الخرطوم ـ «القدس العربي»: في وقت شهدت منطقة أبيي الحدودية المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان موجة عنف جديدة، أسفرت عن مقتل 26 شخصاً وإصابة 82 آخرين، أكد الجيش السيطرة على نطاق واسع من ولاية شمال كردفان، مؤكدا استمرار العمليات حتى إحكام السيطرة على جميع أنحاء الولاية والتقدم في ولايتي جنوب وغرب كردفان، فيما جددت قوات الدعم السريع صباح الجمعة هجماتها على إقليم النيل الأزرق.
صراع بين قبيلتين
وقالت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا) أن العنف اندلع في 15 سبتمبر/ أيلول داخل وحول سوق»أمييت المشتركة، وهو مركز تجاري حيوي في المنطقة، بعد يومين من مقتل رجل من قبيلة دينكا نقوك وآخر من قبيلة المسيرية في حادثتين منفصلتين.
وأوضحت أن مقتل الرجلين أدى إلى تصاعد التوتر بين الطرفين، قبل أن يتطور إلى أعمال عنف واسعة داخل السوق ومحيطه.
وأعلنت «يونيسفا» أنها عززت انتشارها الأمني في السوق والمناطق المحيطة به، ونشرت قوات إضافية بهدف احتواء التوتر ومنع وقوع مزيد من الضحايا أو أعمال انتقامية.
وقال قائد القوة، غانيش كومار شريستا إن البعثة تجري اتصالات مع قادة المجتمعين، الذين جددوا التزامهم بالحوار والتوصل إلى حل سلمي، داعياً القيادات المحلية إلى تغليب الحوار والعمل على تعزيز التعايش بين السكان.
وطالبت البعثة السلطات المعنية بالتعاون معها لإجراء تحقيق سريع في ملابسات أعمال العنف ومحاسبة المسؤولين عنها، فيما قالت إنها تواصل التحقق من التقارير المتعلقة بحجم الأضرار وعدد المتضررين.
ويأتي تشديد الانتشار الأمني في وقت يمثل فيه سوق «أمييت» نقطة التقاء اقتصادي مهمة لمجتمعي «دينكا نقوك» و«المسيرية»، وسبق أن شهدت المنطقة المحيطة به حوادث أمنية مرتبطة بالتوترات بين الطرفين.
وتعود حساسية أبيي إلى وضعها السياسي غير المحسوم بين السودان وجنوب السودان. فقد نص اتفاق السلام الشامل لعام 2005 على ترتيبات خاصة للمنطقة وعلى إجراء استفتاء لتحديد وضعها النهائي، إلا أن الاستفتاء لم يجرَ، وظلت المنطقة نقطة خلاف بين البلدين بعد استقلال جنوب السودان عام 2011.
وفي أعقاب تصاعد العنف، أنشأ مجلس الأمن الدولي «يونيسفا» عام 2011 للمساهمة في حماية المدنيين ومراقبة الوضع الأمني ودعم ترتيبات نزع السلاح والحفاظ على المنطقة منزوعة السلاح.
26 قتيلاً في عنف قبلي في منطقة حدودية مع دولة الجنوب
ولا يقتصر التوتر في أبيي على الخلاف بين الخرطوم وجوبا، إذ ترتبط به نزاعات محلية قديمة بين «دينكا نقوك» و«المسيرية» حول الأرض والمياه ومناطق الرعي ومسارات الهجرة الموسمية. وكانت الأمم المتحدة قد أشارت في أبريل/ نيسان الماضي إلى توقيع قادة من المجتمعين إعلان نوايا مع «يونيسفا» للحد من انتشار الأسلحة في أبيي، مؤكدة أن الحوار يظل المسار الأساسي لمعالجة الخلافات.
وتضم يونيسفا أكثر من 3 آلاف من قوات حفظ السلام، وقد تأسست في أعقاب أزمة 2011. وتتمثل إحدى مهامها الأساسية في حماية المدنيين، إلى جانب المساعدة في الحفاظ على الأمن ودعم الاستقرار ومنع التوغلات المسلحة في المنطقة.
وبالتزامن مع تطورات أبيي، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، استعادة السيطرة على عدة مناطق في ولاية شمال كردفان بعد معارك مع قوات الدعم السريع، مؤكدا استمرار العمليات العسكرية حتى احكام السيطرة على الولاية والولايات المجاورة.
وقال الجيش إن قواته والقوات المساندة لها استولت على مناطق «كجمر»، و«شرشار»، و«البنية الكرينية»، و«القليعات»، و«أولاد حزمة»، و«مقولدات»، و«ريشان»، و«القاعة»، و«غابة اللقد»، و«الكوكيتي»، بالإضافة إلى المنطقة المحيطة بـ «المزروب». وأضاف أن قواته أجرت عمليات تمشيط واسعة غرب مدينة الأبيض، عاصمة الولاية. وقال إن المعارك أوقعت خسائر كبيرة في صفوف قوات الدعم السريع وإن قواته لاحقت القوات المنسحبة في اتجاه تخوم إقليم دارفور غرب البلاد.
وأفادت مصادر عسكرية بأن الجيش والقوات المتحالفة معه وسعا نطاق سيطرتهما في شمال كردفان، بينما شهدت محاور أخرى في الولاية وفي جنوب كردفان مواجهات متكررة مع قوات الدعم السريع. وأشارت مصادر عسكرية إلى تقدم الجيش في مناطق تقع على الطريق الرابط بين الأبيض والدلنج.
وتعود أهمية شمال كردفان إلى موقعها الرابط بين وسط السودان وإقليم دارفور حيث تتمركز قوات «الدعم السريع»، بالإضافة إلى الطرق التي تمر عبرها الإمدادات وحركة القوات. ومن ثم، فإن تغير خطوط السيطرة في الولاية يمكن أن يؤثر في حركة القوات بين وسط البلاد وغربها، خاصة المحاور المؤدية إلى دارفور.
ويقول الجيش إن تقدمه في شمال كردفان يأتي في إطار عمليات أوسع تستهدف استعادة السيطرة على مناطق غربية وتأمين الطرق المؤدية إلى دارفور. وأشار إلى أن قواته لاحقت قوات الدعم السريع المنسحبة في اتجاه تخوم الإقليم، فيما تواصل عمليات التمشيط غرب الأبيض.
يأتي ذلك في وقت لا تزال خريطة السيطرة في إقليم دارفور معقدة ومتحركة، مع احتفاظ قوات الدعم السريع بنفوذ واسع في أجزاء كبيرة من الإقليم، إلى جانب وجود مناطق وقواعد للجيش السوداني والقوى المتحالفة معها.
ويسعى الجيش إلى توسيع نطاق المناطق الخاضعة لسيطرته غرباً، بينما تحاول قوات الدعم السريع الحفاظ على مواقعها في إقليم دارفور والممرات المؤدية إلى مناطق نفوذها عبر ولايات كردفان.
تصاعد المعارك
وفي جنوب شرقي البلاد، لا تزال تتصاعد العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق. وأفادت مصادر عسكرية، بتنفيذ قوات الدعم السريع هجوم صباح الجمعة على منطقة الكيلي، الواقعة قرب الكرمك.
وشهدت المنطقة خلال الأشهر الماضية تغيرات متكررة في السيطرة وهجمات متبادلة بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائها من الحركة الشعبية-شمال جناح عبد العزيز الحلو.
وكان الجيش قد أعلن في مايو/ أيار استعادة السيطرة على الكيلي بعد معارك مع قوات الدعم السريع والحركة الشعبية- شمال. وفي 27 أغسطس/آب، قالت مصادر عسكرية سودانية إن الجيش تصدى لهجوم شنته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية- شمال على الكيلي، مشيرة إلى استخدام عشرات العربات القتالية.
وتأتي هذه التطورات بينما تدخل الحرب السودانية عامها الرابع، مع استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل/ نيسان 2023.