خيبة الحق وطغيان القوة


تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع بين قوى الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الضعف والقوة. لكن الخير والحق بلا قوة لا مجال لوجودهما تحت هيمنة الشر والباطل. وكل من يتحدث عن القيم والأخلاق والمثل في هذا الصراع الأبدي لم يقرأ جيدا تاريخ البشرية. وما يقدمه لنا تاريخ الحضارة الغربية الحديثة هو النموذج الأسمى لهذا الصراع الذي لم يعرف له مثيل في كل التاريخ الإنساني. يتأكد لكل ذي بصيرة أن للحق والعدل خيبة شديدة، أمام طغيان القوة والظلم في العصر الحديث. فباسم الحرية والعدالة والسعادة الأبدية للإنسان، وتحت شعار العقل والعلم كانت إبادة شعوب وثقافات، وتم استعمار أمم وشعوب وسلبها حريتها وحقها في الوجود، وكان تمزيق أوصال الدول وإدامة التفرقة بينها لإسعاد الشعوب الغربية عن طريق استغلال ثورات الشعوب المستضعفة والفقيرة، ونهب خيراتها.
يحتل القاف في كلمة الحق ذيلها، وفي كلمة القوة بدايتها. فالقوة أولا، والحق أخيرا. ومعنى ذلك أن المركز في المبتدأ، وأن لا خير في الخبر؟
واجه المسلمون كل أوروبا إبان الحروب الصليبية، فكان الحق إلى جانبهم في دحرهم لأن القوة كانت معهم. ونجح الاستعمار في فرض طغيانه على الشعوب التي صارت مستعمرة، لأنهم لم يكونوا قد وفروا للقوة لم مستلزماتها. لكن الاستعمار رغم تفوقه عدة وعددا، وطغيانه انتصر الحق الذي تشبثت به الشعوب لنيل حريتها.
بدأ تاريخ المغرب مع الاستعمار منذ محاكم التفتيش الإسبانية، ونجح في استرداد بعض الجيوب التي احتلها الإسبان والبرتغال. ومع الحملة الاستعمارية على المغرب العربي تقاسم الفرنسيون والإسبان المغرب. لكن الاستقلال لم يتحقق كما كان يطالب به الشعب المغربي وجيش التحرير، فبقيت الصحراء المغربية تحت نير الاستعمار الإسباني، ومعها سبتة ومليلية. وكانت المسيرة الخضراء دليلا على التحام الحق بقوة تلاحم الملك والشعب. عانى المغرب عزلة شديدة فرضتها عليه جهات لم تر للمغرب مصلحة في استرجاع صحرائه. وتضافرت الجهود في سياق الحرب الباردة لعزل المغرب، والتشويش على قضيته العادلة. لكن الحق المغربي الذي كانت وراءه قوة تلاحم العرش والشعب، فرض على الجميع أن الصحراء مغربية، والمغرب في صحرائه. أين كان ترامب ونتنياهو في كل هذا التاريخ الذي سالت فيه دماء المغاربة، وقدم فيه الشعب المغربي أمواله لعدة سنوات، والتي كانت تقتطع منه شهريا من أجل تنمية المناطق التي لم يخل فيها الاستعمار الإسباني أثراً ذا جدوى.
ظلت قضية الصحراء المغربية قضية مغربية محضة. ورغم كل المؤامرات والمساومات هي قضية شعب ووطن، ومملكة لها تاريخ عريق. وكل من يساندها أو يدعمها إذا لم يكن يقدم على ذلك من باب كونها حقا مغربيا تاريخيا فليس سوى سمسار أو متاجر أو انتهازي أو مساوم. وكل مساوم أو انتهازي أو متاجر أو سمسار بالقضية الوطنية لا عهد له ولا ميثاق، ولا يمكن إلا أن يكون عدوا للشعب المغربي، ولقضيته العادلة.. إنه عدو للمغرب لأنه يهينه ويحتقره، لأنه يفرض عليه «قوته»، ليستسلم لرغبته ونزواته في ممارسة الطغيان، والتخلي عن هويته الثقافية التاريخية لقضاء مآربه في إشاعة التفرقة بين المغاربة، والانبطاح أمام العنجهية والظلم.
لو كان ترامب صادقا في موقفه من القضية الوطنية المغربية، ومعتقدا بالحق المغربي، ما كان ليشترط، أن يكون موقفه من الحكم الذاتي عبر مطالبة المغرب بالتطبيع مع إسرائيل، التي لا تؤمن إلا بالاستيطان وإبادة شعب له قضية صار العالم كله يدرك أنها فعلا عادلة، بما في ذلك من ساهم في خلقها. ولو كان نتنياهو صادقا في مغربية الصحراء ما كان ليوظفها لأغراضه السياسية، ممارسا الابتزاز ضد المغرب، فيقدم خريطة المغرب كاملة تارة، ويقتطع منها الصحراء متى شاء ملوحا بفرض سلطته على المغرب، مهددا ومتوعدا بأن مصلحة المغرب في السير على خطاه ورغباته.
كانت العلاقة بين المغاربة قاطبة طبيعية وعادية في كل تاريخ المغرب. كان اليهود جزءا من النسيج المغربي، ظلت لغتهم وثقافتهم مصونة، من هاجر منهم ليكون صهيونيا قطع أي علاقة له مع تاريخ طويل، لأنه صار جزءا من كيان لا يؤمن إلا بالقتل والتدمير، وصار بدروه مساهما فيه بالقوة وبالفعل. ظل الغرب وإعلامه وأغلب مثقفيه وسياسييه في خدمة الصهيونية وعملائها. لكن الحرب التي مارسها نتنياهو وبن غفير وسموتريتش والمستوطنون، أبرز أن شمس الحق لا يمكن أن تغطيها القوة مهما كانت سلطتها، وبات حتى بعض اليهود يستنكرون الجرائم الصهيونية ويدينونها، ولأول مرة صار الحديث عن الجرائم ضد الإنسانية، والإبادة مطروحا بشكل لم يطرح قط في كل تاريخ إسرائيل.
من يساند المغرب في قضيته الوطنية لتحقيق أغراضه الانتخابية به، منافق ومحتال، ومن يفرض على المغرب شروطا لدعمه، ومن دون مراعاة تاريخه وهويته يمارس الابتزاز، مخادع ونصاب. ما هي مصلحة المغرب الذي يدعو إلى التسامح والحوار الديني في أن يسانده في قضيته الوطنية من يداه ملطختان بالدماء ولا يؤمن إلا بالحرب؟
نريد ممن يتحدث عن معاداة المشرق العربي أن يبين لنا لماذا ينحرف إلى المشرق الآخر، الذي يريد أن يبني إسرائيل الكبرى ضد كل سكان المنطقة، وهو يعمل على فرض هيمنته وطغيانه بالقوة على الحق المسلوب. كيف لمن لا يؤمن بحق الفلسطينيين أن يكون لهم حق في دولتهم إلى جانبه أن يعترف بحقوق شعوب أخرى لا يفكر إلا في فرض قوته عليهم؟ كيف لمن لا يؤمن إلا بالأمن، ويرى الحرب هي السلام، أن يكون صاحب حق، ويساند أصحاب الحقوق؟ من لا يطرح هذه الأسئلة له الحق في أن يرى أن الحق هو القوة الغاشمة.
استقوى ملوك الطوائف بالمسلمين فتأخر سقوط الأندلس. ولما استقوى كل منهم بالعدو المسيحي ضد بعضهم الآخر، نكل بهم جميعا، وعجل طردهم من الجزيرة الإيبيرية، بل صار يحتل الجيوب المغربية، ومنها ما استمر في احتلالها إلى اليوم.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *