الدين والهوية على ضفتي المتوسط في بواكير العصر الحديث


صدر حديثا عن دار قرطاس في أربيل كتاب «التحول الديني في بواكير الحقبة الحديثة بالبحر الأبيض المتوسط: إغواء الآخر»، من تحرير المؤرخة البريطانية كلير نورتون، وترجمة إسلام سعد وأحمد عبد المنعم، في 315 صفحة.
ينطلق الكتاب من ظاهرة التحول الديني بوصفها مدخلا لفهم شبكة واسعة من العلاقات التي تشكلت في فضاء البحر الأبيض المتوسط خلال بواكير العصر الحديث. وتعيد كلير نورتون والمشاركون في الكتاب النظر في التصورات التقليدية التي تربط الانتقال من دين إلى آخر بقناعة روحية فردية فحسب، إذ تكشف الدراسات عن حضور عوامل اجتماعية وسياسية وجغرافية واقتصادية، إلى جانب قضايا الانتماء والهوية والتفاعل بين الجماعات.
وتشير مقدمة الكتاب إلى أن التحول الديني ارتبط، في حالات عديدة، بممارسات اجتماعية مشروطة بظروفها التاريخية، وأسهم في إعادة تشكيل الهويات وإنتاج صلات جديدة بين الجماعات والثقافات. ومن هذا المنظور، ينظر الكتاب إلى المتحول دينيا بوصفه وسيطا بين الثقافات والإمبراطوريات، وشخصية تتحرك داخل فضاء متوسطي تتقاطع فيه الحدود السياسية والدينية والعائلية والتجارية والدبلوماسية.

ويتوزع الكتاب على ثلاثة أقسام رئيسية. يتناول الأول، «النبلاء عابرو الإمبراطورية»، العلاقة بين التحول الديني والحركة عبر الحدود والارتقاء السياسي وشبكات الرعاية. ومن دراساته بحث توبياس ب. غراف حول كارلو سيجال، الذي يتناول توظيف الروابط العائلية العابرة للإمبراطوريات في مسارات الصعود الاجتماعي والسياسي. كما يبحث دوماغوي مادونيتش في التحولات الدينية خلال حرب كريت، فيما يتناول جورجيو روتا التحول الديني في سياق العلاقات بين النخب الجورجية والدولة الصفوية والإمبراطورية العثمانية.
ويخصص القسم الثاني لدراسة تشكيل الهويات، حيث تظهر عملية التحول بوصفها مسارا متشابكا مع الاندماج الاجتماعي والتهديدات السياسية والبحث عن الأمان وتثبيت الانتماء. ويتوقف الكتاب عند تجارب التحول إلى الإسلام ومنه، وحالات الأسر والافتداء، وتجارب الموريسكيين، وما رافقها من تفاوض مستمر حول الهوية والمكانة الاجتماعية والدينية.
أما القسم الثالث، «ترجمة الذات»، فيركز على الهويات المركبة والقدرة على الجمع بين عناصر دينية وثقافية متعددة. ومن نماذجه دراسة آدم نويزر، الذي تحول إلى الإسلام في القرن السادس عشر، وتجربة أنسلم تورميدا، الذي انتقل إلى تونس وواصل إنتاج نصوص ترتبط بهويتيه المسيحية والإسلامية.

وتبرز أهمية الكتاب أيضا في اعتماده على طيف واسع من المصادر الأولية بلغات متعددة، من بينها العثمانية والفارسية والعربية واللاتينية والألمانية والمجرية والإنجليزية، فضلا عن الرسائل والمراسلات الدبلوماسية والمذكرات الشخصية والوثائق الرسمية والنصوص القانونية وسجلات المحاكم والأدبيات الدينية.
ويقدم «التحول الديني في بواكير الحقبة الحديثة بالبحر الأبيض المتوسط» قراءة متعددة الأصوات في علاقة الدين بالهوية والحركة والحدود، واضعا تجارب الأفراد والجماعات ضمن فضاء متوسطي كثيف التداخل، تتقاطع فيه القناعة الدينية مع الظروف الاجتماعية والسياسية، وشبكات المصالح، ومسارات التهجير والأسر والحرب والتجارة والدبلوماسية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *