مجازر إسرائيل المستمرة «بعد الدوام»!


فجر أمس الأربعاء، انهارت عمارة سكنية في جنوب غربي مدينة غزة فوق عشرات النازحين النائمين. استشهد واحد وعشرون فلسطينيا على الأقل، بينهم 11طفلاً، وجرح 45، وبقي العشرات مفقودين أو تحت ركام الأنقاض. كان المبنى قد تضرر بفعل القصف الإسرائيلي، ومع ذلك اعتبره اللاجئون إليه قابلا للسكن، مثل آلاف المباني التي احتمى بها النازحون أو عاد إليها أصحابها لعدم وجود بيوت أكثر أمنا، بل خيام أو شارع مفتوح على نزوح جديد وموت آخر.
يواصل الصاروخ الإسرائيلي حصد الأرواح بعد سقوطه بسنوات، متابعا تيتيم الأطفال، وثكل الأزواج، واستهداف الأقارب والجيران. ليس كل من يموت في الحرب يسقط لحظة وقوع الغارة، وليس كل من ينجو من القصف يكون قد نجا فعلا، وعليه أن يتوقع استشهاده من حيث لا يمكن توقعه. يكمن الموت في جدار متصدّع، أو يختبئ في سقف تضعضعت أركانه، أو يترصّد جاثما داخل عمارة أصابها القصف وتُركت واقفة بما يكفي كي يعود إليها من لم يجد مأوى آخر لتكون طريقه نحو الموت. جوّف العدوان الإسرائيلي على البشر والحجر البناية المنكوبة التي كان اسمها «عمارة السعادة» ونجح، أخيرا، في ردمها فوق ساكنيها.
لم تكن الحادثة، بهذا المعنى، مجرد انهيار لبناء متصدّع بل صورة للحرب الإسرائيلية الدائمة وهي تواصل مقتلتها ومجازرها وإبادتها «بعد الدوام»، أو «في الوقت المستقطع»، بعد وخلال المجازر المتعددة الأشكال.
تبتكر حكومة الإجرام في إسرائيل بذلك نوعين من الحرب، الحرب التي خبرها ضحاياها الفلسطينيون جيدا: طائرات تقصف، وصواريخ تهوي، وانفجارات تدوّي، وشهداء يُنتشلون في اليوم نفسه؛ وحرب أخرى أقل صخبا تعاود حضورها بعد صمت المقاتلات والمروحيات و»الزنانات»: أبنية متصدّعة، طرق مدمرة، مستشفيات مقصوفة ومنهوبة، ذخائر لم تنفجر بعد، وجبال من الأنقاض التي يعيش الناس داخلها، وفوقها، وبين حديدها وإسمنتها وأتربتها.
تشير تقديرات الدفاع المدني في غزة إلى وجود نحو ألفي مبنى متضرر ما زالت مأهولة، فيما يحتاج أكثر من 227 ألف مبنى إلى تقييم معماريّ. المسألة، إذا، ليست أن سكان عمارة واحدة لم يقدّروا سلامتها، بل أن النسبة الغالبة من الغزيين لم يعودوا يملكون رفاهية الاختيار بين البيت الآمن والمنزل الخطر. يبدو سؤال «لماذا نام هؤلاء في مبنى متصدّع» ساذجا وناقصا، فالسؤال الصحيح هو: أين كان يمكن أن يناموا؟
جرت حادثة الأربعاء بعد يوم واحد فقط من تحذير مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن رفات عائلات بأكملها ما زالت تُستخرج من تحت أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية. منذ تشرين الثاني / نوفمبر الماضي تم انتشال 630 جثمانا فيما تشير تقديرات فلسطينية إلى بقاء آلاف المفقودين تحت نحو 61 مليون طن من الركام. أشار تورك إلى أن اكتشاف الجثامين يعيد إثارة أسئلة جديدة عن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي الإنساني.
اختلطت في «عمارة السعادة» طبقات زمن القتل الإسرائيلي على نحو مرعب. تحت الأنقاض شهداء حرب الأمس، وفوقها يحاول الناجون أن «يخفّفوا الوطء» على «أديم الأرض» المكون من أجساد أقاربهم وجيرانهم إلى أن تنهار الأنقاض لتصنع شهداء جددا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *