الطائف ـ «القدس العربي»: المسافر إلى المملكة العربية السعودية، وتحديداً من يُكتب له أداء مناسك العمرة ثم تفوته فرصة السفر إلى مدينة قريبة منها أي الطائف، يكون قد فوت لحظة استثنائية من رحلته. ومن يقصد المملكة التي أضحت اليوم مقصداً سياحياً عالمياً بغرض الاستكشاف، ولم يضمن برنامجه زيارة الطائف، فهو كمن أغفل جوهرة الحجاز العالية. لا تبعد الطائف كثيراً عن مكة المكرمة (أقل من 100 كم) ولا عن جدة (أقل من 200 كم)، لكنها تصعد بالمسافر نحو عالم آخر يجمع بين العراقة، والتاريخ، والطقس الخلاب صيفاً وشتاءً.
أثناء رحلتي إلى «مدينة الورد والجبالـ« كما تُسمّى، استحضرتُ في ذهني تجربة صلالة العُمانية؛ فرغم البعد الجغرافي والاختلاف الطبيعي بينهما، تجمع المدينتين قواسم مشتركة تجعل من كلتيهما وجهة استثنائية: انزياح مناخي مباغت يكسر جفاف الإقليم، وذاكرة تاريخية وعطرية تعيد تعريف جغرافيا شبه الجزيرة العربية.
ترسم الجغرافيا من مكة نحو الطائف، عبر التلال والجبال المتعرجة، مسارات في غاية الجمال وكأنها لغز بصري يحمل المسافر نحو قمم الغمام عبر عقبة كرا، بين ضفتي جبال السروات الشاهقة والملتهبة بشرار صيف الحجاز. وعلى مسافة لا تتجاوز تسعين كيلومتراً من تحت وهج الشمس القاسية، يحدث الانزياح المناخي المباغت: يهبط الميزان الحراري رويداً رويداً، وتنكسر حدة الهجير ليحل محلها نسيم جبلي بارد ورطب، بينما يتوارى الأفق الصخري الداكن تحت سديم أبيض كثيف من الغمام الذي يكلل قمم الهدا والشفاء. هذه اللوحة المزاجية المميزة هي بالذات ما جعلتني أستذكر رحلتي لصلالة، حيث تتغير الجغرافيا فجأة في الفصل ذاته، بين حر الساحل ورطوبته، مقابل الجنة الخضراء المعلقة في الجبل.
جبال فوق غيوم الجزيرة العربية
تتراءى للزائر الأعجوبة البصرية كلما اقتربت الرحلة من الوصول؛ فعلى ارتفاع يتراوح بين 1800 وأكثر من 2500 متر فوق سطح البحر، تبرز الطائف حسنها البكر كفتاة يافعة في عز شبابها، لتبتكر استثناءً جغرافياً مبهراً في قلب شبه الجزيرة العربية. يراود الزائر شعور لطيف وهو يستقبل هواءً أقرب إلى ربيع أوروبي معتدل، ومناخاً يفسر سراً استمر لقرون طويلة جعل من هذه المرتفعات مصيف الحجاز الطبيعي الأول، الذي يفر إليه أهل السواحل والمدن وحكامها من قيظ الصيف.
يندهش المسافر في قمم الشفاء والهدا حين يطأ الأرض لأول مرة من المشاهد الطبيعية التي تنقله إلى عوالم بعيدة عن نمطية الصحراء وعمران المدن المعتاد؛ استرعى نظري هذا الدمج البديع بين ضباب ينساب بين التجويفات الجبلية، ومدرجات خضراء منبسطة كأنها ملاعب ضخمة معلقة في السحاب، وأريج النباتات العطرية البرية الذي يغمر الحواس. لحظة جعلتني أتيقن حقاً أن شبه الجزيرة العربية ليست جغرافيا واحدة متماثلة، بل عبارة عن لوحات طبيعية متعددة الألوان والطبقات.
عند الوصول إلى الطائف، يبدي سكانها اعتزازاً كبيراً بلقبها الأثير: «مدينة الورد»؛ إذ يعتزون بكل تفاصيلها والعناصر التي صاغت هوية المكان وشخصيته. يعيدها البعض إلى اسم ينبئ عن حصون منيعة وطوف محيط يُقال إن اسم الطائف اشتق منه لحمايتها من الغزوات القديمة، لكن اسمها يقترن في الوجدان بلقب أكثر رقة وسحراً؛ حيث تحتضن عروق جبالها آلاف المزارع للورد الجوري الدمشقي، والتي تحولت عبر عقود إلى واحدة من أرقى المدارس العطرية في العالم.
من وادي وج إلى حصار النبي ﷺ
مع احتكاكي بسكان الطائف وتتبع تاريخها، يتضح أن عظمة المدينة ليست مجرد جمل عابرة مدونة في كتب السياحة، بل هي سر مكين صاغ هويتها عبر القرون. تشير المعطيات إلى أن الاستيطان البشري في هذه البقعة الخصبة يعود إلى قرون طويلة قبل البعثة النبوية، يوم استقرت فيها قبيلة ثقيف العربية العريقة، التي عُرفت بحنكتها الفلاحية والتجارية، واتخاذها من وادي وج- الذي يشق قلب الطائف حتى اليوم – مأواها ومزرعها بفضل مياهه العذبة التي لا تجف.
ارتبطت ثقيف عبر العصور اللاحقة بالطائف، وصارا كياناً واحداً يصعب فصل أحدهما عن الآخر. وكانت الطائف قبل الإسلام تشكل مع مكة الحاضرتين الأهم في الحجاز؛ ارتبطتا بعلاقة تحالف وتنافس معقدة: ثقيف تبحث عن أسواق مكة لتصريف محاصيلها، وقريش تطلب ثمار الطائف ومناخها الجبلي وموقعها الحصين.
ويرتفع ثقل الطائف التاريخي باستحضار ذكرها في القرآن الكريم؛ وذلك في قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرَيْتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
وقد أجمع المفسرون كابن جرير الطبري، وابن كثير، والقرطبي على أن القريتين هما مكة والطائف. وكان أهل مكة يعنون بـ«الرجل العظيم» في الطائف عروة بن مسعود الثقفي (أو كنانة بن عبد ياليل)، وفي مكة الوليد بن المغيرة. وتثبت هذه الآية الثقل الحضاري والجيوسياسي للطائف قبل الإسلام؛ فقد كانت في عرف قريش الندّ والمكافئ الوحيد لمكة في العظمة، والنفوذ، والثراء المادي. كما يرى أرباب السير والمفسرون في خضرة الطائف وبساتينها استجابة دافئة لدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام حين دعا لذرية بيته: ﴿وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾، فكانت الطائف هي ذلك البستان المعلق في السماء الذي أفاض خيراته وثماره على أهل الحجاز.
أما الحدث الأبرز الذي يربط الطائف بالسيرة النبوية فقد وقع في مرتين مفصليتين: الأولى: حين قصدها النبي محمد ﷺ قبل الهجرة في عام الحزن طالباً النصرة لرسالته، فقوبل برفض قاسٍ من زعماء ثقيف الذين حرضوا عليه سفهاءهم حتى أُدميت قدماه الشريفتان في تلك الزيارة المحفورة في الوجدان الإسلامي.
أما الثانية: فكانت بعد غزوة حنين في السنة الثامنة للهجرة؛ حيث تحصّن مقاتلو ثقيف وبقايا هوازن خلف أسوار الطائف المنيعة، ففرض عليهم النبي ﷺ حصاراً عسكرياً استمر نحو أربعين يوماً، استُخدم فيه المنجنيق والدبابات الخشبية لأول مرة في التاريخ العسكري الإسلامي. لم يُفتح الحصن يومها عنوة، بل رفع النبي الحصار ودعا لأهلها بالهداية، وما هي إلا أشهر قليلة حتى أرسل زعماء ثقيف وفدهم إلى المدينة المنورة معلنين إسلامهم طواعية ومن دون قتال.
الطائف في ميزان الرحالة ونقد النصوص
تحفل مقالات سياحية وتراثية معاصرة بترديد أن الرحالة المغربي ابن بطوطة زار الطائف في القرن الرابع عشر ووصفها بعبارات عن خصوبتها وطيب هوائها. غير أن التدقيق التوثيقي في نص «تحفة النظار» ينفي وجود مقطع موثق بهذا النمط يخص الطائف تحديداً؛ بل إن دراسات أكاديمية متخصصة في تحقيق رحلته ترجّح أن ابن بطوطة لم يزر شخصياً أجزاءً واسعة من الداخل الحجازي، ونقل عنها اعتماداً على مصادر جغرافية سابقة كالبكري، قبل أن تتحول تلك التوصيفات إلى مأثورات شعبية تُنسب إليه تلقائياً.
أما عبد الرحمن ابن خلدون، فالملحوظ في كتاباته أنه أشار إلى مواطن قبيلة هذيل في مرتفعات الطائف تحت مسمى سراة هذيل ضمن تعداده العام لمساكن القبائل. وقد توسّع بعض الكتّاب المعاصرين في قراءة هذه الإشارة المقتضبة، فحمّلوها تحليلاً أنثروبولوجياً كاملاً عن تأثير المناخ الجبلي في صياغة أخلاق القبائل وفروسيتها، وهو تعميق أدبي مستحدث يُضاف على أصل النص التاريخي المقتضب.
وفي مقابل ذلك، يحضر النص التوثيقي الجلي للكاتب والمفكر محمد أسد (ليوبولد فايس) في كتابه الشهير «الطريق إلى مكة»؛ إذ دون انطباعاته الحية عن الطائف خلال عشرينيات القرن الماضي بحكم قربه من الملك عبد العزيز آل سعود. نقل أسد ببراعة حسية وأدبية مشاهداته لارتفاع الطائف البرادي، وبساتينها المعلقة، وكيف كانت تشكل الرئة الخضراء التي يتنفس منها رجالات الحجاز ونجد، واصفاً مجتمعها الجبلي وأوديتها المفعمة بالسكينة.
أما الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت، فيُعد من أوائل الأجانب الذين سجلوا مذكرات دقيقة عن الطائف في أواخر العهد العثماني؛ إذ صُدم بالتضاد الجغرافي الشديد بين حرارة جدة وبرودة الطائف، ووصف شوارعها بأنها «أكثر اتساعاً ونظافة من معظم مدن الشرق»، وأبدى إعجابه ببيوت الغرانيت الصلبة وبساتين الورد والعنب المحاطة بالجدران الحجرية، مؤكداً أن هواءها «يُعيد العافية إلى الأجساد المنهكة». وقبيله كتب الرحالة الفرنسي شارل دديديه في كتابه «رحلة إلى الحجاز» واصفاً إياها بواحة الخلد الجبلية حين أبهرته خضرة بساتينها وقصورها.
مصيف الملوك
احتفظت الطائف بمكانة استثنائية لدى ملوك الدولة السعودية الحديثة منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود؛ إذ تحولت عملياً إلى «العاصمة الصيفية» للحكومة منذ عام 1343هـ. كان الملك عبد العزيز يقضي أشهراً طويلة من الصيف في الطائف، متخذاً من قصر شبرا التاريخي مقراً لإقامته وإدارة شؤون البلاد واستقبال الوفود. واستمر هذا التقليد في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي جعل من الطائف مقراً صيفياً لرئاسة مجلس الوزراء.
ولم تكن الطائف مجرد بستان للترويح والاصطياف، بل تحولت في التاريخ العربي الحديث إلى «منصة للحكمة ورأب الصدع». ففي خريف عام 1989، وتحديداً في الثاني والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر، احتضنت المدينة واحدة من أهم المحطات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يوم وُقع فيها «اتفاق الطائف» (وثيقة الوفاق الوطني اللبناني).
تداعى اثنان وستون نائباً لبنانياً يمثلون مختلف الطوائف ليعقدوا مؤتمراً استثنائياً برعاية سعودية وعربية، أنهى حرباً أهلية طحنت لبنان لـ 15 عاماً متواصلة. وضع الاتفاق أسس الدستور اللبناني الجديد وقواعد المناصفة السياسية، لتثبت الطائف أن جبالها التي شهدت التدافع الأدبي في عكاظ وحصار التاريخ قديماً، هي ذاتها التي شهدت صياغة السلام وحقن دماء العرب في العصر المعاصر.
سيرة اللسان العربي وسوق عكاظ
على ذكر التدافع الأدبي، قادتني الرحلة لاستكشاف التفاصيل المتعلقة بهذه الواحة التي كانت عبر التاريخ «العلامة المسجلة الأولى للأدب واللسان العربي». ففي هذا المرتفع الجبلي، صاغ العرب مفهومهم المبكر للنقد والمفاضلة الشعرية؛ حيث شُيّدت في سهوله الشمالية منصة «سوق عكاظ» التي تحولت إلى أول أكاديمية أدبية مفتوحة في التاريخ العربي.
هناك، كانت تُضرب القباب الجلدية الحمراء للنقاد الكبار كـ النابغة الذبياني، وتُعرض المعلقات والملاحم، ويُجاز الشاعر أو يُسقط بكلمة، ومن نسيم جوها انطلقت المعايير الأولى للبلاغة والفصاحة. وظل هذا الإرث الأدبي حياً؛ إذ تحولت المدينة في العصر الحديث إلى مركز لإعادة إحياء «سوق عكاظ» برؤية معاصرة تجمع أدباء وشعراء الوطن العربي كل عام.
هندسة المياه:
سدود تصمد منذ 1380 عاماً
قلما يجد الباحث في شبه الجزيرة العربية إرثاً هندسياً بحجم الإرث المائي الذي تمتلكه الطائف. فقد أحصى المؤرخون في أوديتها الثمانية والثلاثين نحو سبعين سداً أثرياً، بُني أغلبها في صدر الإسلام والعصر الأموي لكسر اندفاع السيول وتحويل المياه المهدورة إلى مخزون يروي المزارع المدرجة. سد سيسد الأثري: أبرز هذه السدود، بناه عبد الله بن صخر في عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان عام 58 للهجرة (أي قبل نحو 1380 عاماً). يقف السد اليوم شامخاً بين الصخور، حاملاً نقشاً صخرياً كوفياً يؤرخ لسنة بنائه وبانيه، كواحد من أقدم النقوش الإسلامية المؤرخة على أثر معماري قائم. وسدود أثرية أخرى: تتوزع في المنطقة سدود مثل سد الأحيمر، وسد دغبج، وسد ثعلبة، وصولاً إلى سد عكرمة الذي بُني في العصر السعودي الحديث.
أما في الجانب الروحي، فيرتفع مسجد ومقبرة عبد الله بن عباس، حيث يضم ثرى المقبرة قبر الصحابي الجليل (حبر الأمة ومفسر القرآن) الذي اختار الطائف مجاوراً وتوفي فيها، وإلى جواره تقع «مقبرة الشهداء» التي تضم رفات من استُشهدوا أثناء حصار غزوة الطائف.
أطلال وقصور
في معانقة الضباب
تتربع الطائف على معالم أثرية راسخة تشهد على تنوعها المعماري والثقافي: قصر شبرا التاريخي: وهو تحفة معمارية بُنيت عام 1323هـ/1905م، تمزج بين الطراز الإسلامي بنوافذه العالية وأعمدته الرخامية، وكان مقراً لإقامة الملك عبد العزيز صيفاً، ثم مقراً لمجلس الوزراء في عهد الملك فيصل، قبل تحويله إلى متحف إقليمي. ومرتفعات الهدا والشفاء:قمتان توفران إطلالات بانورامية مذهلة على عقبات السروات، ويربطهما تلفريك الهدا وسط حزام من أشجار العرعر البرية. وسوق البلد: وهو عبارة عن أزقة ملتوية في وسط المدينة القديمة يفوح منها عبق العسل الجبلي، والسمن البلدي، وعطارات الورد. ناهيك عن منتزه الردف وحديقة الملك عبد العزيز: وهي مساحات استجمام عائلية واسعة بين صخور الطبيعة ونسيم الجبل.
بين ثقيف وقريش وهذيل
يتشكل النسيج الاجتماعي لمالكي الأرض وسكانها من جذور قبلية عريقة ضربت بأطنابها في المكان منذ الجاهلية. فإلى جانب قبيلة ثقيف- أهل المدينة الأصليين وصناع وادي وج – استوطنت فروع من قبيلة قريش هذه المرتفعات، إضافة إلى ديار قبيلة هذيل في «سراة هذيل»، وفروع من قبائل عتيبة، وبني سفيان، وطويرق، وبني سعد (ديار حليمة السعدية مرضعة النبي ﷺ).
هذا التنوع الجبلي أعطى مجتمع الطائف طابعاً يجمع بين كبرياء الجبل ودماثة أسلوب ابن الحجاز، يحيون مناسباتهم بالفنون الشعبية العريقة، وأبرزها «فن المجرور الطائفي»؛ الفن الشعبي الشجي الذي يمزج الشعر بالغناء والرقص الجماعي على إيقاع الدفوف، وارتبط تاريخياً بثقيف حتى صار يُعرف باسمها.
أسرار العطر المتوارث والورد المستعصي
أعمق ما يشد الباحث في الطائف هو ارتباط عائلاتها العريقة بحرفة توارثتها الأجيال: زراعة الورد وتقطيره.
تحتفظ عوائل كآل القرشي، وآل الغريبي، وآل الصلحي، وآل قاضي بمعامل تقطير تقليدية تُدار وفق قاعدة صارمة: يبدأ القطف في ساعات الصباح الأولى قبل شروق الشمس والزهر بعدُ ندي؛ لأن الشروق يبدد الزيوت الطيارة الثمينة. تنتشر في الهدا والشفاء ووديان بني سفيان أكثر من 850 مزرعة جبلية، تنتج الشجرة الواحدة منها نحو 250 وردة يومياً خلال موسم القطاف (من مطلع آذار/مارس لخمسة إلى سبعة أسابيع).
المفارقة أن هذا الدهن العطري يحتاج تقطيره إلى ما بين 25 و40 ألف وردة لإنتاج «تولة» واحدة فقط (نحو 11.7 غرام)، يتراوح سعرها من المصنع مباشرة بين 1500 و2000 ريال سعودي، وقد يتضاعف في المحال النخبوية؛ توازن دقيق بين الندرة والجودة جعل من هذا العطر هدية ملكية حصرية.
واللافت أن هذا الصنف من الورد الجوري استعصى على محاولات نقله وزراعته خارج جبال الطائف؛ إذ جُرّب استزراعه في أقاليم بالمغرب وإسبانيا، فكان يفقد جودته وعطره لحساسيته الشديدة لتربة الجرانيت الطائفية ومياه أمطارها ونسبة الرطوبة في قممها.
العطر الذي يستريح على الكتف
في نهاية المطاف، تجف السيول وتتغير ملامح المدن بفعل التوسع العمراني، وتنطفئ أسوار المعارك القديمة لتتحول إلى سطور في كتب التاريخ. لكن الطائف تظل وفية لسيرتها الجبلية: مدينة يرتفع أعلاها إلى أكثر من ألفين وخمسمئة متر، ويحرسها سد عمره ألف وثلاثمئة وثمانون عاماً، وتحضن مئات المزارع التي تعطر وجه الحجاز.
إنها المدينة التي تتقن الجمع بين هيبة الحجر وقسوة العقبة، وبين رقة العطر وعذوبة اللسان العربي. وحين يغادرها الزائر عبر عقباتها نحو السهل المكي، يكتشف أن رائحة الورد الطائفي لا تفارق ثيابه وحقيبته، لتذكره بأنه لم يزر مجرد مصيف جميل، بل مرّ للحظة بحديقة معلقة أهداها الجبل للعرب منذ آلاف السنين.