ما بين أكتوبر السادات وأكتوبر السنوار


خمسون عاماً ميلادية، تفصل حرب (شهر رمضان)، التي شنها الرئيس المصري الراحل أنور السادات على الكيان الصهيوني، ظهر يوم السبت، السادس من أكتوبر عام 1973، وحرب (طوفان الأقصى) التي شنها الراحل يحيى السنوار القائد العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) صباح السبت، السابع من أكتوبر 2023، وما بين هذه وتلك الكثير من الفروقات، الكثير من الأحداث، الكثير من الملاحظات، إلا أن الهدف كان واحداً، وهو تحرير الأرض، أو على أقل تقدير تحريك القضية، لتظل حية، لدى أصحابها، ولدى العالم في آن واحد.
بالعودة بالذاكرة إلى الوراء، وبالعودة إلى كتب المؤرخين، سنكتشف أن كل الحسابات العسكرية والسياسية، كانت تجزم باستحالة عبور الجيش المصري خط بارليف الحصين، بالتالي استحالة إقدام مصر على اتخاذ قرار الحرب أو العبور، كما هو الحال تماماً في حالة قطاع غزة، الذي لا تمتلك المقاومة فيه أية أسلحة تؤهلها لاتخاذ قرار بالهجوم على العدو، بأي شكل من الأشكال، إلا أننا أمام أصحاب الحق في الحالتين المصرية والفلسطينية، حق الحرب والمقاومة، حق تحرير الأرض، حق اتخاذ القرار، في غياب العدالة الدولية، سواء على مستوى الدول والعواصم، أو المنظمات والجمعيات.
السؤال هو: ماذا لو لم تنجح القوات المسلحة المصرية في تنفيذ خطتها بعبور القناة والساتر الترابي واستعادة بعضاً من الأرض المحتلة في سيناء، هل كان السادات سيُحاكم بتهمة عشوائية اتخاذ القرار، كما هي الاتهامات التي توجّه للسنوار الآن، وعلى الجانب الآخر: ماذا لو كانت خطة السنوار قد نجحت في إخضاع المحتل، بالإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين، ورفع الحصار المفروض على شعب غزة، وبدء مفاوضات حقيقية حول الحل النهائي للقضية الفلسطينية، بالتأكيد سوف تختلف التحليلات، على عكس ما هو شائع الآن.. إلا إنه يمكن إيجاز نقاط الاتفاق والاختلاف في الحالتين المصرية والفلسطينية في عشر نقاط، على النحو التالي:
أولاً: في حرب أكتوبر 1973 وقف العرب جميعاً، من دون استثناء، داعمين مصر، مادياً وعسكرياً، سياسياً وإعلامياً، وفي المحافل الإقليمية والدولية، على عكس الحال مع المقاومة الفلسطينية في أكتوبر 2023 وعلى مدى عامي حرب الإبادة، التي سقط فيها ما يزيد على 70 ألف شهيد، بخلاف 170 ألف جريح.

يجب أن نعترف بالخسائر البشرية والمادية، التي قدمها شعبنا الفلسطيني في غزة بشكل خاص، إلا أننا يجب أن نضع في الاعتبار أيضاً، أن تحرير الأرض ومقاومة المحتل يجب أن تقابلها تضحيات عظيمة

ثانياً: الأدهى من ذلك، أنه تم رصد خطوط ملاحة برية وبحرية وجوية، من بعض الدول العربية، إلى الكيان الصهيوني مباشرة، طوال عامي العدوان على غزة، في عملية تعويض واضحة، لمواقف بعض الدول من خارج المنطقة، التي أوقفت التجارة مع الكيان، وفي مقدمتها كولومبيا، التي أوقفت تصدير الفحم، وتم تعويضه بصادرات الأخشاب، إنقاذاً لمحطات الكهرباء، التي كانت على وشك التوقف.
ثالثاً: كانت مصر في حرب 1973 تحصل على السلاح من كل دول الكتلة الشرقية، وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي، على عكس المقاومة الفلسطينية، التي تم حصارها براً وبحراً وجواً، في الوقت الذي ارتفعت فيه صادرات السلاح للكيان، منذ ما بعد أكتوبر 2023، بنسبة تزيد على 500% حيث كان يحصل على السلاح من 51 دولة، حسبما ذكرته مصادر إعلامية صهيونية.
رابعاً: أكدت مذكرات السياسيين الأمريكيين، والعسكريين المصريين على السواء، أن السادات استهدف من حرب 1973 تحريك المياه الراكدة، في الموقف العسكري، أملاً في مفاوضات سياسية، يمكنه من خلالها استعادة باقي الأرض، وهو ما حدث بالفعل، ما قد يتوافق مع ما أعلنه السنوار، بأن ما بعد طوفان الأقصى، ليس كما كان قبله، مشيراً إلى أن الوضع في المنطقة ككل سوف يتغير، إن لم يكن في العالم أيضاً، وهو ما جرى ويجري الآن بالفعل.
خامساً: بعد أربعة أعوام من وقف إطلاق النار في حرب 1973، قام السادات في 1977 بزيارة القدس، وإلقاء خطابه الشهير في الكنيست الإسرائيلي، كبداية لإطلاق عملية سلام، تسببت في مقاطعة عربية واسعة مع مصر، أما على صعيد عملية طوفان الأقصى، فقد اكتسبت القضية الفلسطينية بعدها، زخماً شعبياً عالمياً غير مسبوق، وعملية تأييد رسمية (للدولة الفلسطينية)، من 160 دولة حول العالم حتى الآن.
سادساً: كانت حرب 1973 سبباً رئيسياً في اهتزاز ثقة الإسرائيليين بأنفسهم، كأصحاب كيان مستقر، يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، حتى أن غولدا مائير، رئيسة وزراء الكيان حينذاك، راودتها فكرة، إعلان نهاية الدولة، حسبما ذكرت بنفسها، أما على صعيد الطوفان، فقد هجر الكيان بالفعل عشرات الآلاف إلى غير رجعة، في الوقت الذي كانت وما زالت فكرة الهجرة تراود مئات الآلاف حتى الآن، نتيجة عدم الثقة في المستقبل.
سابعاً: حطمت الحرب المصرية بالفعل، نظرية الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، التي تم الترويج لها عالمياً، على مدى ست سنوات، منذ حرب 1967، بينما حطم الطوفان شائعة جيش الاحتلال الأكثر أخلاقاً، أو التزاماً بمواثيق الحروب، ذلك أنه تم انتهاك كل المواثيق والأخلاقيات، وبالنقل على الهواء مباشرة، حتى باستهداف الصحافيين الذين ينقلون الأحداث، ناهيك من استهداف المسعفين والأطباء، والأطفال والنساء، ومنظمات الإغاثة، إلى غير ذلك من كثير.
ثامناً: كان الشعب المصري، يشكل عامل ضغط كبير على القيادة السياسية لاتخاذ قرار الحرب، ثأراً لهزيمة 1967، على الرغم من الحالة الاقتصادية المتردية من جهة، ومن جهة أخرى الدعم العسكري الغربي الكبير للكيان، الذي وصل حد إنتاج سلاح نووي، من خلال مفاعل ديمونة، الذي أنشئ بتمويل فرنسي، بينما كانت القضية الفلسطينية في عام 2023، في طريقها للاندثار، بفعل عوامل كثيرة، أهمها اتفاقية أوسلو مع الكيان عام 1994، ناهيك من تردي المواقف العربية، التي بلغت حد التمثيل الدبلوماسي، والتطبيع مع العدو.
تاسعاً: بعد الحرب المصرية، أصبح مؤكداً في الداخل المصري وخارجه، أن استعادة سيناء، ما هي إلا عملية وقت لا أكثر، سواء بالسلم أو الحرب، بعدما تأكد للجميع أن قوات العدو أوهن من بيت العنكبوت، وما هي إلا الإرادة فقط كي يتحقق ذلك، في الوقت نفسه، وبعد حرب الطوفان، أصبح مؤكداً للشعب الفلسطيني، وللمجتمع الدولي أيضاً، أننا أمام قضية عادلة، وما هي إلا مسألة وقت أيضاً، كي تتحقق أهدافها، بانسحاب العدو، ليس ذلك فقط، بل ربما بنهاية ذلك الكيان تماماً، حسبما تؤكده قراءات التاريخ، ونبوءات المستقبل في آن واحد.
عاشراً: حقق طوفان الأقصى الفلسطيني، ما لم تستطع الحرب المصرية تحقيقه، وهو نبذ الصهيونية، بل مطاردة شعب كيان الاحتلال في كل مكان بالعالم، أصبحوا يتوارون هنا وهناك، يفكرون كثيراً قبل السفر إلى أي من القارات، يدركون جيداً كم أنهم منبوذون بفعل الاحتلال، وفعل ممارساتهم الدموية، وفعل الإبادة في غزة بشكل خاص، وهو أمر في حد ذاته لم تكن تستطيع كل مؤسسات الإعلام، وشركات العلاقات العامة تحقيقه.
وعلى أي حال، يجب أن نعترف بالخسائر البشرية والمادية، التي قدمها شعبنا الفلسطيني في غزة، منذ أكتوبر 2023 حتى الآن بشكل خاص، إلا أننا يجب أن نضع في الاعتبار أيضاً، أن تحرير الأرض -أي أرض- ومقاومة المحتل -أي محتل- يجب أن تقابلها تضحيات عظيمة، وإلا ما نال شعبنا الشقيق في الجزائر حريته، أو الشعوب الأخرى في جنوب افريقيا وفيتنام وأفغانستان وغيرها كثير من بلدان العالم، مع الوضع في الاعتبار أن الأمر حينما يتعلق بفلسطين، فإنه يستحق، فنحن أمام القدس مسرى الأنبياء، وأمام الأقصى أولى القبلتين، وأمام شعب الجبارين، بنص الكتب السماوية.. فلا مكان هنا للجبناء والعملاء، ولا حتى للمتردية والنطيحة.
رحم الله الشهداء على كل جبهات تحرير الأرض، وتقبلهم مع النبيين والصديقين.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *