باب المندب أو «باب الدموع»، المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومن ثم بحر العرب والمحيطين: الهندي والهادي. روايات وأساطير كثيرة نسجت حوله، وحول أسباب التسمية، غير أن مفردتي: «المندب والدموع» تنتميان إلى الحقل الدلالي ذاته، في اللغة العربية، وهو البكاء والنواح على الراحلين الذين ربما رحلوا غرقاً، أو لكثرة الصراعات التي اندلعت للسيطرة عليه، نظراً لأهميته، بالنسبة لخطوط التجارة البحرية بين الحضارات القديمة، في الهند وشرق آسيا، ومصر وشرق أفريقيا والرومان، وهي الأهمية التي لا يزال يتمتع بها حتى الآن.
ومن أهم الصراعات التي شهدها المضيق والمنطقة – قبل قرون – كان الصراع البحري بين الأسطولين: العثماني والبرتغالي الذي احتدم على الشواطئ الجنوبية والشرقية للجزيرة العربية، والقرن الأفريقي، ومن ضمن ذلك مضيق باب المندب والجزر والمدن المشاطئة.
في القرن السادس عشر سيطر العثمانيون على مصر والشام، وفي القرن ذاته كان البرتغاليون والأسبان قد انطلقوا لتشكيل امبراطوريات استعمارية، بعد سقوط آخر معاقل المسلمين في غرناطة الأندلس ، وهو السقوط الذي على إثره انطلق المستكشفون والغزاة في آن واحد، وكان لكميات الذهب الذي حصلوا عليه من أراضي العالم الجديد – ومن أفريقيا – أثر بالغ في التحول إلى امبراطوريات بحرية كبيرة.
أراد البرتغاليون – تحديداً – التأثير على طرق التجارة العالمية، وخاصة طريق تجارة التوابل في المحيط الهندي، وتحويل تلك الطرق من باب المندب إلى «رأس الرجاء الصالح» الذي يسيطرون عليه، حول السواحل الجنوبية لأفريقيا، وذلك للضغط على التجارة في خليج عدن والبحر الأحمر والأبيض المتوسط عبر باب المندب، صعوداً إلى السويس، قبل شق القناة. ولتثبيت السيطرة على باب المندب والتحكم أكثر بطرق الملاحة في المنطقة كانت السيطرة على مدينتي عدن والمخا هدفاً للبرتغاليين الذين حاولوا السيطرة على عدن، مطلع القرن السادس عشر، دون أن يتمكنوا، بسبب صمود المدافعين عنها، ولقوة تحصيناتها.
أراد البرتغاليون بالأمس من السيطرة على باب المندب ضرب حركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا، للضغط على خصومهم، وهو الهدف الذي يسعى إليه الإيرانيون اليوم من وراء السيطرة على المضيق
بعد المحاولة البرتغالية للسيطرة على عدن تنبه العثمانيون إلى خطورة سيطرة خصومهم على المدينة التي ستمكن هؤلاء الخصوم من إحكام السيطرة على خليج عدن وباب المندب، الأمر الذي سيعطل حركة التجارة العالمية عبر خليج عدن والبحر الأحمر. عندها أرسل العثمانيون حملة عسكرية، لمواجهة البرتغاليين، في السواحل اليمنية، وتمكن الأسطول العثماني من السيطرة على عدن، بعد أن أصبحت مصر تحت السيطرة العثمانية، الأمر الذي لم يرق للبرتغاليين الذين أرسلوا حملة بحرية أخرى، لمواجهة الأسطول العثماني، وحرقه في السويس، ولكن دون جدوى.
بعد فترة سيتمكن البرتغاليون من السيطرة على عدن لفترة قصيرة، قبل أن يطردهم العثمانيون الذين سيطروا على المدينة، مرة أخرى، حيث احتدم الصراع حول باب المندب ومينائي المخا وعدن، بين القوتين الكبيرتين والقوى اليمنية حينها. وقد كان البرتغاليون يهاجمون من الجنوب، لأن أسطولهم يأتي أساساً، عبر رأس الرجاء الصالح، فيما يلاحقهم العثمانيون من الشمال عبر البحر الأحمر، ونظراً لأهمية المدينتين: المخا وعدن، وأهمية الموانئ على شاطئي البحر الأحمر: الأفريقي واليمني في تثبيت السيطرة على باب المندب كان الصراع حول تلك المدن محتدماً، خلال القرن السادس عشر الميلادي.
كان واضحاً أن البرتغاليين لم يكونوا يهدفون من وراء السيطرة على مضيق باب المندب إلى الاستفادة منه إيجاباً، كما ذكرنا، لأن العبور من خلاله يقتضي الإبحار شمالاً، عبر البحر الأحمر، إلى السويس التي يسيطر عليها العثمانيون الذين لن يمكنوا البرتغاليين من نقل بضائعهم إلى أوروبا عبر السويس والبحر المتوسط. من هنا كان هدف البرتغاليين تعطيل حركة الملاحة البحرية، وضرب تجارة العثمانيين، عبر البحرين: الأحمر والأبيض المتوسط، ومن ثم تحويل طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، إلى «رأس الرجاء الصالح»، الذي يسيطر عليه البرتغاليون.
وهنا يمكن تقرير حقيقتين: الأولى أن السيطرة على باب المندب لا تكتمل دون السيطرة على عدن، والثانية أن السيطرة على باب المندب – على الطريقة البرتغالية – لا تهدف لتوظيفه لصالح تنشيط حركة التجارة، بما أن مناطق شمال البحر الأحمر وصولاً إلى السويس ستظل تتحكم في حركة الملاحة شمالاً، وبالتالي فإن هدف القوة الخارجية من السيطرة على المضيق – حسب النظرة البرتغالية – هو التعطيل السلبي لمصالح المستفيدين من المضيق، وليس توظيفه إيجابياً.
لاحقاً ورث البريطانيون البرتغاليين، ودخل الأسطول البريطاني في صراع مع العثمانيين على باب المندب وجزيرة بريم (ميون)، أثناء الحرب العالمية الأولى، وحينها كانت عدن تحت الاحتلال البريطاني، مع اختلاف الهدف من السيطرة هنا، حيث أراد البريطانيون تأمين حركة التجارة مع الهند، ذلك أنهم كانوا حينها يسيطرون على مصر وقناة السويس.
واليوم تتشابه الظروف مع تبدل اللاعبين الدوليين، ومع أن الإيرانيين لم يبلغوا مبلغ الامبراطوريات المذكورة إلا أنهم تمكنوا – عبر وكلائهم الحوثيين – من السيطرة على باب المندب، لا لكي تستفيد منه إيران، ذلك أن نفطها وتجارتها – في الغالب – تتجه شرقاً وليس عبر باب المندب، ومن هنا فإن الهدف الإيراني اليوم يشبه الهدف البرتغالي أمس، من وراء السيطرة على باب المندب، وهو الهدف المتمثل في التعطيل السلبي، لا التوظيف الإيجابي.
وإذا كان العثمانيون والبرتغاليون قد أدركوا أن تثبيت السيطرة على باب المندب يقتضي السيطرة على عدن، وإذا كان البريطانيون قد أدركوا – كذلك – أهمية تلك المدينة بالنسبة للملاحة البحرية فإن الإيرانيين اليوم يدركون أن تثبيت السيطرة على باب المندب لا يكون إلا بالسيطرة على المدينة التي تتحكم بخليج عدن وباب المندب، وذلك ليضمنوا السيطرة على المدخل الجنوبي للمضيق، بعد السيطرة على المدخل الشمالي له، وهذه السيطرة هي «السلاح النووي» الأقوى، حسب تصريحات الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي الذي قال إن سيطرة إيران على باب المندب لن تجعلها في حاجة إلى سلاح نووي، لأنها ستوظف السيطرة – سلباً – لتعطيل حركة الملاحة الدولية، ليكون المضيق ورقة رابحة في يد الإيرانيين، لوقف الحرب، وتحسين موقفهم التفاوضي.
٭ كاتب يمني