من مطار لايبزيغ إلى باب المندب: حروب تتمدّد… محاور تتقطّع


الحرب الدائرة منذ شباط/فبراير 2022 بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا تتقاطع، في «مناخ حرب عالمية ثالثة»، مع الحرب المتقطعة، المتعددة المراحل والمتنقلة من ساحة إلى أخرى، التي يشهدها الشرق الأوسط منذ هجمات حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
لا يعني ذلك أننا بإزاء حرب عالمية واحدة بالمعنى الذي عرفه القرن العشرون، ولا أن الجبهتين الأوروبية والشرق أوسطية تشكّلان مسرحاً عسكرياً عملياتياً موحّداً. المقصود، بالأحرى، أن كلاً منهما يحوّل صراعاً ذا مركز إقليمي إلى بؤرة احتكاك مباشر أو شبه مباشر بين قوى كبرى، وأن كليهما يضع النظام الدولي أمام السؤال نفسه، وإن بصيغ مختلفة: إلى أي مدى يمكن توسيع نطاق الحرب، ورفع منسوب التورط فيها، من دون اجتياز العتبة التي يصبح عندها احتواؤها متعذراً؟
في أوكرانيا يظهر هذا المناخ بصورة أكثر عمودية وانتظاماً. ثمة حرب بين دولتين، روسيا وأوكرانيا، افتتح مرحلتها الراهنة الغزو الروسي الواسع النطاق للأراضي الأوكرانية، مصحوباً بمحاولة فرض تغييرات إقليمية بالقوة وضم أجزاء من الأراضي التي تعترف بها الأسرة الدولية جزءاً من أوكرانيا. لكن خلف هذا المستوى المباشر تنتظم بنية مواجهة أوسع: روسيا من جهة، والولايات المتحدة ودول أوروبية وحلف شمال الأطلسي من جهة أخرى، وإن لم يكن الناتو، بوصفه حلفاً، طرفاً محارباً مباشراً.
غير أن منسوب المباشرة في تورّط بعض الدول الأوروبية آخذ في الارتفاع. فلم يعد الأمر مقتصراً على تسليم أسلحة منتَجة سلفاً أو تقديم مساعدات مالية وعسكرية. قبل أسابيع، وافقت بريطانيا على إتاحة معلومات تقنية مصنفة تتصل بالمكوّنات الحساسة في منظومة صواريخ ستورم شادو، بما يساعد أوكرانيا على إنشاء خطوط تجميع محلية، فيما كانت فرنسا قد وافقت على ترتيبات مماثلة. وهذا ينقل العلاقة العسكرية، بدرجة إضافية، من مجرد تزويد أوكرانيا بذخائر من المخزونات الوطنية إلى شراكة صناعية وتكنولوجية طويلة الأمد في إنتاج السلاح نفسه.
وفي 27 آب/أغسطس حذّرت موسكو من إمكان استهداف مصالح عسكرية بريطانية، داخل أوكرانيا وخارجها، رداً على استخدام كييف صواريخ بريطانية بعيدة المدى في ضرب أهداف تسيطر عليها روسيا أو داخل الأراضي الروسية. تسعى موسكو على نحو متزايد إلى تصوير بعض أشكال المساعدة الأوروبية لا باعتبارها إسناداً خارجياً فحسب، بل باعتبارها اقتراباً من المشاركة العملياتية في الحرب. بل لم تعد ارتدادات الحرب محصورة داخل الأراضي الأوكرانية أو الروسية، هذا وإن تطلب الأمر شيئا من التروي عند تعقب حيثيات الهجوم في مطار لايبزيغ/هاله الألماني بطائرة مسيّرة محمّلة بالمتفجرات. لكن ومن بعد تحقيقات، أعلنت الحكومة الألمانية أنها تنسب المسؤولية عنه إلى روسيا، في إطار ما تصفه بنمط أوسع من التهديدات الهجينة التي تشمل التخريب والحرق المتعمد والهجمات السيبرانية واختراق الأجواء بالطائرات المسيّرة. ودأب موسكو نفي مثل هذه الاتهامات، وتحويلها الى تهديدات في مطرح آخر.
لقد ذهبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أبعد من ذلك مؤخرا، حين دعت إلى بلورة استراتيجية أمنية تقوم على الرد على العمليات الروسية التي تقع دون عتبة الحرب المسلحة التقليدية. هي بالتالي تعكس إدراكاً أوروبياً متنامياً بأن المنطقة الفاصلة بين السلم والحرب لم تعد هامشاً استثنائياً، بل أصبحت في حد ذاتها أحد ميادين الصراع الأساسية.
وهكذا، فإن الدعم الغربي لكييف، وتطوير قدراتها على الضرب بعيد المدى، وتمويل إنتاج الذخائر والصواريخ والمسيّرات، والعقوبات الاقتصادية، والصراع السيبراني، فضلاً عن الحضور الدائم للردع النووي في خلفية المشهد، تجعل الحرب تتحلل من حدودها الترابية الأوكرانية، من دون أن تحوّلها، حتى الآن، إلى مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة بين روسيا والأطالسة – المنقسمين على أنفسهم. وقد أعلن الاتحاد الأوروبي، في 17 أيلول/سبتمبر 2026، عن صرف 3.3 مليار يورو إضافية لأوكرانيا لشراء الصواريخ والطائرات المسيّرة، في مثال آخر على تعمّق الاندماج بين المجهود الحربي الأوكراني والدعم العسكري الأوروبي.
وتظل المنشآت النووية، وفي مقدّمتها محطة زابوريجيا، من المواضع التي يظهر عندها مقدار هشاشة هذا الضبط المتبادل: فالحرب مستمرة، والتصعيد مستمر، لكن الأطراف لا تزال، في الوقت نفسه، تعمل على إبقاء التصعيد دون مستوى المواجهة الشاملة.
إلا أن المنطقة الرمادية التي تفصل بين المشاركة في الحرب وعدم المشاركة فيها آخذة في الانحسار. فالدول الأوروبية تموّل إنتاج الذخائر، وتنقل المعرفة والتكنولوجيا العسكرية، وتشارك في بناء قدرات أوكرانيا الدفاعية والهجومية، وتساعدها على تطوير إمكانات الضرب في العمق؛ وفي المقابل تواجه على أراضيها ما تصفه حكوماتها بعمليات تخريب وهجمات سيبرانية وتوغلات بالطائرات المسيّرة مرتبطة بروسيا.
يتجسد «مناخ الحرب العالمية الثالثة» لا في اندلاعها المكتمل، بل في التمدد المتواصل للأفعال التي كانت، في زمن آخر، تعدّ من صميم الحرب، داخل فضاء لا يزال جميع الأطراف حريصين على ألا يسمّوه حرباً عالمية.
أما في الشرق الأوسط، فيتخذ «مناخ الحرب العالمية الثالثة» شكلا أكثر التواء. ليست المسألة هنا مجرد تمدد أفعال الحرب خارج جبهة أصلية، بل وجود منظومة من الميول المبتورة: إمكانات للتقارب لا تستطيع أن تذهب إلى نهاية التقارب، واتجاهات للقطيعة لا تستطيع هي الأخرى أن تستكمل القطيعة. كل قوة تحتاج إلى خصمها في ملف، وتحاول عزله أو إضعافه في ملف آخر؛ وكل محاولة لإعادة بناء نظام إقليمي تصطدم بتناقضات النظام نفسه.

 يتجسد «مناخ الحرب العالمية الثالثة» لا في اندلاعها المكتمل، بل في التمدد المتواصل للأفعال التي كانت، في زمن آخر، تعدّ من صميم الحرب

الحالة السورية تكاد تختصر هذه المفارقة. فمن جهة، مارست واشنطن ضغوطاً على دمشق، وطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة إمكان اضطلاع سوريا بدور في مواجهة حزب الله أو نزع سلاحه في لبنان. وبصرف النظر عن مدى واقعية تدخل عسكري سوري مباشر، ثمة رغبة أمريكية في أن تصبح سوريا الجديدة جزءاً من عملية إعادة ضبط التوازن الأمني اللبناني، ولا سيما عبر الحدود وطرق الإمداد وشبكات السلاح المرتبطة بحزب الله.
لكن المفارقة أن إسرائيل، التي يفترض أن تستفيد أكثر من غيرها من إضعاف البنية اللوجستية لحزب الله، تعمل في الجنوب السوري بمنطق يكبح في الوقت نفسه هكذا احتمال.
وما ينطبق على الحالة السورية يسري، على نطاق أوسع، على إمكان إنضاج محور إقليمي ثالث، خارج الاستقطاب بين المحور الإسرائيلي المتشابك بدرجات متفاوتة مع عدد من الدول العربية، ومحور الممانعة الذي تقوده إيران. فالحاجة إلى مثل هذا الحيز الثالث تبدو متزايدة كلما ارتفعت كلفة الاندراج الكامل في أحد المحورين، لكن الشروط التي تسمح بتحويله من مساحة مناورة إلى قطب سياسي متماسك تبقى منقوصة.
يمكن القول في المقابل إن ثمة جهوداً وخطابات وممارسات محمومة ومتضافرة تدفع نحو إعادة تشكيل الشرق الأوسط في صورة ثنائية قطبية كبرى: من جهة، محور إقليمي تقوده إيران، يستند إلى الدولة الإيرانية وإلى شبكة متفاوتة التماسك من الحلفاء والقوى المسلحة في العراق ولبنان واليمن وغيرها؛ ومن جهة أخرى، فضاء أمني تقوده إسرائيل، تتقاطع معه بدرجات متفاوتة الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية والحالات ذات الحيثية عند إثنيات بعينها. إلا أن الميل نحو الاستقطاب الثنائي يصطدم، في كل ساحة تقريباً، بعوامل تحول دون ذهابه إلى نهايته. فالمحوران موجودان، لكنهما لا يستطيعان إحكام القبض على الإقليم. يظهر ذلك سواء عند هرمز أو قبالة باب المندب.
فالنقيضان الإيراني والإسرائيلي قد تتقاطع مصلحتهما، كلّ لأسبابه، في تعطيل تبلور قطب إقليمي ثالث تركي سعودي باكستاني ويفترض أيضا مصري قادر على اجتراح مخارج معقولة من تواصل المناخ الاحترابي المدمر لسنوات طويلة، لكن أياً منهما لا يملك الجهوزية لملء الفراغ الذي يتركه الحؤول دون تبلور هكذا محور.
يجري العمل على قدم وساق كي ينمحي الإقليم وراء ثنائية «إما الخمينية وإما خط الليكود الإقليمي»، فيما لا يملك أيّ من المحورين المتناحرين، بعد تعطيل ما بينهما وما خارجهما، لا القدرة على حصر التناقضات بهما، ولا على إنتاج نظام إقليمي قابل للحياة في حال انتصار أحدهما، ولا في حال تعايشهما، مثلما ليس من الواضح بعد كيف يمكن لمحور ثالث أن يتبلور وما تكون قبل كل شيء آخر سرديته، وهل بمتسعه أن يتخفف أساسا من السرد.
٭ كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *