فوجئ الكثير من الفلسطينيين ببيان رسمي صادر عن «هيئة علماء فلسطين» يتبنى موقفاً سياسياً من الأحداث الأخيرة في اليمن، ويتضمن فتوى دينية تؤكد تحريم دماء المسلمين وتحريم سفكها وإراقتها، وكأن الناس كانوا لا يعرفون ذلك، وكانوا ينتظرون فتوى تفيد بتحريم القتل، فيما أشعل هذا البيان موجة من الجدل والتعليقات بعد أن تداوله الناس على نطاق واسع.
البيان الغريب والعجيب يتضمن فتوى بتحريم القتل وسفك الدماء وهذا معلوم من الدين بالضرورة، ويعرفه الصغار قبل الكبار، ولا يحتاج لأي بيانات ولا فتاوى، كما لا يحتاج إلى علماء لا من فلسطين ولا من غيرها من أجل بيانه للناس، لكن المشكلة الحقيقية في هذا البيان هو أنه يُشكل انزلاقاً نحو تبني موقف سياسي من صراع داخلي عربي، وهو صراع لا علاقة للفلسطينيين به، وينبغي عدم توريطهم فيه، كما إنه صراع سياسي وعسكري ولا علاقة أيضاً لعلماء الشريعة به، كما إنه ليس في حاجة لفتاوى دينية وشرعية.
استخدام الفتاوى الشرعية في تبرير وتكييف ودعم الموقف السياسي، يعني في نهاية المطاف إيهام الناس بأن هذا الموقف له أصل ديني، وأن من يقف في الجهة المناقضة إنما يقعُ في الحرام
البيان الصادر عن «هيئة علماء فلسطين» يُشكل استغلالاً للدين، وتوظيفاً للنصوص الشرعية في مناصرة موقف سياسي ضد آخر، وهذا سبق أن حدث عندما أصدروا فتوى بتحريم إعادة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري، على الرغم من أن إقامة علاقات أو قطعها مع أي دولة ليس أمراً شرعياً يحتمل الفتوى، وإنما يندرج في إطار العمل الدنيوي الذي يقول فيه الرسول الكريم: «أنتم أعلمُ بشؤون دنياكم».
استخدام الفتاوى الشرعية في تبرير وتكييف ودعم الموقف السياسي، يعني في نهاية المطاف إيهام الناس بأن هذا الموقف له أصل ديني، وأن من يقف في الجهة المناقضة إنما يقعُ في الحرام، وهذا استغلالٌ للدين في العمل السياسي وتوظيف للنصوص الشرعية، في ما فيه مصلحة التيار السياسي، وهو ذاته ما تفعله الأنظمة المستبدة التي تجعل من دور الفتوى مؤسسات لتبرير وتزيين أفعالها وإضفاء الصفة الشرعية والدينية على ما يقوم به الحاكم المستبد. لا تتوقف المشكلة في بيان «هيئة علماء فلسطين» عند مستوى استغلال الدين في تبرير الموقف السياسي، لكنها تمتد نحو ما هو أخطر من ذلك بكثير، وهي أنها تتبنى موقفاً من صراع داخلي في اليمن، ما يعني توريط الفلسطينيين في شأن داخلي، وهو موقف حتى السلطة الفلسطينية لم تتورط فيه، لا هي ولا أي من مؤسساتها، لتأتي الهيئة التي تتخذ من إسطنبول مقراً لها وتُصدر بياناً بشأنه! ليس من الحكمة ولا الرشد ولا الفطنة، أن تقوم أي مؤسسة فلسطينية بتبني موقف مما يحدث في أي دولة عربية، أو تنحاز إلى أي طرف، أو تصبح جزءاً من أي صراع داخلي عربي، وقد سبق أن كان للفلسطينيين تجارب مريرة في هذا السياق، كان أبرزها في لبنان عندما تحولت المقاومة الفلسطينية إلى جزء من الصراع الداخلي، وأصبحت طرفاً في حرب أهلية استمرت لسنوات طويلة وكان الأجدر أن يكون الفلسطينيون فيها على الحياد وأن لا يتورطوا فيها.
«هيئة علماء فلسطين» التي يُفترض أنها «هيئة دينية» أصدرت بياناً مسيئاً لليمن واليمنيين، من دون أي مبرر شرعي أو ديني، كما إنها هيئة فلسطينية وأصدرت بياناً في قضية لا علاقة للفلسطينيين بها، بل قد تورطهم بها وهم في غنى عن ذلك. وهذا البيان المعيب يأتي بعد أسابيع قليلة من قيام الهيئة ذاتها باستضافة شاعر عربي سبق أن كال الشتائم والسباب للفلسطينيين في غزة، كما أن الهيئة ذاتها ورَّطت «معرض إسطنبول الدولي للكتاب» باستضافة هذا الشاعر ذاته قبل أن تكتشف إدارة المعرض الورطة وتقوم بإلغاء الفعالية وإلغاء الأمسية الشعرية.
يعلمُ الجميع أن أي موقف يصدر عن «هيئة علماء فلسطين» إنما هو محسوبٌ في نهاية المطاف على تيار فلسطيني كامل، ولذلك فمن المهم إجراء مراجعة شاملة لمواقفها وأفعالها وبياناتها وأعضائها، ومن المهم أن تتذكر الهيئة بأنها مؤسسة دينية وليست حزباً سياسياً، وأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتم استخدامها في تبرير موقف سياسي على حساب آخر، وإلا فإنها ستتحول إلى «دار فتوى» جديدة تنضم إلى تلك الموجودة في بعض الدول العربية، التي يتم استدعاؤها من قبل النظام السياسي عند الحاجة للتطبيل لأفعاله ومواقفه وسياساته.
كاتب فلسطيني