الرباط – «القدس العربي»: في الوقت الذي وصلت فيه المشاورات السياسية التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة من طرف العاهل المغربي الملك محمد السادس، لتشكيل التحالف الحكومي المقبل، إلى مراحل متقدمة، وبدأت بعض ملامح الأغلبية تتضح، يواصل جزء من الرأي العام الخوض في النقاش حول دلالات تعيين امرأة على رأس «حكومة المونديال»، كما يصطلح عليها في الإعلام المحلي، في إشارة إلى استعداد المغرب لتنظيم كأس العالم لكرة القدم إلى جانب البرتغال وإسبانيا عام 2030.
النقاش، من زاوية المحافظين، يتركز على الجانبين الاجتماعي والديني، بينما يأخذ لدى الحداثيين أبعاداً سياسية وثقافية تتأسس على رصيد المغرب في مجال تمكين المرأة، وما راكمته البلاد من تجارب ناجحة لنساء تولين زمام المسؤولية، إذ لا يخلو المشهد السياسي والاقتصادي والأكاديمي والثقافي من نساء في مراكز القرار، مثل زينب العدوي، رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، وأمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ولطيفة أخرباش، رئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ونزهة حيات، رئيسة الهيئة المغربية لسوق الرساميل.
ولا تقف القائمة عند هذه الكفاءات، فالحكومات المغربية خلال السنوات الأخيرة ضمّت وزيرات، كما هو الحال مع الحكومة المنتهية ولایتها، حيث دبرت ست نساء حقائب وزارية أساسية ومحورية، كالاقتصاد والمالية والإسكان والسياحة والطاقة، إضافة إلى وجود سفيرات يمثلن المغرب في العديد من عواصم العالم.
غير أن وصول المرأة إلى رئاسة الحكومة أثار نقاشاً يتوزع بين من يرى في هذه الخطوة تطوراً طبيعياً يترجم اتساع فرص المشاركة السياسية، ويعكس تحولات المؤسسات والمجتمع، وبين اتجاه ثان يرى أن التركيز يجب أن ينصب بالأساس على الكفاءة والبرنامج الحكومي والقدرة على معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، بغض النظر عن جنس المسؤول.
كما تبرز تساؤلات أخرى حول مدى تقبل المجتمع ومستويات التفاعل العام مع هذه التحولات، وهو جدل يدور، في جوهره، حول دلالات سياسية واجتماعية وآثار مستقبلية، أكثر مما يتعلق بمسألة قانونية أو دستورية.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن مسار ترسيخ تمكين المرأة يواصل تطوره، ولا أدل على ذلك من تزامن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة ودخول البلاد مرحلة جديدة في التعاطي مع قضايا التمكين، مع إطلاق أكاديمية المملكة المغربية كرسيها الأكاديمي الجديد «المرأة والمجتمع»، المتخصص في دراسة تمثلات المرأة والأدوار الاجتماعية والتاريخية المسندة إليها، بإشراف الباحثة والكاتبة أسماء المرابط. وقد أعلن عن إطلاق الكرسي بالتزامن مع تعيين المنصوري رئيسة للحكومة.
وبحسب مراقبين، فإن هذا التزامن والالتقاء بين أعلى مستويات القرار السياسي التنفيذي وبين مؤسسة فكرية وأكاديمية وازنة بالبلاد، ليس مجرد مصادفة، بل يمكن قراءته باعتباره مؤشراً على نهج مغربي متكامل يتجاوز التمكين الشكلي والشعارات الفضفاضة، نحو إحداث تحول بنيوي يمس جوهر القرار ومسارات الفكر والمجتمع في آن واحد.
على المستوى السياسي، ينقل هذا التوجه تجربة التمكين النسائي بالمغرب من منطق التمثيلية العددية و»المحاصصة» إلى سدة السلطة التنفيذية وصنع القرار الوطني. وهو مسار يكرس البناء المؤسسي الذي تعزز منذ دستور 2011، ويؤكد أن كفاءة المرأة المغربية أضحت عنصراً أساسياً في تدبير الشأن العام، بما يقدم نموذجاً حداثياً للمحيطين الإقليمي والدولي.
وعلى الجانب الفكري والمجتمعي، يأتي إطلاق كرسي «المرأة والمجتمع» تحت إشراف أسماء المرابط ليمد هذا الفعل السياسي بأرضية معرفية وحضارية متينة. فعمل الكرسي، الذي يركز على تحليل العلاقات بين المرجعيات الدينية والاجتماعية والثقافية والقيم المرتبطة بالمساواة والكرامة والعدالة، يسعى إلى فتح نقاش جديد حول العلاقة بين الموروثات التقليدية وبين مقاصد الإسلام وقيم الإنصاف والعدل.
ويرى منتصر حمادة، رئيس «مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث» في الرباط، أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، من زاوية سياسية، ينسجم مع مقتضيات الدستور المغربي، وهو ما تؤكده قراءات فقهاء الدستور والباحثين المتخصصين في المدونة الدستورية. ويضيف أنه، ولو كانت ثمة قراءات شبه جاهزة تتوقع تعيين أسماء أخرى، فإن تداول اسم قيادي من حزب «الأصالة والمعاصرة» كان منطقياً، طالما أن الأمر يندرج ضمن مقتضيات الفصل 47 من دستور 2011، الذي ينص على تعيين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي). غير أن ما يشبه المفاجأة، من الزاوية السياسية نفسها، يتمثل في أن الأمر يتعلق هنا بتعيين امرأة، بما يحيل، وفق حمادة، إلى الزاوية الاجتماعية والفكرية ضمن زوايا أخرى.
وأوضح الباحث نفسه، متحدثاً إلى «القدس العربي»، أنه على غرار بلدان المنطقة العربية، فإن الشعب المغربي محافظ أو تقليدي في الممارسة، بالرغم من مظاهر التحديث التي تعاين في الساحة. لكنه أشار إلى أن المغرب وتونس يظلان، في مجال تدبير قضايا المرأة، في مقدمة الدول العربية التي حققت قفزات مجتمعية ليست هيّنة، كما اتضح مع منعطف مدونة الأسرة (قانون الأحوال المدنية) في المغرب، الصادرة في فبراير/شباط 2004، والتي جاءت بمستجدات اعتبرت سابقة في الساحة العربية، بالتوازي مع السبق التونسي في المضمار نفسه.
وأضاف أن المدونة نفسها دخلت مرحلة التقييم والمراجعة، في سياق الورش المفتوح لإصلاحها، وهو ما يجعل موضوع المرأة والأسرة حاضراً بقوة في النقاش العمومي والمؤسساتي الراهن. وبالتالي، يؤكد منتصر حمادة أن هذا التوجه يندرج بالضرورة في سياق هذا التسلسل المغربي الرسمي الذي يروم الرفع من مكانة المرأة ورد الاعتبار لدورها في تولي مناصب مسؤولية كبيرة أو حساسة.
ويشير إلى أنه جرى، خلال السنوات الماضية، تعيين العديد من النساء في مناصب دبلوماسية، بما في ذلك تعيين الأستاذة والخبيرة القانونية رجاء ناجي مكاوي سفيرة للمغرب لدى الفاتيكان. وكانت، بالمناسبة، أول امرأة تُلقي درساً علمياً أمام الملك في سلسلة الدروس الحسنية التي تلقى أمام مؤسسة إمارة المؤمنين خلال شهر رمضان، وكان ذلك سنة 2003، أي بعد نحو أربع سنوات من تولي الملك محمد السادس الحكم.
وتلت ذلك عدة تعيينات لنساء في مناصب وازنة، سياسية واقتصادية وحقوقية ودينية، وهو ما يعتبره حمادة مؤشراً واحداً ضمن مؤشرات أخرى تزكي الحديث عن فوارق في تدبير قضايا المرأة في عهد العاهل محمد السادس مقارنة مع تدبير القضايا نفسها في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
ويخلص إلى أن مجتمعات المنطقة، ومنها المجتمع المغربي، تمر بتحولات متسارعة، إضافة إلى تأثير هاجس التحديث أو إكراهاته على الجميع، سواء تعلق الأمر بالشعوب أو الحكومات أو الدول العربية.