تحالف الإمارات مع إسرائيل يفسر تقدم الحوثيين في اليمن وقطع الجزائر للعلاقات مع أبو ظبي


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا لمارك لينتش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، قال فيه إن التقدم الحوثي في اليمن لا علاقة له فقط بإيران، بل بالتنافس السعودي-الإماراتي. وأشار فيه للحملة العسكرية الواسعة التي شنها الحوثيون في 18 أيلول/سبتمبر ضد القوات المدعومة من السعودية والمتحالفة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، حيث استولوا على مواقع استراتيجية على طول الساحل الغربي للبلاد، وفرضوا سيطرتهم فجأة على مضيق باب المندب.

وربط الكاتب هذا التقدم بإعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية.

ويبدو هذان الحدثان، اللذان وقعا في دولتين متباعدتين جغرافيا في الشرق الأوسط وتختلفان اختلافا جذريا في رهاناتهما الجيوسياسية، غير مترابطين ظاهريا. إلا أن التطورات في اليمن والجزائر مرتبطة بثلاثة عوامل مؤثرة تشكل النظام الإقليمي في هذه اللحظة: فشل الولايات المتحدة في هزيمة إيران أو حماية حلفائها العرب، والصراع السعودي الإماراتي، والتلاشي السريع للانقسامات المصطنعة بين الشرق الأوسط وأفريقيا.

التطورات في اليمن والجزائر مرتبطة بثلاثة عوامل مؤثرة تشكل النظام الإقليمي في هذه اللحظة: فشل الولايات المتحدة في هزيمة إيران أو حماية حلفائها العرب، والصراع السعودي الإماراتي، والتلاشي السريع للانقسامات المصطنعة بين الشرق الأوسط وأفريقيا

وعليه، فقد حظي التصعيد في اليمن بأكبر قدر من الاهتمام، ولسبب وجيه. ذلك أن استيلاء الحوثيين على مدينة المخا الساحلية ومعظم ساحل اليمن على البحر الأحمر، والعديد من الجزر الرئيسية فيه، يمكن الجماعة من تعطيل حركة الملاحة ومنعها عبر مضيق باب المندب. لطالما كان هذا الممر المائي أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، حيث يربط عبور قناة السويس آسيا بالغرب، فيما تساهم عائدات الرسوم المرتبطة بها في دعم الاقتصاد المصري. وقد ازدادت أهميته بعد أن سعت السعودية إلى الالتفاف على السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز بتحويل شحنات النفط عبر خط أنابيبها الممتد من الشرق إلى الغرب إلى منفذها على البحر الأحمر. كما أدى هجوم الحوثيين، بالإضافة إلى غارات الطائرات المسيرة على خط الأنابيب التي نسبت إلى الميليشيات العراقية، إلى إغلاق هذا المنفذ بشكل مفاجئ وحاسم، مما وضع ضغطا غير مسبوق على السعودية والاقتصاد العالمي.

وبينما كان تأثير هجوم الحوثيين أشد وطأة على الجبهة الإيرانية، فإن للحرب في اليمن ديناميتها الخاصة. فقد أشعلت السعودية فتيل الجولة الأخيرة من القتال في تموز/يوليو بقصفها مطار صنعاء، وتصاعدت حدة القتال لعدة أشهر. ولكن، كما هو الحال في كل شيء في الشرق الأوسط هذه الأيام، كان هناك بعد سعودي إماراتي أيضا، ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي، طردت القوات السعودية فجأة ودون سابق إنذار القوات الموالية للإمارات من اليمن، في مواجهة حركة استقلال جنوبية اعتبرتها جزءا من حملة إماراتية أوسع لدعم الجماعات الانفصالية في المنطقة. وكانت السعودية قلقة بشكل خاص من الدعم الإماراتي المحتمل لاعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي. وقد اعتبرت الرياض احتمال حصول إسرائيل على موطئ قدم استراتيجي على الجانب الآخر من باب المندب، لا سيما إذا سهل ذلك تطويق الإمارات للسعودية، تهديدا استراتيجيا خطيرا.

وأتبعت الرياض تحركاتها في اليمن بمحاولة لتشكيل تحالف إقليمي، يضم دولا مثل تركيا ومصر وقطر، ليصبح قطبا ثالثا ينافس محور المقاومة الإيرانية ومشروع اتفاقيات إبراهيم بقيادة الإمارات وإسرائيل.

وكان إخراج الإمارات من اليمن الجزء الأسهل، فقد أدت الهزيمة السريعة لحلفاء الإمارات إلى ترك السعوديين مسؤولين عن دعم وقيادة القوات المتبقية التي تدافع عن الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليا. وبينما تظاهرت الرياض بتقديم دعم كبير وإعادة تنظيم تلك القوات وتعهدت بتوفير غطاء جوي، إلا أن معظم تلك المساعدات لم تدم طويلا. فلم تكن الاستراتيجية السعودية تبدو أفضل حالا من عقود من الإخفاقات وضعف الأداء، حيث فشل تدفق الأموال والغارات الجوية المتقطعة والحصار المستمر والدعاية، على سبيل المثال، في تعويض غياب القدرات البشرية أو الكفاءة الاستراتيجية على الأرض. وتشير التقارير إلى أن ما يصل إلى 80% من القوات المدعومة سعوديا كانوا مقاتلين وهميين، يتقاضون رواتب.

ويبدو أن الاتصالات السعودية قد تعرضت لاختراق كامل من قبل الحوثيين، في حين لم يتحقق الدعم الجوي الموعود إلى حد كبير. وانتشرت وسط ثرثرة منصات التواصل الاجتماعي العربية، شائعات حول قيام الإمارات العربية المتحدة بتفعيل نشاط حلفائها السابقين سرا لتقويض القوات الحكومية، كرد على الرياض وانتقاما من هزيمة كانون الأول/ديسمبر ودعما لمخاوف إسرائيل بشأن التحالف الجديد الذي تقوده السعودية.

وعليه، يرى لينتش أنه لا يمكن رد الدوافع الحوثية باعتبارها جزءا من استراتيجية إيرانية كبرى، ولا يمكن اعتبارها، حتى أنها فرصة لتوجيه ضربة قاضية في الحرب الدائرة مع السعودية. فقد جاء تقدمهم أيضا استجابةً لاحتمال امتداد الصراع إلى مناطق أخرى.

اعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال، وما يشاع عن وجود قوات سرية على الأرض، قد يدفع القوات الإسرائيلية والإماراتية، وحتى الأمريكية، إلى بناء وجود عسكري على الجانب الآخر من المضيق للتنافس على السيطرة

فاعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال، وما يشاع عن وجود قوات سرية على الأرض، قد يدفع القوات الإسرائيلية والإماراتية، وحتى الأمريكية، إلى بناء وجود عسكري على الجانب الآخر من المضيق للتنافس على السيطرة واتخاذه قاعدة لشن ضربات مضادة في اليمن. وهذا بدوره قد يعزز علاقات الحوثيين مع حركة الشباب الصومالية، التي تنمو بشكل طبيعي منذ سنوات، مما يزيد من مخاطر امتداد الحرب إلى منطقة القرن الأفريقي.

ويقول لينتش إن هذه المخاوف المتعلقة بشرق أفريقيا كانت، بلا شك، حاضرة في ذهن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عندما قام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بزيارة غير معتادة إلى القاهرة هذا الأسبوع. وقد انحازت مصر إلى جانب الرياض في أزمة كانون الأول/ديسمبر، لكنها رفضت حتى الآن الانضمام إلى حلف مكة الذي تقوده السعودية مع باكستان وتركيا. ومع ذلك، سيكون الأثر الاقتصادي المحتمل لإغلاق باب المندب على قناة السويس، بالإضافة إلى تداعيات الحرب مع إيران، كارثيا على النظام المصري الذي يعاني أصلا من مشاكل اقتصادية عميقة.

كما أن امتداد الصراع اليمني إلى القرن الأفريقي يزيد الضغط على مصر، التي تخوض صراعا مستمرا مع إثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي الكبير. ويبدو أن مصر ليست أكثر استعدادا للانضمام إلى حرب برية ضد الحوثيين مما كانت عليه عندما طلب محمد بن سلمان ذلك قبل عقد من الزمن، ولكن من نواحٍ عديدة، أصبحت المخاطر الآن أكبر والخيارات أكثر هشاشة.

وفي منطقة تتسم بصراع شرس بين السعودية والإمارات، لم يعد بإمكان القاهرة الاعتماد على الدعم المالي من أي منهما، لأن اختيار أي من الجانبين قد يكلفها غاليا مع الآخر.

وكانت السعودية، المحبطة من رفض الولايات المتحدة التدخل ضد الحوثيين نيابة عنها، تأمل في الحصول على مساعدة من حلفائها الجدد، مثل باكستان وتركيا. لكن يبدو أن كلا البلدين يكتفيان بتقديم الدعم المعنوي والابتعاد عن المستنقع اليمني. وسرعان ما أوضحت باكستان أن التزامات تحالفها تقتصر على الصراعات الجديدة فقط. لكن هذا الموقف قد يكون غير قابل للاستمرار مع تضاؤل الخيارات السعودية بسرعة. فالتدخل الباكستاني في اليمن لدعم السعودية، وإن لم يكن مطروحا حاليا، سيمثل جبهة جديدة للتنافس الأمني العابر للأقاليم، وسيؤكد ضرورة التفكير خارج نطاق الشرق الأوسط.

ولكن ما علاقة كل هذه التطورات بالجزائر؟ فقد جاء قرار الرئيس عبد المجيد تبون بقطع العلاقات الدبلوماسية ردا على تصاعد الأنشطة الإماراتية في منطقة الساحل، ولا سيما دعمها للمطالب المغربية بالصحراء الغربية.

وتتمحور مشاكل الجزائر مع الإمارات حول دعمها للمغرب في إطار اتفاقيات إبراهيم، وهو ما يتجلى في الصحراء الغربية وعموم منطقة الساحل، حيث سعت الرباط إلى تعزيز نفوذها على حساب الجزائر، بدعم إماراتي. واتهمت الجزائر الإمارات بتوسيع نفوذها في تشاد ومالي والنيجر، وإدامة حروب دموية مزعزعة للاستقرار من خلال دعم قوات الدعم السريع في السودان والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر في ليبيا. كما اتهمت وسائل الإعلام الجزائرية الموالية للنظام الإمارات بمحاولة التلاعب بالانتخابات الرئاسية الجزائرية لعام 2019، على الرغم من ندرة الأدلة حتى الآن. وعلى غرار الرياض، تنظر الجزائر إلى طموحات الإمارات جزئيا من خلال تحالفها مع إسرائيل، وتحملها مسؤولية تسريع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل واعتراف الولايات المتحدة بسيادتها على الصحراء الغربية.

ويرى لينتش أن هذا التنافس يشير إلى خريطة للشرق الأوسط أوسع مما يتصوره صناع السياسة الأمريكيون، حيث تسعى دول شمال وشرق أفريقيا إلى تعزيز تحالفاتها ومصالحها بطرق ترفض بشدة اتباع الخطوط التقليدية للسياسة في الشرق الأوسط. بعد أيام قليلة من التحركات الدبلوماسية الجزائرية، اتهمت إريتريا الإمارات بـ”التوسع في الموانئ” بالتعاون مع إسرائيل.

ومثل الحوثيين، تراقب إريتريا بقلق التوسع الإماراتي في القرن الأفريقي والدعم الإسرائيلي لجمهورية أرض الصومال، مع مراقبة دقيقة للاستعدادات العسكرية الإثيوبية. ويأتي كل هذا وسط إدانات دولية وإقليمية متزايدة لدعم الإمارات لقوات الدعم السريع الوحشية، المتهمة بارتكاب جرائم حرب جسيمة.

وربما كانت مكاسب الحوثيين في اليمن مؤقتة. فقد شهد اليمن تاريخا طويلا من التقلبات المفاجئة والانقلابات الحادة في حربه الداخلية الطويلة، وقد يتبلور وضع جديد في نهاية المطاف يتجنب أسوأ السيناريوهات. لكن الدرس الأهم هو أن السياسة الإقليمية اليوم ليست صراعا ثنائيا بين إيران وتحالف تقوده الولايات المتحدة، فالصراع السعودي الإماراتي، الذي يعد بدوره واجهةً لنقاش إقليمي حول مكانة إسرائيل في النظام، قد رسخ الآن منافسة ثلاثية الأطراف تتجاوز الحدود الإقليمية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *