الأردن: ظاهرة «الفلاحة الأم»


أجمل ما في الحراك النشط الذي تظهره إعلاميا ووطنيا مزارعات أردنيات يمثلن الطبقات المسحوقة في المجتمع أنه يضرب عصفورين في حجر واحد وبطريقة مدهشة حتى الآن على الأقل.
العصفور الأول هو الكشف عن طاقات كامنة في المرأة الأردنية التي يخضعها الذكور للكثير من الاختبارات والمؤامرات والدسائس حيث الأم الفلاحة ابنة الأرض تزاحم الذكور في الحجة والمنطق وفي الوثيقة والفصاحة والأهم في القدرة على إظهار الانتماء الحقيقي للأرض.
العصفور الثاني هي تلك المادة الحيوية وطنيا التي تقدمها نساء مزارعات الآن في إقامة الحجة أمام محكمة الرأي العام والضمير بصيغة ينتج عنها رواية أخرى وبديلة حيث الحاجة ملحة ليس فقط للحوار والتفاعل والاشتباك الإيجابي لكن لرواية تتباين مع السردية البيروقراطية أحيانا بحيث يستفيد الوطن والمواطن من ذلك التباين.
نقول ذلك لأن سيدات محترمات في منطقة الأغوار الأردنية توقفن عن انتظار الذكور والرجال وأظهرن جملة منضبطة جدا وفعالة في الدفاع عن حقوق المزارع الأردني.
المرأة التي أصبحت رمزا لهذا الحراك ولظاهرة الأم الفلاحة هي السيدة «نبيلة الحشوش» التي أدهشت الجميع عندما اختصرت مسافات في مناقشات حضور المرأة وغيابها وأعلنت على شاشة التلفزيون «أنا أم لـ 9 أطفال وأزرع أرضي وهم جميعا فداء للوطن».
نشك في إمكانية هزيمة مفهوم التعبير المباشر عن الولاء والانتماء حيث حراكات وخطابات ومناولات المزارعات الأردنيات هذه الأيام لا يخدش ولا يجرح ولو بكلمة واحدة المؤسسات.
ويحرص بهوس – وهذا لافت جدا للأنظار- على إظهار الحجة والبيان والوثيقة واستخدام الخارطة والفكر البيئي والزراعي في مناهضة خطط الاستملاك بعدما استخدمت الحكومة وبسرعة سلاحها التشريعي الجديد متمثلا في قانون الملكية العقارية بمجرد نفاذه وبطريقة فيها من الخشونة الكثير لصالح مشاريع استثمارية لم يعرف بعد كيف تتحقق المنفعة العامة عبرها.
سارعت الحكومة لاستخدام سلاحها الجديد عبر تنفيذ استملاكات لأراض زراعية مرة لصالح مشاريع السكك الحديدية ومرة أخرى لصالح لإقامة ما يسمى في قطاع التعدين بـ» البرك الملحية».
أهداف الحكومة قد تكون نبيلة أو غامضة. لكنها تؤذي المزارعين وتساهم في تقليص مساحة اليقين بالأمن الغذائي حيث مناطق زراعية هي الأكثر خصوبة في العالم تصادر في أطرافها بعض المساحات من الأرض وبدون شرح أو تفصيل وعلى أساس أن سكة الحديد أهم من منتج البندورة.

 سيدات محترمات في منطقة الأغوار الأردنية توقفن عن انتظار الذكور والرجال وأظهرن جملة منضبطة جدا وفعالة في الدفاع عن حقوق المزارع الأردني

والتوسع في قطاع تعدين البوتاس أهم من «الملوخية» حيث تفيد الأوساط الزراعية بأن أحد مقاولي استملاك الأراضي استخدم آليته لتجريف 10 دونمات دفعة واحدة مزروعة بمنتج الملوخية.
طبعا وبالتأكيد البوتاس أهم من الملوخية وسكك الحديد أهم من البندورة. لكن السؤال الذي طرحته الناشطة الزراعية الحشوش على رئيس اللجنة القانونية في البرلمان وعلى الهواء المباشر لتلفزيون رؤيا يحتاج لإجابة في الواقع: «سعادتك .. هل لديك استعداد للتخلي عن قلاية البندورة»؟
البوتاس مهم وطبعا هو ثروة وطنية لكنه لا يقدم كوجبة إفطار صباحية للفقراء وسكك الحديد قضبانها لا تصلح لإعداد طبق البيض أو العجة حيث حرف الباء هنا مهم لفقراء الأردن والغالبية الساحقة من أبناء الحراثين والفلاحين وهو الحرف الذي تبدأ به كلمتان ساحرتان هما «بيض وبندورة «.
مهم جدا وبعيدا عن التفصيلات الفنية ووجهات النظر الخاصة بالاستثمارات الكبرى ومكاسب الناس منها شرح الأمور ببساطة للناس.
مهم توفير طريقة للجمع بين تطوير صناعة البوتاس والنقل والحفاظ على طعام الفقراء بدلا من استيراد البندورة من الصين وبسعر يعجز عنه غالبية المواطنين.
المهم أن يقدم المجتمع عبر مؤسساته المدنية خدمة الإسناد لكل أم فلاحة ومزارعة نشطة لديها وجهة نظر مختلفة حيث دعم القطاع النسائي أجدى وأنفع هنا من كل تلك الأدبيات التي وردت في المؤتمرات ومسارات التحديث تحت عنوان دعم وتمكين المرأة.
مهم جدا وللدولة قبل الناس إفساح مكان للأم المزارعة وهي تدافع بحرص شديد وهوس وطني مرصود عن الأمن الغذائي وحدود الأغوار الآمنة في مواجهة عدو يتربص بالجميع وفي مواجهة ظاهرة التصحر الملحي حيث الخبراء يؤكدون بأن التربة في مساحة مضاعفة من الأراضي تفسدها بركة ملحية واحدة تقام على أي جزء من الأرض المستهدفة.
الاستثمار دوما وأبدا له أولوية لكن الإصغاء لأبناء الحراثين والفلاحين ولحجتهم والتعامل معهم بتقدير واحترام وتبديد مخاوفهم هو الأولوية الوطنية التي تفوق أي أولويات أخرى.
لا بد من وجود طريقة ما لشرح عوائد استملاك أراضي الناس المتضررين أو لتعويضهم بشكل منتج مع تطبيق القانون بمسطرة واحدة على الجميع.
لا بد من درب ما تسلكه الحكومة لإقامة حوار وطني إجرائي هذه المرة يهمش مساحات القلق عند المزارعات ويبلغهن بجدوى وإنتاجية وعوائد ومكاسب عمليات الاستملاك التي لا أحد يطالب بمعارضتها عندما يتعلق الأمر بالمنفعة الوطنية العامة.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *