فيلم «خلاص»… مجزرة صوفية في جبال الأناضول


كان للسينما التركية نصيب خاص من مهرجان برلين السينمائي الأخير. فقد نال فيلم «رسائل صفراء» لإلكير تشاتاك الدبَ الذهبي، كما نال فيلم «خلاص» لإمين ألبر، الدبَ الفضي وهو الجائزة الكبرى للجنة التحكيم. وإن تفاوت الفيلمان في الموضوع والأسلوب، فكان الأول مدينياً والثاني ريفياً، الأول يحوم حول هموم طبقة متوسطة علمانية، في حين انغمس الثاني في الغيبيات والثأر، وفي عوالم الصوفية، واكتفى الأول في الفصل من العمل في الجامعة، أما الثاني فابتعد إلى مجزرة ترتكبها قرية ضد أخرى. لكن، يجتمع الفيلمان على نقد للسلطة القائمة، الطاغية، سياسية كانت أم دينية.
لكل لجنة تحكيم طريقتها في اختيار الفائزين، بتصويت سري بينهم وبين بعضهم أم باختيار علني مرافق لنقاشات ختامية، ومساومات، فاتفاق على فيلم متوسط بين أعضائها، لا يرفضه تماماً أحدهم كما لا يصر عليه تماماً آخر. لكن، لا بد دائماً من اعتبارات غير سينمائية يمكن أن تحول بين فيلم وبين جائزة يستحقها. ويكون، ترجيحاً، تركيزُ النقاش، والأولوية، حول اسم الفيلم الفائز بالجائزة الأولى، قبل غيره، يكون هنا الدب الذهبي.
أقول ذلك لأصل إلى أن «خلاص» (Salvation) استطاع نيل الجائزة الثانية، رغم نيل فيلم تركي آخر الجائزة الأولى. لذلك إشارتان، فإما أن لجنة التحكيم لم تعطِ اعتباراً للدول والثقافات واللغات التي تمثلها الأفلام المتنافسة، وهذا مستبعَد، أو أن «خلاص» تمكن من انتزاع جائزته رغم اختيارٍ أعتقد أنه سابق وثابت، كان لفيلم تركي آخر للدب الذهبي. هذا تحليل غير مبني على معلومة بعينها، بل على النمط العام لاختيار الجوائز والاعتبارات اللازمة في كل مهرجان، إن كان في اختيار الأفلام المشاركة لدى المبرمجين أو اختيار الأفلام الفائزة لدى الحكّام، اعترف أحدهم بذلك أم لم يعترف، خرجت لجنة اختيار، أو تحكيم عن النمط العام أم لم تخرج. أخيراً، كان الفيلمان ممتازان، وإن لم يستحق أي منهما جائزته، لا لنقص في أي منهما، بل لجودة ملحوظة في أفلام المسابقة الرسمية للبرليناله هذا العام.


القول إذن، إن «خلاص» لم يستحق جائزته، لا يقل من قَدره، بل يرفع من قَدر أفلام أخرى خرجت خالية الوفاض من دورة هذا العام، وها أنا أعود إليه، إذ لم أكتب عنه من البرليناله في حينه، لسبب أوّل هو الاستفادة من الوقت والجهد المتبقيين، وقد عُرض الفيلم في أيام المهرجان الأخيرة، لأفلام أخرى أُعجبت، وما أزال، بها، وأجدني أصنّفها اليوم، في الأشهر الأخيرة من العام، بين لائحة لأفضل الإنتاجات السينمائية في 2026، أبرزها «ملكة عند البحر»، الرجل الأوحد في المدينة»، «تقليم شجيرة الورد». أعود إلى «خلاص» إذن، لكتابة يستحقها، بمناسبة نزوله إلى الصالات الفرنسية.
للمخرج التركي إمين ألبر مواضيع متقاربة على طول أفلامه، وهذا ما يجعله جيداً في تناولها، أو ملمّاً بطبيعة الشخصيات، في جوانبها الفردية والاجتماعية معاً، بنقل قصص من الريف التركي، بمنعطفات تتطور لتتعقّد، كتطوّر حالة من جريمة محلية إلى قضية سياسية في «أيام حارقة» (2022)، أو إشكال سيتحول إلى معركة بين عائلتين في الجبال، في «خلف التلة» (2012)، وغيرها، في أجواء قرويّة. هو ما سيتطور إلى هذا الفيلم، دائماً في الريف، ودائماً في ما سيتخطى المعركة إلى حرب، والعائلة إلى العشيرة أو القرية كاملة، ودائماً في فوارق اجتماعية تتعلق بنظام سياسي، تحديداً كما في «فرنزي» (2015).
يتناول «خلاص» حالة ثأر قديمة بين قريتين متجاورتين في الأناضول، جبلية وسهلية، إحداهما تنعم بالخيرات والأخرى قاحلة، أهالي الأخيرة يقولون إن أجيالاً سابقة من أهالي الأولى قد استولوا على الأراضي، فيحاولون التمرد لاستعادة ما سُلب. القريتان كرديتان، ومحاطتان بالجيش التركي الباحث دائماً عن «إرهابيين»، هم أكراد في العرف التركي، سيتواطأ بعض الشيوخ مع العسكر، أصحاب المال والأراضي لن يتخلوا عن لامبالاتهم بفقر جيرانهم، وسيحتمون دائماً بأخلاقيات مبتذَلة، الآخرون سيواصلون محاولة التمرد، إلى أن تنفجر التناقضات في مَشاهد أخيرة أخّاذة.
الفيلم يتراوح بين سينما النوع والسينما الفنية، هو بذلك، ولأجوائه ومواقع تصويره وطبيعة علاقات شخصياته وتعاملها مع كل ذلك، أقرب ليكون فيلم ويسترن تركي، وهذا النوع من الأفلام يجمع بين التشويق والفنية. كما يمكن القول إنه قريب من عوالم المسلسلات الفانتازية، فهناك طفل بقدرات تنبؤية، هناك أحلام كابوسية متحققة لدى شيخ القرية، هناك أشباح أو ما يشبهها. الفيلم، بأجوائه الليلية، والجبلية، والقروية، يحمل في داخله هذه الإحالات جاعلاً منها واقعية، بقدر ما القصة ذاتها واقعية، نصدّقها أو نصدّق علاقتها بواقع الشخصيات لأنها تحديداً هناك، لأن الفيلم، بالتصوير والموسيقى الأجوائيّتين، حملا على ذلك، أو لم يتيحا مجالاً لغير ذلك.
استطاع الفيلم أن يكون ممتعاً. هو بالتأكيد مشوّق. اجتماعي بقدر ما هو سياسي، وكلاهما بقدر ما هو صوفي، ولا يمكن القول إنه فيلم فنّي، بمعنى أنه معني بجماليات الصورة والقصة. يصفّ في الوسط ما بين التشويق والجمالية، لم تكن النتيجة استثنائية، لكن ما الذي يريده أحدنا، أحياناً، بمشاهدة الأفلام، سوى وقت ممتع؟ وهذا، على الأقل، ما يضمنه «خلاص».

كاتب فلسطيني/ سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *