبرة العالية. قال إنه سيقاطع منتجات «المستوطنات غير الشرعية»، وهو تعبير خطير وكأن المستوطنات نوعان، مستوطنات شرعية وأخرى غير شرعية. ولكن حسب اتفاقيات جنيف لعام 1949، وبريطانيا طرف فيها، جميع المستوطنات غير قانونية وغير شرعية، ليس فقط، أن دولة الاحتلال نقلت أو شجّعت جزءاً من سكانها للسكن فيها، بل أصبحت هذه المستوطنات تنطوي على مخاطر أكبر وهي، تصميمها لكي تقطّع أوصال الإقليم الفلسطيني وتحول دون التواصل الجغرافي للإقليم الذي ستُقام عليه الدولة الفلسطينية التي اعترفت بها حكومة صاحب الجلالة.
يصف ميليباند ما يجري في غزة، بأنه «جريمة حرب»، هذا الوصف رغم أنه صحيح إلاّ أنه ينطوي على التفاف لتجنّب وصف ما يجري بأنه أكبر بكثير من مجرد «جريمة حرب»، إنها «جريمة إبادة»
وما هي الأداة أو المعايير التي سوف يستخدمها ميليباند لمعرفة المستوطنات «الشرعية» وتمييزها عن المستوطنات «غير الشرعية»؟ فإذا كان أحد مصانع الأسلحة البريطانية يشتري قطعة من مكونات ذلك السلاح تصنع في مستوطنة إسرائيلية، فهل تنطبق أحكام المقاطعة عليها؟ ولو فرضنا العكس، أن أحد الأسلحة الإسرائيلية يُصنّع في مستوطنة، ولكن بعض مكونات هذا السلاح يُصنّع في إنكلترا، فهل تنطبق عليها أحكام المقاطعة. هذا التمييز والفرز ما بين «شرعية» و «غير شرعية»، عملية ماكرة فضلاً عن أنها ستستغرق وقتاً طويلاً.
وثاني المطبّات التي وضعها إد ميليباند في الطريق- بقصد أو دون قصد- هو إلقاء اللوم الأكبر على الجرائم التي تُرتكب على يد «المستوطنين» الذين يمارسون التطهير العرقي، أي أن «جيش الدفاع الإسرائيلي» نظيف اليد ولا يأتيه الباطل. إن اتهام ميليباند للمستوطنين بأنهم يمارسون التطهير العرقي، هو كالذي يتواري من الشمس بغربال. إن المستوطنين في غالبيتهم العظمى جنود احتياط في الجيش الرسمي للدولة، ويحملون السلاح جهاراً نهاراً بموافقة السلطة العامة، ويحضر المستوطنون الجلسات التي يُلقي ضباط الجيش تعليماتهم فيها للجنود، وحين يقوم الجيش بالانسحاب من قواعده ينسحب الى المستوطنات، ويقوم الجيش بتدريبهم وتسليحهم، وحمايتهم وتمكينهم من القيام بالتنكيل بالمدنيين الفلسطينيين، وسرقة أغنامهم وقطع أشجارهم وتدمير مساكنهم. وللتذكير، هل يتصور ميليباند أن المستوطنين يملكون هذه القدرات والمواد والتجهيزات، دون دعم حكومي وتمويل حكومي ومباركة حكومية؟ لقد حاولت بريطانيا في السابق أن تتخفى، حين قامت الولايات الأمريكية الجنوبية بثورتها ضد ولايات الشمال عام 1860، حيث كانت ترسل مقاتلين بملابس مدنيّة ليس مباشرة الى الولايات الجنوبية، بل الى جزر البحر الكاريبي، ومن هناك ينتقلون بالقوارب للالتحاق بالثورة. في تلك الأثناء أمر الرئيس الأمريكي لينكولن بضرب القوارب وإغراقها، وقال إن هؤلاء ليسوا مدنيين، بل هم في رحلة مقصدها الأخير قتالنا. والعجيب أن بريطانيا لم تعترض على تصرفات الرئيس لينكولن، وكأنها وافقت على موقفه القانوني، وأصبحت هذه سابقة في القانون الدولي اسمها «الرحلة المستمرة». هل يعلم ميليباند، أن المستوطنين هم في «رحلة مستمرة» ليس لسرقة الماشية، بل للتهجير والاستيلاء على أراضي وممتلكات الفلسطينيين؟ أليست هي «سطوا مسلحا»، مما تجوز مقاومته قانوناً باعتبار أنهم «لصوص» أو «قطّاع طرق»؟
وما هو أشد خبثاً ومكراً في تصريحات ميليباند أنه يصف ما يجري في غزة، بأنه «جريمة حرب». هذا الوصف – رغم أنه صحيح- إلاّ أنه ينطوي على التفاف غير موفق في تجنّب وصف ما يجري في غزة بأنه أكبر بكثير من مجرد «جريمة حرب»، إنها «جريمة إبادة»، كاملة المواصفات والتعبير الذي استخدمه ميليباند من أن المستوطنين يمارسون التطهير العرقي، هو شكل من أشكال الإبادة.
قد يقول البعض في مكتب ميليباند، أن قراراً قضائياً لوصف ما يجري في غزة على أنه «إبادة»، لم يصدر حتى الآن، وبالتالي لا يستطيع الرسميون البريطانيون استخدام ذلك الوصف. هذا قول غير دقيق، ذلك أن رأياً عاماً قانونياً قوياً قال، إنه ليس من الضروري الانتظار حتى صدور رأي قانوني عن المحكمة لتحديد الوصف الصحيح، ذلك أن الاتفاقية المتعلقة بالإبادة عنوانها «منع الإبادة والمعاقبة عليها»، و»المنع» قد يحصل في أي مرحلة قبل صدور قرار المحكمة المختصة، وذلك يعتمد على حجم الجرائم المرتكبة ونوعيتها والظروف المرافقة لها.
لقد أصدر أكثر من ألف رجل قانون بريطاني، بمن فيهم قضاة وأساتذة ورجال قانون يؤكدون أن ما يجري في غزة هو «إبادة»، وهناك العديد من التقارير الدولية لهيئات ومؤسسات محايدة تؤكد ذلك. وإن الأوامر الوقتية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية تؤكد إن ما يجري في قطاع غزة أفعال تحمل صفة الإبادة. إن تردد المسؤولين البريطانيين في استخدام هذا الوصف، ربما يكون مرده أن بريطانيا «شريك» أو متواطئة في عملية الإبادة، ليس فقط تصدير سلاح بريطاني ما زال يُستخدم في عمليات الإبادة، بل إن طائرات التجسس البريطانية ما زالت تعمل كذلك باستخدام قاعدتها في أكروتيري، قبرص، كما أنها تسهّل للطائرات الأمريكية استخدام قواعدها في عملياتها لمساعدة إسرائيل. وأن الدعوى التي أقامتها نيكاراغوا ضد ألمانيا على أرضية مساعدة ألمانيا لإسرائيل في حرب الإبادة لابدّ أنها أرسلت إشارات تحذيرية للدول الأخرى.
أن ينظر ميليباند بعين واحدة أو بنصف عين على ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يمنح بريطانيا البراءة على الجرائم التي ترتكبها، أو تساهم في ارتكابها أو تدعم إسرائيل في ارتكابها، بينما هي من الدول القليلة التي بإمكانها ان تحول دون مواصلة إسرائيل ارتكاب جرائمها، سواء كانت «جرائم حرب»، أو «جرائم إبادة». ولا يقتصر العمل على مقاطعة المستوطنات «غير الشرعية»، بل عليها أن تلتزم بما طالبتها به محكمة العدل الدوليه، ليس إلاّ.
محام وكاتب فلسطيني