متابعة/المدى
يتصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية العراقية بشأن مقترح تشكيل «مجلس قيادة الدولة» وإعادة تنظيم عمل الإطار التنسيقي، وسط تساؤلات عن طبيعة المجلس وتكوينه وصلاحياته، وما إذا كان سيقتصر على القوى الشيعية أم يتسع ليشمل بقية المكونات، فضلاً عن موقعه من الحكومة والمؤسسات الدستورية.
ويأتي طرح المجلس في توقيت تتداخل فيه ملفات حصر السلاح، واستكمال الكابينة الوزارية، والعلاقة مع الولايات المتحدة، إلى جانب اقتراب موعد انتهاء المرحلة الأولى من مهمة التحالف الدولي، ما منح النقاش بشأن «مأسسة الإطار» أبعاداً تتجاوز إعادة تنظيم اجتماعاته وآليات اتخاذ القرار داخله.
مؤسسة سياسية حاكمة
يقول القيادي في ائتلاف النصر عقيل الرديني إن الإطار التنسيقي يمثل الائتلاف الحاكم، باعتباره يضم القوى والأحزاب التي شاركت في تشكيل السلطة، ما يجعل انتقاله من مظلة سياسية إلى مؤسسة تعمل وفق ضوابط ومعايير أمراً ضرورياً.
وأضاف الرديني، في حديث تابعته (المدى)، أن هناك مقترحات عدة للوصول إلى صيغة تنظيمية تجعل الإطار «مؤسسة سياسية رصينة وحاكمة»، تكون لديها معايير لاختيار رئيس الوزراء وتحديد السياسات الاستراتيجية للبلد، ومن بينها ملف حصر السلاح ومنع وجود أي تشكيل مسلح خارج القوات الرسمية.
ونفى أن يكون التوجه لإعادة تنظيم الإطار أو تشكيل المجلس موجهاً ضد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، مبيناً أن المجلس المقترح سيكون مكملاً لعمل الحكومة، وليس بديلاً عنها أو متعارضاً معها.
وأشار إلى أن الحديث عن ابتعاد الزيدي عن الإطار «غير دقيق»، لكون القوى المنضوية فيه هي التي دعمت تشكيل حكومته، معتبراً أن اختلاف رئيس الوزراء معها في بعض الملفات يظل أمراً طبيعياً، لكنه يتطلب، بحسب تعبيره، ضبط آليات العمل السياسي.
ارتدادات «صولة الفجر»
واجهت العلاقة بين الحكومة والإطار اختباراً مبكراً عقب عملية «صولة الفجر»، التي انطلقت في 28 حزيران وشملت اعتقالات وتحركات أمنية داخل المنطقة الخضراء.
وكان رئيس تحالف تصميم والقيادي في الإطار عامر الفايز قد كشف عن تعرض رئيس الوزراء لعتاب من بعض قادة الإطار خلال أول اجتماع أعقب العملية، بسبب عدم إبلاغهم مسبقاً بتفاصيلها. وفي المقابل، برر الزيدي ذلك بأن طبيعة العملية وسريتها اقتضتا حصر المعلومات بعدد محدود من المسؤولين.
وظهر اختلاف المقاربات بصورة أوضح في ملف حصر السلاح، الذي وضعه الزيدي ضمن أولويات حكومته، بينما برزت داخل الإطار رؤى متعددة بشأن طريقة التنفيذ ومدته الزمنية.
وفي 18 آب، أعلن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي تشكيل لجنة داخل الإطار للتعامل مع الملف بالتنسيق مع الحكومة، فيما تحدثت تقارير لاحقة عن نقاشات بشأن الانتقال من خيار التسليم الكامل للسلاح إلى صيغة تقوم على تنظيمه وجرده وتحديد مقراته وتجميد نشاط بعض التشكيلات. ولم يصدر حتى الآن إعلان نهائي يحسم طبيعة الآلية التي ستُعتمد.
ضغوط أميركية وتعهدات حكومية
تزامن الجدل الداخلي مع لقاء جمع الزيدي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك، على هامش اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن الجانبين اتفقا على أهمية تفكيك ما وصفتها بـ«الميليشيات الإرهابية»، ومنع شن هجمات انطلاقاً من الأراضي العراقية، وتمكين العراق من ممارسة سيادته بصورة كاملة.
أما البيان الصادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، فركز على الشراكة الاستراتيجية والتعاون الاقتصادي، مؤكداً عزم الحكومة على استكمال «الاستحقاقات السيادية» والمضي في إجراءات حصر السلاح بيد الدولة وفق الثوابت الدستورية والقانونية.
ووفق البيان العراقي، أعرب روبيو عن دعم واشنطن لاستقرار العراق وتنمية اقتصاده، ومساندة إجراءات الحكومة الرامية إلى استكمال مقومات الدولة. ويكشف اختلاف صياغة البيانين عن تباين في الأولويات المعروضة؛ إذ ركز الجانب الأميركي على ملف الجماعات المسلحة، بينما وضعه الجانب العراقي ضمن إطار أوسع يتصل بالسيادة وبناء الدولة والشراكة الاقتصادية.
من يملك القرار؟
يرى الباحث في الشأن السياسي عمر الناصر أن مقترح مجلس قيادة الدولة يطرح أسئلة بشأن فائدته العملية والجهات التي ستشارك فيه، وما إذا كان سيمثل جميع المكونات العراقية أم يقتصر على القوى السياسية الشيعية.
وقال الناصر، في حديث تابعته (المدى)، إن التساؤلات تشمل أيضاً ما إذا كان المقترح يستهدف تغيير اسم الإطار مع الإبقاء على قياداته الحالية، أم إنشاء كيان سياسي جديد أعلى منه أو موازٍ له، يُلجأ إليه عند اتخاذ القرارات المصيرية.
وأضاف أن الإشكالية ستبدأ عند تحديد صلاحيات المجلس وصفته الدستورية، فضلاً عن مدى استعداد قادة الإطار لمنح بعضهم تفويضاً لاتخاذ القرارات، في ظل أزمة الثقة والانقسامات السياسية وعدم حسم استكمال الكابينة الوزارية.
وأوضح أن المجلس، إذا اقتصر على التنسيق والتشاور، فستبقى صلاحياته سياسية، لكن الوضع سيختلف إذا مُنح حق إصدار قرارات ملزمة للحكومة، أو توجيه رئيس الوزراء، أو التدخل في شؤون الجيش والأجهزة الأمنية، أو ممارسة اختصاصات منحها الدستور لمؤسسات الدولة.
فرق متخصصة داخل الإطار
وكان رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي والقيادي في الإطار التنسيقي همام حمودي قد كشف عن اتفاق على الانتقال إلى فرق عمل متخصصة، تتولى الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية، مع طرح فكرة تشكيل فريق رابع معني بالملف الخدمي.
ويمثل هذا التوجه امتداداً لنقاش سابق داخل القوى الشيعية بشأن «مأسسة الإطار»، وتحويله من مظلة تجمع قوى مختلفة إلى مؤسسة تمتلك آليات محددة لإدارة الملفات واتخاذ المواقف.
لكن التفاصيل المعلنة لم تحدد حتى الآن حدود عمل تلك الفرق، أو علاقتها بمجلس الوزراء واللجان النيابية والمؤسسات التنفيذية المختصة، وهو ما أبقى باب التساؤلات مفتوحاً بشأن موقعها في منظومة صنع القرار.
مخاوف من مركز موازٍ
من جهته، يرى المحلل السياسي علي السامرائي أن القوى السياسية، وفي مقدمتها الإطار التنسيقي، تسعى إلى تعزيز مواقعها قبل استحقاقات نهاية أيلول، لتجنب الوقوع في مأزق سياسي يتعلق بملفي الوجود الأجنبي وحصر السلاح.
وقال السامرائي، في حديث تابعته (المدى)، إن الاتجاه إلى تشكيل المجلس جاء بعد عملية «صولة الفجر» ومساعي الحكومة لحصر السلاح، مرجحاً أن يُقرأ بوصفه محاولة لضبط القرارات الحكومية في الملفات الكبرى ومنع انفراد رئيس الوزراء بها.
وحذر من أن المجلس قد يصطدم بالحكومة وبقية الشركاء السياسيين إذا انتقل من مساحة للتنسيق إلى مركز يمتلك تأثيراً مباشراً في السلطة التنفيذية.
وأضاف أن الإشكالية الدستورية تبدأ عند منح كيان سياسي غير منصوص عليه في الدستور صلاحيات فعلية، لأن ذلك قد يؤدي إلى نشوء مركز قرار فوق المؤسسات الرسمية، وينتقص من أدوار مجلس النواب والرئاسات الثلاث. كما أشار إلى الحساسية التي تحملها تسمية «مجلس قيادة الدولة» وما تستحضره من تجارب سابقة في الذاكرة العراقية.
الكابينة الحكومية تحت ضغط التأجيل
بالتوازي مع الجدل بشأن المجلس، ما يزال استكمال الكابينة الوزارية خاضعاً للتجاذبات السياسية وتأجيل جلسات مجلس النواب.
وقال الأمين العام للاتحاد الإسلامي التركماني جاسم محمد، في حديث تابعته (المدى)، إن استمرار تأجيل الجلسات قد يؤثر في فرص تمرير بعض المرشحين، سواء عبر تغيير المواقف المؤيدة لهم أو العزوف عن التصويت.
وأشار إلى تداول اسمي قاسم عطو وعامر الخزاعي لشغل منصبي الداخلية والتعليم العالي، مؤكداً أنهما ليسا الخيارين الوحيدين، وأن هناك أسماء بديلة يمكن الانتقال إليها إذا تعذر تمرير أحد المرشحين.
ورأى أن رئيس الوزراء ينبغي أن يؤدي دوراً في اختيار المرشحين، لافتاً إلى عدم وجود تحالفات معلنة ضد الأسماء المطروحة، مع احتمال وجود اعتراضات غير معلنة ظهرت مؤشرات عليها خلال جولة التصويت الأولى.
المصدر: وكالات