هل تعلم ما هو الفرق بين السَّفاح والقاتل المتسلسل؟ السفَّاح يمكن تعريفه بأنه شخص يقتل الأبرياء لتحقيق غرض ما، مثل السرقة أو الانتقام. ويسمى بالسفَّاح لكثرة سفكه للدماء. وعلى الجانب الآخر، القاتل المتسلسل، هو شخص سيكوباتي النزعة، لديه رغبة عارمة في القتل من أجل إشباع رغبة داخلية لتحقيق المتعة والسلام النفسي لفترة تعرف باسم «التبريد النفسي»، وبعدها يمارس هوايته المفضَّلة، ألا وهي القتل، مرَّة أخرى لتحقيق ذاك التوازن النفسي مرَّة أخرى.
وبالنظر إلى التطوُّر التكنولوجي من أولى بداياته، يُلاحظ أن قوامه دماء الأبرياء التي يسفكها لتحقيق مكانة طاغية، تغلغلت في البشرية حتَّى صارت سفَّاحاً عديم الرحمة، بداية من الثورة الصناعية الأولى، إلى أن استوت على الأرض وهيمنت ليس فقط على جميع مفاصل الحياة، بل أيضًا عقول البشر بعد أن تمثَّلت في شكل ذكاء اصطناعي وهوس عالمي لخلق آلة (روبوت) لها تقريبًا جميع خصائص ووظائف الإنسان، لكنها تفوقه أداء وقوَّة.
منذ عام 2023، يحذِّر الخبراء من مغبَّة تطوُّر الذكاء الاصطناعي، ويشيرون أنه سيسرق وظائف البشر. لكن ما يحدث هو أن الخبر يُنشر بصورة مكثَّفة في جميع وسائل الإعلام، لدرجة أن جميع نشرات الأخبار والصحف والبرامج يتحدَّثون عن ذاك الموضوع بالتحديد. لكن ما يحدث هو أن البشر العادي المستخدم لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يصيبه الملل من كثرة تواتر الخبر، فتتولَّد لديه حالة من الإشباع، يشرع بعدها غضّ الطرف عن سماع المزيد. ثمَّ يصرف انتباهه عن تلك الموضوعات الكئيبة، وينغمس في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وبهذا، صارت تلك التكنولوجيا بمثابة إدمان رقمي لجميع فئات مستخدمي أي وسيلة تكنولوجية. وقد يتعافى البعض من ذاك الإدمان لفترة وجيزة مصاحبة لسماع تقدُّم تكنولوجي آخر غير مسبوق من شأنه تقويض البشرية، وتهميش العنصر الآدمي. لكن يتم تطبيق الأسلوب السَّالف الذكر مرَّة أخرى، فينزلق المُتعافى لتلك الهوَّة السحيقة ذاتها، إلى أن يستفيق يومًا فيجد أن وجوده قد تلاشى، وصارت القلَّة الباقية من البشر كقطع زينة لا قيمة لها، بل إنها على العكس مؤذية؛ لأنها تشغل فراغاً من الأحرى استغلاله فيما يُفيد.
ولهذا السبب، لا غرابة في استقالة إيفان هوبينجر Evan Hubinger قائد فريق «علوم المواءمة» (Alignment Science) في شركة «أنثروبيك» Anthropic، الذي يعمل على اختبار تقنيات المواءمة وآليات التقييم لدى الشركة وإجراء البحوث العلمية لتطويرها. وأمَّا تصريحه الذي تم افتعال أنه هزّ البشرية وصارت جميع المحطَّات الإخبارية العالمية تردده وتؤكده، فلا قيمة حقيقية له سوى تكوين غرف صدى وقتية للوصول إلى مرحلة الإشباع النفسي والعاطفي للجمهور إزاء تلك التكنولوجيا، وبعدها يصرف نظر الجميع عن الموضوع؛ لتحقيق الإذعان للنتائج الناجمة عن استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؛ علمًا بأن الإذعان سيكون طوعياً وليس قصرياً.
لقد صرَّح «إيفان هوبينجر» بأنّ الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا كارثية لها نفس تأثير انفجار مفاعل نووي مثل تشرنوبل، وأن وتيرة التطوير التي يتنافس المطوِّرون بها لتحقيق أكبر الإنجازات في ذاك المجال خطيرة، بل وأنَّ تلك التكنولوجيا قادرة على قتل البشرية خلال عقد فقط. وبالرغم من أنّ جميع التصريحات حقيقية ومن المُنتظر تحقيقها في أقل من عِقد، إلَّا أن مآلها سلَّة مهملات الزمان، وهذا على الأمد القريب.
فما أشبه اليوم بالأمس! وهذا تصرُّف ليس مفاجئاً، بل إنه مقدِّمة لتطوير وفرض منحنى خطير وغامض لتلك التكنولوجيا المُلغزة التي تخدم أغراضاً لا يعلمها سوى الجهات المستفيدة منها. فالعقلاء هم فقط من يتذكَّرون استقالة «جيفري هينتون» من شركة جوجل، وهو الذي يعدّ «الأب الروحي البريطاني للذَّكاء الاصطناعي»؛ بسبب مخاوفه من أن هذه التقنية «المخيفة»، التي كان رائداً في تطويرها، «قد تصبح قريبًا أكثر ذكاء منا (يقصد البشر)»، كما قال حرفياً. بل إنه أكَّد آسفاً بأنه صار مثل «أوبنهايمر»، مُبتكِر القنبلة الذَّرية. واختتم تصريحاته النارية للإعلام بقوله إنه يعتذر للجميع لأنه ساهم في إنشاء أنظمة الذكاء الاصطناعي التي أرست الأساس التقني لـ «تشات جي بي تي» ChatGPT وأيضًا «جوجل بارد» Google Bard، علمًا بأن تصريحه هذا جاء فور طرح الذكاء الاصطناعي تجاريًا.
وما يثير السخرية والأسف في آنٍ واحد أنه بعد تلك الفقاعة الإعلامية الواسعة والانتفاض المفتعل من أجل البشرية والحفاظ عليها، لم يمرّ سوى أيَّام حتى تم إعلان إطلاق النسخ الجديدة للذكاء الاصطناعي الأكثر تطوُّرًا، بل تم أيضاً استخدام تلك التقنية على نطاق أوسع؛ فلم تصبح قاصرة على الخاصة، بل صارت جزءاً من الحياة اليومية لا يمكن الاستغناء عنه. والمثير للسخرية والدهشة في آنٍ واحد، أنّ برامج الذكاء الاصطناعي صارت الرفيق والصديق والناصح الذي يُستشار في أدقّ التفاصيل سواء كانت اجتماعية أم مالية، أو حتَّى طبِّية. ولا ينتبه الكثيرون أنه عندما تتم استشارة الذكاء الاصطناعي أو سؤاله في أمر ما، أنه يعمل على الإلحاح في متابعة الأمر بجميع الوسائل؛ حتى يتم الاعتماد عليه كلِّياً وعدم الخروج من حيِّز نفوذه على البشر. فعلى سبيل المثال، من أكثر الأمور صعوبة، استحداث فكرة ما. ولو حدث أن صرح أحدهم بهذه الفكرة لأي أداة ذكاء اصطناعي بغرض تطويرها أو تحسينها، يلاحظ أن البرنامج يطرح العديد من الأفكار الجاذبة المترتبة عليها. ومن يذعن لها يقع في فخّ التغييب والاعتماد الكلِّي عليه، وأخيرًا يفقد ملكة التفكير والابتكار.
والعقلاء فقط هم من يرصدون التصريحات الحالية لكبار الخبراء؛ فقد أشيعت تصريحات نارية عن وجوب إبطاء حركة تطوير تلك التكنولوجيا ومخاطرها، ووجوب قصر استخدامها على شرائح معينة، وهي جميعها إعادة لما قيل بعد الإعلان عن وجود عميل ذكاء اصطناعي مارق منذ أسابيع قليلة الماضية، وأنه تم احتواؤه بصعوبة. وقد صرَّح «إيفان هوبينجر» المستقيل بوجود العديد والعديد من عملاء الذكاء الاصطناعي المارقين حالياً، وأن أحدهم كان يعمل على تصنيع قنبلة بيولوجية. والمثير للدهشة أن يتم التصريح حاليًا بعدم إمكانية التراجع عن الدخول في غمار سباق تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؛ لأن من يمتلك التقنيات الأحدث هو من يمتلك المستقبل، ومن يتوقَّف سيصبح تابعاً، هذا إلى جانب استنطاق المُدافعين عن تلك التكنولوجيا بسبب فوائدها التي لا تعد ولا تحصى.
يجب ملاحظة أن الجدل حول تطوير تكنولوجيا الذَّكاء الاصطناعي بدأ بالفعل منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكانت هناك تصريحات لم ينتبه لها الجميع حينها سوى المتخصصين، تقرّ بوجوب وقف تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ذاك المصطلح الذي لم يفهمه العامة وكان حبيس معامل التطوير، وتم طرحه على العامة من خلال أفلام سينمائية وحبكات درامية تم وصفها بالخيال العلمي، بينما كانت وظيفتها الحقيقية التمهيد للزجّ بهذه التكنولوجيا في الحياة اليومية.
طوفان التطوُّر والتطوير لن توقفه بضع كلمات واهية وتصريحات تتطاير كالدخان، والمستفيد الحقيقي ليس فقط أباطرة الذكاء الاصطناعي. وكما هو متوقَّع، فالضحية الحقيقية هي البشر. فهل فهمت من هو السفَّاح ومن هو القاتل المتسلسل في هذا الأمر؟