بلمو وأجماع يرويان فلسطين بالكلمة والريشة… حين تتكامل القصيدة واللوحة في ذاكرة الوجع



عبد العزيز بنعبو

الرباط – «القدس العربي» : كل نبض الألم وصور المعاناة وأحاسيس الوجع اجتمعت في «فلسطينيات» للشاعر المغربي محمد بلمو، الذي خاض تحالفا نبيلاً بين الشعر والرسم، من خلال لوحات الفنان مصطفى أجماع، الذي شاركه هذا الإصدار الشعري التشكيلي، ليس احتفاء بالألم بل بالأمل، وليس ذكرى وجع بل لحظة صمود.
المجموعة الشعرية الصادرة في 109 صفحات من القطع المتوسط، تضم تسع قصائد معتقة في وجع القلب وأكثر من 80 لوحة تماهت مع كل سطر شعري من سطور تلك القصائد والنصوص التي كتبت في محطات زمنية مختلفة مواكبة لمأساة الشعب الفلسطيني ونضاله.
لم تقف القصائد عند اللغة الوصفية للألم، بل تجاوزته إلى إفراد مساحة لتوثيق شعري لمشاهد العدوان وصمود أبناء فلسطين في غزة، حيث تتوزع عناوين القصائد بين «عارضة أشلاء أحمر شفاهها دمي»، «مئة يوم من القتلى»، «صحون متطايرة»، «بريد الجثث»، «لن توقفوا ناركم»، «الطفل الهجير»، «رائية أهل الكهف والضوء»، «متنطعا أتقدم قوافل الموتى»، وأخيرا قصيدة «فلسطينيات» التي اختارها الشاعر لتكون عنوان المجموعة، مع غلاف أبدعه مصطفى أجماع واختصر فيه الرسالة، رسالة القضية والانتماء، حيث قبة الصخرة والحروف العربية المحيطة بها.
قبل الدخول في المتن، يحضر الناقد والمبدع محمد الديهاجي في هذه المجموعة، عبر تقديم أقل ما يقال عنه إنه أمسك النصوص الشعرية وهي تشتعل ولم يتركها تنطفئ فوق صفحات الكتاب، وغاص عميقا في القصائد والرسوم وخرج بتصنيف نقي حول المجموعة، التي أفسح لها مكانا فسيحا في «شعرية المقاومة» مشددا على «فتنة الرؤيا». وبمبضع الجراح الناقد تمكن من أن يشرح النصوص ويغرق في ألمها وأملها.
كما خصص الديهاجي حيزا وافيا لحوار الشعر والرسم، وعن ذلك قال في تقديمه: «إن المزاوجة بين الشعر والرسم، في هذا العمل، بنوع من التجسير الثيماتي (القضية الفلسطينية)، يتيح – لا شك لدیوان فلسطينيات- تحقيق تأثير متكامل، حيث يتجسد الإبداع في لغة الكلمات في تعالقها البصري مع الرسومات». والمثير في المجموعة الشعرية أن غلافها جاء باللون الأخضر، وهو لون الأرض ولون زيتون فلسطين، كما أن العنوان جاء بلون أحمر مظلل بأصفر واضح، وقد يكون ذلك زواجا آخر للمعنى مع المبنى والشكل، فالألوان ليست صدفة واختيارها ليس عشوائيا، لأن الكتاب كان عبارة عن صورة شاملة لما عاشته فلسطين خلال أيام العدوان على غزة. كل كلمة تحيل إلى لوحة، وكل لوحة تحيل إلى حرف.. إنه الأنين الإبداعي بين دفتي كتاب.
بالنسبة للشاعر والفنان، فهما معا لهما «سوابق» في الأعمال المشتركة، فبلمو سبق أن شارك مجموعة سابقة مع شاعر آخر، كما لديه قصيدة مغناة بلحن وصوت الموسيقار محمد الأشراقي، أما أجماع فقد كانت لوحاته ترافق النصوص الإبداعية لشعراء وقصاصين وروائيين على صفحات ملاحق ثقافية لجرائد مغربية. لذلك، ليس غريبا أن يصل منسوب التفاهم الإبداعي بينهما هذا الحد المرتفع، فهما معا يفتحان صدرهما لكل النبض الثقافي.
لم يكن اختيار بلمو افتتاح مجموعته بقصيدة «عارضة أشلاء أحمر شفاهها دمي» مجرد اختيار زمني، أو لأنها كتبت أولا، أو لأي اعتبارات أخرى، بل لأنها اختصرت مسافة تلك الحرب القذرة التي مارستها إسرائيل على الفلسطينيين، أمام مرأى ومسمع العالم، فالكل كان يشاهد تلك المشاهد التي تحولت إلى «عرض أشلاء» على وزن «عرض أزياء»، لكن الفرق أن «ها هنا محرقة، وهذا دمي في المزاد»، وليس فستانا حديث التصميم أو بذلة رجالية مبتكرة.. إنه وجع تعرفه الإنسانية منذ زمن لكنه تحول إلى فرجة.
ومن دون غرق في مزيد من التفاصيل – لأن العمل يتجاوز الانطباع السريع إلى أفق يتطلب قراءات متعددة – يظل ديوان «فلسطينيات» شهادة استثنائية تندمج فيها الكلمة بالرسم، ليتجاوز مجرد التوثيق إلى تجسيد ملحمة بصرية ولغوية أثبتت أن الابداع يظل سلاحا للنضال وذاكرة حية تجسد الصمود والإنسان.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *