تروي الصحافية المخضرمة كاترين ناي أنها رافقت رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد بالادور في زيارة رسمية إلى براغ في التسعينيات فأخذ يروي لها تاريخ آل هابسبورغ، الذين حكموا إمبراطورية النمسا والمجر لستة قرون، رواية العارف بالخفايا حتى ظنت «أنه عاشرهم عِشرة شخصية». كان من دأبه أن يستيقظ في الرابعة فجرا، هو القارئ النهم الشغوف بالتاريخ الفرنسي والأوروبي. وكان يقول: كيف للمرء أن يمارس السياسة إذا كان لا يعرف التاريخ؟! وعندما سئل بعد سنوات من اعتزاله الحياة العامة: ما هو آخر شيء تفعله قبل أن تُخلد إلى النوم؟ أجاب: أغلق الكتاب. سأله المذيع: إذن أنت تقرأ كل ليلة؟ قال: نعم، أمهّد لنومي بساعتين من القراءة. وماذا تقرأ حاليا؟ أجاب: مجموعة قصص قصيرة أستكشف بها عوالم الأدب الياباني الذي لم أكن أعرفه، وكتاب الباحثة نيكول أفريل، زوجة المذيع الشهير جان-بيار الكباش، عن تاريخ الوجه البشري.
كان شخصية ألمعية يحدوها روح التفاني في خدمة الصالح العام، ولكنه لم يكن يتقن حيل التودد إلى الجماهير
ومما أذكر أني شاهدت بالادور قبل عشرين سنة أو أكثر في برنامج تلفزي متحدثا عن الكاتبين الكبيرين شاتوبريان وستندال في سياق تأريخه الشخصي للأدب الفرنسي. تاريخ شخصي متعال على مواضعات النقاد، ومنساق بفطنة خلف مباهج الذوق الذاتي الحر. كان بالادور، الذي رحل عن هذه الدنيا آخر الشهر الماضي في سن السابعة والتسعين، شخصية محيرة ممتنعة على معتاد التحديد والتصنيف لأنها تجمع بين رفعة التهذيب وعفة اللسان وأرستقراطية المنطق والسجايا من جهة، وبين الصرامة في الإصلاح السياسي والضبط الإداري وشجاعة مواجهة الجمهور بالحقائق المزعجة من جهة أخرى. ولد في إزمير لعائلة مسيحية موسرة استقرت في فرنسا بعد أن كان أسلافها يحظون في الزمن العثماني بامتيازات الحماية الأوروبية. وإثر دراسة الحقوق والعلوم السياسية والتخرج من المدرسة القومية للإدارة، بدأ حياته السياسية مستشارا لدى رئيس الوزراء جورج بومبيدو، ثم أمينا مساعدا للرئاسة لما صار بومبيدو رئيسا للجمهورية عقب استقالة الجنرال ديغول. كان بومبيدو، ذو الثقافة العالية، معجبا بحصافة بالادور ودقته و»ذهنه التأليفي»، أي قدرته على إيجاز أوسع الملفات وأعقدها في بضع فقرات واضحة ونقاط دالّة. لهذا كان الرئيس كثيرا ما يعلق على حاشية تقاريره: «رأيك صائب كعادتك».
ولما توفي بومبيدو عام 1974 هجر بالادور الحياة السياسية حتى دعاه صديقه القديم زعيم الحزب الديغولي جاك شيراك لتولي وزارة الاقتصاد في أول «حكومة مُساكَنة»، من عام 1986 حتى 1988، مع الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران. وقد كنتُ ضمن فريق الصحافيين الأجانب الذين غطوا الانتخابات البرلمانية التي فاز بها الحزب الديغولي عام 1993 وصار بالادور بموجبها رئيسا للحكومة، ولمست آنذاك استياء الناخبين الفرنسيين من مكيافلّية ميتران وتذبذب حزبه الذي راكم الإخفاقات والفضائح. والطريف أن بالادور كان ليبرالي النزعة في بلاد معتادة تاريخيا على تدخل الدولة في معظم مناحي النشاط الاقتصادي. ولكن رغم سبحه ضد التيار وتنفيذه برنامجا واسعا للخصخصة وثباته على مصارحة الجمهور بوجوب خفض الإنفاق العام للتحكم في العجز والمديونية وبوجوب تأخير سن التقاعد تكيفا مع التطورات الديمغرافية، فإنه حظي طيلة عامين من الحكم بشعبية فائقة بلغت 75 بالمائة، ولكنها سرعان ما تآكلت في الأسابيع التي سبقت انتخابات الرئاسة التي قرر خوضها رغم ما راج طيلة حكمه عن اعتزامه الامتناع، التزاما باتفاق سري بينه وبين شيراك. وبالطبع خاب مسعاه الرئاسي لأنه لا عهد له بخوض الحملات الانتخابية ولا طاقة له بمنافسة سياسي حاذق نشيط مثل شيراك الذي ذهبت مهارته مثلا في تعبئة الحشود وإطلاق الوعود «التي لا تُلزم إلا من يتلقاها»! وبذلك انهارت، عام 1995، صداقة ثلاثين سنة بين الرجلين، ولو أن أمر الاتفاق المزعوم لم يكن واضحا وضوح «اتفاق مطعم غرانيتا» الشهير، عام 1994، بين غوردون براون وتوني بلير.
حظي بالادور باحترام كل من عرفه. لهذا وصفه السفير البريطاني لدى فرنسا آنذاك كريستوفر مالابي في برقية إلى حكومته بأنه «الأستاذ المبرّز في إدارة شؤون الدولة، مع حرص ومنهجية ولطف جم». كان شخصية نادرة المثال لأنه «كان رجل دولة بحق»، على حد تعبير المعلق آلان دوهاميل، «ولكنه لم يكن سياسيا!». أي أنه كان شخصية ألمعية يحدوها روح التفاني في خدمة الصالح العام، ولكنه لم يكن يتقن حيل التودد إلى الجماهير وألاعيب التسويق الانتخابي التي تقضي بأن «تمتدح نفسك وتذم كل من سواك».
٭ كاتب تونسي