نواكشوط – «القدس العربي»: لا تبدو زيارة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لغرب إفريقيا ومنطقة الساحل، ليوناردو سانتوس سيماو، إلى موريتانيا التي ينهيها اليوم، مجرد مهمة دبلوماسية مرتبطة بالوضع الإقليمي، إذ حملت لقاءاته خلال الأيام الأخيرة مجموعة من الملفات السياسية والحقوقية والاجتماعية التي تشكل في مجموعها عناصر أساسية في مقاربة الأمم المتحدة للاستقرار والوقاية من النزاعات في منطقة الساحل.
فقد التقى سيماو مسؤولين حكوميين، ورئيس لجنة الإشراف على الحوار الوطني موسى فال، ورئيس حركة «إيرا» الحقوقية والنائب البرلماني بيرام ولد الداه ولد أعبيد، كما زار مناطق في الحوض الشرقي ومخيم أمبرة للاجئين الماليين، في وقت تواصل فيه الأمم المتحدة دعمها لمسارات الحوار والتماسك الاجتماعي والاستقرار في موريتانيا والمنطقة.
ورغم أن سيماو ليس مسؤولا أمميا مكلفا حصرا بملف حقوق الإنسان، فإن طبيعة الملفات التي ناقشها خلال زيارته تضع البعد الحقوقي في قلب مهمته السياسية، فقد تناول خلال لقائه مع النائب بيرام ولد الداه ولد أعبيد الذي يقود المعارضة المتشددة، بحضور قيادات من ائتلاف المعارضة الموريتانية للتناوب، قضايا اللاجئين والحوار والحريات العامة وسجناء الرأي والإحصاء والرق والإرث الإنساني، إضافة إلى قانوني الرموز والجريمة السيبرانية والفساد والجرائم العابرة للحدود والجدل حول الدستور.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة لأنها تمثل أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي والحقوقي الموريتاني، كما أن بعضها ظل حاضرا في ملاحظات ومداولات آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان خلال السنوات الماضية.
وشكل الحوار الوطني أحد المحاور الرئيسية لمهمة سيماو؛ فقد أجرى مباحثات مع رئيس لجنة الإشراف على الحوار موسى فال، الذي عرض أمامه مراحل الإعداد للحوار، والتي امتدت، وفق المعطيات الرسمية، على مدى 16 شهرا، بمشاركة الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني وشخصيات مستقلة.
وأكد سيماو خلال اللقاء اهتمام الأمم المتحدة بنجاح الحوار، بما يعزز فرص التوافق بين الأطراف ويدعم التماسك الاجتماعي.
ولا ينفصل هذا الملف عن البعد الحقوقي، إذ ترتبط جدوى أي حوار سياسي بمدى اتساع المشاركة وقدرته على استيعاب المطالب المتعلقة بالحريات العامة والحقوق السياسية والقضايا الاجتماعية التي تشكل مصادر توتر داخل المجتمع.
ومن هنا، فإن اهتمام الأمم المتحدة بالحوار لا يقتصر على جمع الفرقاء حول طاولة واحدة، وإنما يرتبط أيضا بقدرة العملية السياسية على توفير مساحة لمعالجة الملفات الخلافية داخل المؤسسات.
وبرز ملف اللاجئين الماليين أيضا خلال الزيارة؛ فقد زار سيماو النعمة وباسكنو ومخيم أمبرة للاجئين، والتقى لاجئين وممثلين عن المجتمعات المضيفة والسلطات المحلية وشركاء في المجال الإنساني والتنموي.
وأشاد المسؤول الأممي بالدور الذي تؤديه موريتانيا في استقبال اللاجئين القادمين من مالي، في وقت تواجه فيه منطقة الساحل واحدة من أكبر أزمات النزوح في القارة الإفريقية.
وتحمل هذه القضية بعدا حقوقيا واضحا، إذ تتصل بحقوق اللاجئين والحماية الدولية، لكنها ترتبط في الوقت نفسه بأوضاع المجتمعات المضيفة والخدمات والتنمية والاستقرار المحلي.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن موريتانيا استضافت خلال السنوات الأخيرة أعدادا كبيرة من اللاجئين الماليين، وهو ما جعل التعاون بين نواكشوط والمنظومة الأممية يتجاوز الجانب الإنساني إلى قضايا التنمية والاندماج والقدرة على الصمود.
علاقة حقوقية مع الأمم المتحدة
ولا تبدأ علاقة موريتانيا بمنظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مع زيارة سيماو؛ فمنذ سنوات، تعمل في البلاد آليات مختلفة تابعة للأمم المتحدة، من بينها مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، فيما تخضع موريتانيا بصورة دورية للاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان، وتتفاعل مع اللجان التعاهدية والإجراءات الخاصة.
وفي هذا السياق، يظل ملف الرق والإرث الإنساني من أبرز الملفات التي تحضر في النقاش الحقوقي الدولي حول موريتانيا، إلى جانب قضايا المهاجرين واللاجئين والحريات العامة وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان.
كما يمثل اللقاء الأخير بين رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان محمد محمود داهي ورئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة سيدهارتو رضا سوريووديو في جنيف مؤشرا على استمرار التواصل بين المؤسسة الوطنية والمنظومة الدولية.
وتناول اللقاء واقع حقوق الإنسان في موريتانيا، والجهود المبذولة لتعزيز حماية الحقوق والحريات الأساسية، إضافة إلى تنفيذ الالتزامات الوطنية والدولية وتوسيع التعاون مع آليات الأمم المتحدة.
وقد عرض رئيس اللجنة الوطنية اختصاصات المؤسسة وأولوياتها والتطورات التي شهدها مجال حقوق الإنسان، إلى جانب التحديات القائمة وآفاق التعاون مع منظومة الأمم المتحدة.
من حقوق الإنسان إلى الاستقرار
تختلف مهمة سيماو عن مهام الهيئات الأممية المتخصصة في حقوق الإنسان، إذ يعمل مكتب الأمم المتحدة لغرب إفريقيا والساحل أساسا في مجال الدبلوماسية الوقائية والمساعي الحميدة ودعم الحوار والوقاية من النزاعات.
لكن هذا الاختلاف لا يلغي البعد الحقوقي لمهمته؛ فالحريات العامة، والمشاركة السياسية، وأوضاع السجناء، وحقوق اللاجئين، وقضايا الرق والإرث الإنساني، كلها قضايا يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي.
ولهذا تبدو دلالة لقاءاته في موريتانيا مرتبطة بتعدد الأطراف التي استمع إليها، من الحكومة والمشرفين على الحوار إلى المعارضة واللاجئين والمجتمعات المضيفة.
كما أن تأكيد سيماو أن السلام والاستقرار لا يمكن بناؤهما بالاستجابات الأمنية وحدها، وإنما يحتاجان أيضا إلى التنمية والإدماج والتماسك الاجتماعي، يعكس جوهر المقاربة الأممية لمنطقة الساحل.
وبذلك، لا تقدم زيارة المبعوث الأممي تقييما معلنا ومتكاملا لحالة حقوق الإنسان في موريتانيا، بقدر ما تكشف عن حضور الملفات الحقوقية داخل مقاربة الأمم المتحدة للاستقرار والحوار.
ويبقى السؤال الأبرز بعد الزيارة مرتبطا بقدرة الحوار الوطني المرتقب على استيعاب القضايا الحقوقية الأكثر حساسية، وتحويلها من ملفات خلاف سياسي واجتماعي إلى قضايا قابلة للنقاش والمعالجة داخل المؤسسات.
فبالنسبة إلى الأمم المتحدة، يبدو أن معادلة الاستقرار في موريتانيا لا تنفصل عن الحوار والمشاركة والتماسك الاجتماعي، كما أن حماية الحقوق والحريات وحقوق اللاجئين ومعالجة القضايا الاجتماعية العالقة تظل جزءا من البيئة الأوسع التي تسعى المنظمة الدولية إلى دعمها في بلد يحتل موقعا استراتيجيا على تخوم منطقة الساحل المضطربة.