القاهرة ـ «القدس العربي»: تتجدد مخاوف آلاف الأسر اللاجئة في مصر من بقاء أطفالها خارج مقاعد الدراسة، في ظل استمرار عوائق إدارية وقانونية أمام الالتحاق بالمدارس، وإغلاق أو تعليق عمل عدد من مدارس الجاليات والمبادرات التعليمية المجتمعية التي كانت تستوعب أعدادًا كبيرة من الطلاب، من دون إعلان بدائل تعليمية عملية وكافية، حسب منصة اللاجئين في مصر.
فخلال العامين الماضيين، شهدت مصر إغلاق عدد كبير من المدارس التابعة للجاليات، كان من أبرزها المدارس اليمنية التي أُغلقت بصورة واسعة منذ أواخر عام 2024، ما أدى إلى خروج أكثر من 6 آلاف طالب وطالبة يمنيين من العملية التعليمية، دون توفير مسار انتقالي واضح يضمن استمرار تعليمهم.
وفي أغسطس/آب 2026، أعلنت وزارة التربية والتعليم اليمنية وقف تسجيل الطلاب في جميع المدارس اليمنية الموجودة في مصر للعام الدراسي 2026/2027، إلى حين استكمال إجراءات الترخيص والموافقات الرسمية، مؤكدة أن اعتماد المدارس أو التصديق على وثائقها سيظل مشروطًا باستيفاء متطلبات الترخيص لدى السلطات المصرية.
كما طالت إجراءات إغلاق المدارس والمراكز التعليمية التابعة للجاليات السودانية، إذ أُغلق خلال عام 2024 عدد من المدارس السودانية والمراكز المجتمعية التي كانت تستوعب أعدادًا كبيرة من الأطفال الفارين من الحرب في السودان، قبل أن تُتاح لاحقًا ترتيبات محدودة لبعض المؤسسات التعليمية السودانية، إذ تم ترخيص مدرسة سودانية واحدة فقط في العام الدراسي المنصرم.
وتشير تقديرات حقوقية وإعلامية إلى أن عدد الطلاب السودانيين المتأثرين بهذه الأزمة بلغ مئات الآلاف، وهو عدد يتجاوز قدرة المدارس الحكومية على الاستيعاب الفوري.
ولا تزال بعض المبادرات والمدارس المجتمعية تعمل خارج إطار الترخيص الكامل، في محاولة لسد الفراغ التعليمي الذي خلّفته عمليات الإغلاق، إلا أن استمرارها في وضع قانوني غير مستقر يجعلها عرضة للإغلاق، ويحرم الأطفال الملتحقين بها من ضمانات الاستمرارية، كما يحرم القائمين عليها والمعلمين فيها من أي حماية قانونية، ويترك مصير طلابها معلّقًا في أي لحظة.
وحذرت منصة اللاجئين في مصر من أن استمرار هذه الأوضاع يهدد بحرمان أعداد كبيرة من الأطفال اللاجئين وطالبي اللجوء من التعليم للعام الثالث على التوالي.
وبينت أن الأزمة لا تمثل مجرد تأخر أو تعثر في إجراءات القبول المدرسي، بل تكشف عن خطر تحوّل متطلبات إدارية، مرتبطة بالإقامة وإثبات الوضع القانوني، إلى حاجز فعلي يمنع الأطفال من ممارسة حق أساسي كفله القانون المصري والالتزامات الدولية لمصر.
وتناولت المنصة الفجوة بين الحق والإجراءات: ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، صدر القانون رقم 164 لسنة 2024 بشأن لجوء الأجانب، ليضع لأول مرة إطارًا تشريعيًّا وطنيًّا متكاملالتنظيم أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر، وتنص المادة (20) منه صراحة على أن (يكون للطفل اللاجئ الحق في التعليم الأساسي). كما تقرر المادة ذاتها حق اللاجئين الحاصلين على شهادات دراسية من الخارج في الاعتراف بها.
بعد إغلاق عدد كبير من المدارس التابعة للجاليات
وقالت إن هذا النص يمثل تطورًا قانونيًّا مهمًّا؛ إذ لم يعد حق الطفل اللاجئ في التعليم الأساسي مجرد التزام مستمد من الاتفاقيات الدولية أو من المبادئ العامة لحقوق الإنسان، بل أصبح حقًّا مقررًا بنص تشريعي مصري صريح.
وحسب المنصة، فإن أسرا كثيرة تواجه صعوبات في استكمال إجراءات استخراج تصاريح الإقامة أو تجديدها، ولا تملك بعض الأسر، عند التقدم إلى المدارس، سوى بطاقات رسمية صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين تثبت تسجيلها بصفتها لاجئة أو طالبة لجوء، أو مواعيد وإيصالات تثبت أنها بانتظار استكمال إجراءات استخراج تصاريح الإقامة، وقد تمتد فترات انتظار هذه المواعيد، في بعض الحالات، لأكثر من عامين، في وقت يُطلب من الطلاب اللاجئين الراغبين في الالتحاق بالمدارس المصرية وأسرهم تقديم إقامة سارية باعتبارها شرطًا لازمًا للقبول، دون أن تُقبل المستندات التي تثبت تسجيل الأسرة لدى المفوضية أو انتظارها استكمال إجراءات الإقامة باعتبارها بديلامنها.
وتابعت: تنشأ نتيجة لذلك فجوة بين وضع الطفل بصفته لاجئًا أو طالب لجوء وبين متطلبات التسجيل التي تفرضها بعض الإدارات التعليمية أو المدارس في الممارسة العملية، ما قد يؤدي إلى تأخير التحاق بعض الأطفال بالتعليم أو تعذُّر تسجيلهم في المواعيد المحددة، لأسباب لا تتعلق بقدرتهم على الدراسة أو بتوفر أماكن في المدارس، وإنما بتعقيدات إدارية مرتبطة بإجراءات الإقامة تقع خارج إرادتهم وإرادة أسرهم.
وشددت على أن استمرار هذا الوضع لا يمثل مجرد تعثر إداري في إجراءات القبول، بل يهدد بتحويل الاشتراطات الإدارية إلى حاجز فعلي أمام حق أساسي كفله القانون والاتفاقيات الدولية، ويضع آلاف الأطفال أمام خطر فقدان عام دراسي جديد، بعد أن حُرم كثير منهم بالفعل من الدراسة خلال العامين الماضيين، دون وجود آلية فعالة تضمن عدم تكرار الأمر.
وتابعت: لا تتوقف أزمة التعليم عند صعوبة الالتحاق بالمدارس الحكومية والخاصة، بل تمتد إلى مدارس الجاليات والمدارس المجتمعية التي اعتمدت عليها أعداد كبيرة من الأسر اللاجئة والنازحة باعتبارها أحد المسارات القليلة المتاحة لاستمرار تعليم أطفالها.
وترى منصة اللاجئين في مصر أن استمرار هذا الوضع مع بدء العام الدراسي 2026/2027 غير مقبول، وأن مسؤولية ضمان وصول الأطفال اللاجئين إلى التعليم لا يمكن أن تُترك بين جهات متعددة، ليتحمل الطفل والأسرة وحدهما نتائج التعقيدات الإدارية. وطالبت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني المصرية بإصدار تعليمات عاجلة وملزمة إلى جميع المديريات والإدارات التعليمية والمدارس، تؤكد حق الأطفال اللاجئين في الالتحاق بالتعليم الأساسي، وتحدد بصورة موحدة المستندات المقبولة لإثبات وضعهم القانوني.
ودعت إلى اعتماد بطاقات ومواعيد وإفادات ومستندات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، وغيرها من المستندات الرسمية التي تثبت وضع الطفل أو أسرته بصفتهم لاجئين أو طالبي لجوء، باعتبارها وسائل مؤقتة لإثبات الوضع القانوني عند الالتحاق بالمدارس، إلى حين استكمال إجراءات الإقامة أو إصدار الوثائق الجديدة، اتساقًا مع المرحلة الانتقالية التي أقرها قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1568 لسنة 2026.