«أهداني خوخة ومات» … قراءة في البدايات الشعرية لأحمد صبري


ينتمي الشاعر المغربي أحمد صبري (1939-2022) إلى جيل الستينيات الذي شهد تحولات مهمة في القصيدة المغربية الحديثة. وقد جمع في تجربته بين الشعر والقصة والصحافة، إلى جانب حضوره في مجال الصحافة الرياضية، حيث عُرف باهتمامه باللغة وأسلوبه في الكتابة والتحليل. غير أن ظروفه الصحية أبعدته عن الحياة الثقافية خلال السنوات الأخيرة من عمره، حتى إنه كان يشكو، بحسب ما نقله عنه زميله الصحافي عبد الرحيم التوراني، من قلة اهتمام بعض أصدقائه وزملائه بأحواله.

أصدر صبري ديوانه الأول «أهداني خوخة ومات» عام 1967، ثم مجموعته القصصية «شخوص معلقة من الأرجل» عام 1976، وديوانه الثاني «قصائد تهفو وتنحني» عام 1997. ويتيح ديوانه الأول الوقوف على ملامح تجربته الشعرية المبكرة، سواء من حيث الموضوعات التي تناولها أو محاولاته تطوير البناء الشعري.

يضم «أهداني خوخة ومات» إحدى وستين قصيدة، حرص الشاعر على تأريخها، وجميعها مكتوبة بين عامي 1961 و1963. وقد وزعها على مجموعات تحمل عناوين تعكس موضوعاتها، التي تتنوع بين القضايا الوطنية والسياسية والقومية، ومنها الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية، إلى جانب التجربة الذاتية.

وتركز هذه القراءة على المجموعة الأولى، المعنونة «جدار الإلحاد في وجه الأبطال»، بوصفها نموذجا لدراسة أبرز السمات الموضوعية والفنية في شعر أحمد صبري خلال تلك المرحلة.

ـ المستوى الموضوعاتي:
تضم المجموعة الأولى ست قصائد هي: «الطائِر الملتهب والدروب» ـ «القشور» ـ «أنا وملاك العقائِد» ـ «السرب المبكر»، «المؤمنون ولهفة الحج «انتظار». في هذه القصائد، نجد مجموعة من الموضوعات تهيمن على نصوصها: الثورة والغضب في ظل واقع قاهر ـ انحياز الذات الشاعرة إلى المناضلين والمقاومين والمهمشين، وإلى قيم الحرية والعدالة الاجتماعية. يقول الشاعر في قصيدة «الطائر الملتهب والدروب»: «أفح النار/ أوزع الحب/ والقمح والحديد/ في صدرِ كل درب». ويقول في قصيدة «أنا وملاك العقائِد»، التي أهداها في تقديمهِ القصيدة إلى المناضِل الشهيد محمد بن حمو.
أهداني خوخة ومات
كما يموت
كل من لم يهدِني
فواكِها ولو من ناظريهِ
من دموع
نجِد في المجموعة تعاطفا صادقا مع المهمشين والمحرومين والمقهورين من أبناء شعبه، كما نلمس إيمانه الراسخ بالغد الأفضل والأجمل لوطنه الحبيب. يهدي قصيدته «القشور» إلى الذين يجوبون الدروب والأرض ويحملون في كفهم نجاسة اليوم، معبرا عن معاناة هذه الفئة من العمال الذين دفعتهم ظروف حياتهم الاقتصادية إلى امتهان هذه المهنة التي يمارسونها ليلا والناس نيام في بيوتهم. جاء في أحد مقاطع القصيدة: «الليل منعطف ثقيل/ …/ وأينعت طحالب العبوس/ وفي الجيوبِ/ أنجم ذبيحة». أما في قصيدة «السربِ المبكر»، فيقدم لها بهذا التقديم الشاعري: «راحوا مع الليل ودقت أرواحهم أجراس الصباحِ المغربي». إن الذات الشاعرة تضع أملها في طليعة المجتمع من المناضلين الصادقين، الذين يقدمون التضحيات من أجل تقدم وتطور البلاد والعباد. نقرأ في النص:
رؤياك تخترق الزمان فيستفيق النائمون
ويقدمون لها الجراح
خبزا وراح
إِذ ذاك ينفجِر الصباح
في قصيدة «المؤمنون ولهفة الحج»، دعوة حارة إلى الحرية، وإدانة صريحة مرة إلى سالبيها. نكتفي بإيراد أبيات منها تؤكد نغمة النضال والبطولة والإيمان بقيم الحرية والحق والعدل:
وكما يقول الفارس المغوار:
« فرسِي تقدسها التلال
فرسي تذوب لها الليال
تخشى حوافرها قوائمها الطوال
فرسي محافِلها النضال «

المستوى الفني:
الإيقاع: يمكن أن نقسم الإيقاع في النماذج التي اتخذناها مجالا للدراسة إلى نوعين:
أـ الإيقاع الخارجي، وهو الوزن العروضي، واللافت لانتباه الدارس، أن الشاعر استخدم وزنين عروضيين متقاربين هما: الرجز في قصيدتين «القشور» و»أنا وملاك العقائد»؛ والكامل في «السرب المبكر» و»المؤمنون ولهفة الحج»، وقد أسعفه الرجز بما يتوفر عليه من التنويع في التفاعيل (مستفعِلن ـ متفعِلن ـ متفاعِلان ـ فعول) في تنويع الصور الشعرية، والمواقف التي تمتلئ بها القصيدتان. أما الكامل، فقد أسبغ على النصين موسيقى حزينة تتناغم وجو الحزن والألم الذي يعاني منه السرب الطليعي في رحلته الشاقة إلى نور الصباح، والمؤمنون بالمبادئ والقيم والمضحون في سبيلها. نسمع تلك الموسيقى الحزينة في أسلوب النداء « يا سِربا تصفد في الظلام» وفي ألفاظ المعجم المستعمل صوتيا ودلاليا (السقام) المتكررة مرتين (الجِراح).
ب ـ الإيقاع الداخلي: ويتمثل في التوازن الصوتي والتكرار، وأمثل لكل منهما بأمثلة من النصوص: التوازن الصوتي: الدروب ـ العيون) في ناظري في خاطري «لأنها منابع الظلام ـ لأنها منابر ابتسام». ألاحظ ظاهرة التكرار في كل القصائد: «أهداني خوخة» في نص «أنا وملاك العقائد» تتكرر في أربعة مقاطع مع تغيير في التركيب، وهي بمثابة لازمة القصيدة، فالشاعر يبئرها في كل مقطع، أخذ يتلوى يتلوى الدالة على التأكيد. أما القصيدة التي تهيمن عليها ظاهرة التكرار بشكلٍ بارز، فهي قصيدة «انتظار»، حيث تتكرر عبارة ما زلت وما زال عشر مرات في بداية كل بيت مع العِلم أن القصيدة تتألف من ستة عشر بيتا أو سطرا شعريا . وقد أدى إيقاع التكرار هنا وظيفة دلالية هي ما تحسه الذات الشاعرة من ضجر ورتابة. يقول: ما زلت أقضم كالغبي أظافري/ وأظل أسجن في البلادة خاطري.
وإذا كان الشاعر صبري أحمد يعنى باستخدام الوزن في بعض قصائده، فإنه يتمرد عليه أحيانا كما في قصيدة «الطائر الملتهب والدروب»، في إطار محاولة التجديد الشعري الذي يعد الشاعر من رواده.
ج ـ القافية: يستخدم الشاعر القافية متتابعة في بعض الأسطر الشعرية، ويترك لنفسه الحرية في توزيعها في إيقاع النهاية، من دون مراعاة لأي نظام محدد .
ومن الجدير بالذكر، أن الشاعر بدأ كتابة شعره موزونا مقفى، وقد وقفت على قصيدة جميلة بعنوان «لحن اليأس» نشرها الشاعر في مجلة «رسالة الأديب» عدد: 5 بتاريخ 1 مايو/أيار 1958 (على بحر الرمل)، تصلح للإنشاد والغناء لما تزخر به من موسيقى عذبة يقول فيها:
بيدي قيثارتيا
وعلى خدي دمعه
وفؤادي.. شفتيا
وأنا كلي لوعه
ينصت الحب إليا
وأنا أسكر سمعه
بِنحيبي المتردي
في مجاهيل السكون
قد سكبت اللحن والصمت يرين
وشدوت الآه والآه شدتني
فسرت ألحاني في مسرى الأنينِ

إن ديوان «أهداني خوخة ومات» لأحمد صبري أثار ردود فعلٍ مختلفة إثر صدوره سنة 1967، فقد هاجمتِ الشاعرة مالكة العاصمي المجموعة الشعرية، مركزة على الوزن العروضي، وبعض مفردات المعجم وبعض المعاني، وانتهت إلى حكم سلبي على الديوان. أما الشاعر محمد الحبيب الفرقاني، فقد اعتبر الديوان فريدا من نوعه، فقد قال عن صاحبه: «يعد شاعرا وطنيا بحق لأنه استطاع أن ينفرد من بين كل الشعراء الشباب في بلادنا ليعطينا شعرا ذا عطاء ناضج يستحق الحياة والخلود، لا شعرا يذبل ويموت بمرور وقته». وقد شارك في هذا السجال الأدبي العديد من الأدباء والنقاد أمثال إبراهيم السولامي وأحمد السطاتي وإدريس الخوري، وكلهم أشادوا بالمجموعة الشعرية، واعتبروها إضافة جديدة إلى المتن الشعري المغربي المعاصر. (محمد بوجبيري ، (موقع « كتابات»)
يبقى أن نقول في الأخير: إن هذا الديوان غني بالقضايا التي كانت وما تزال تشغل بال المفكرين والكتاب والشعراء في المشهد الأدبي والنقدي في المغرب.

كاتب وناقد من المغرب



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *