طرابلس – «القدس العربي»: رحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بمصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق النهائي للجنة الحوار المصغر «4+4»، معتبرا إياها خطوة مهمة لدفع العملية السياسية إلى الأمام، في وقت لا تزال شرعية جلسة التصويت محل خلاف بين أعضاء المجلس، بالتزامن مع تحذير المؤسسة الوطنية للنفط من احتمال إعلان حالة «القوة القاهرة» عقب توقف الإنتاج في ثلاثة مواقع نفطية.
وقال الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوغاريك، إن موافقة مجلس النواب على الاتفاق تمثل «خطوة مهمة لدفع الأمور إلى الأمام»، وتسهم في الجهود الهادفة إلى التغلب على الجمود السياسي الراهن في ليبيا.
وأكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا استمرار التزامها بدعم وتيسير عملية سياسية يقودها الليبيون ويملكون زمامها، بهدف إنهاء حالة الانسداد السياسي، وتوحيد المؤسسات الوطنية وتعزيز أدائها، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة وذات مصداقية تلبي تطلعات الليبيين. وجاء موقف غوتيريش بعد يوم من ترحيب البعثة الأممية بتأييد مجلس النواب الاتفاق الموقع في 30 أغسطس/آب الماضي، إذ اعتبرت البعثة أن هذا الدعم يمثل «خطوة مهمة إلى الأمام»، مشيرة إلى أنه ظهر خلال جلسة المجلس المنعقدة في مدينة بنغازي، وكذلك في البيان المشترك الذي صدر سابقا عن 103 نواب.
وقالت البعثة إن التأييد الواسع للاتفاق يعكس أهمية المضي في مسار توافقي يفضي إلى إجراء الانتخابات الوطنية، موضحة أن الحوار المصغر يشكل عنصرا أساسيا ضمن خريطة الطريق السياسية الأوسع التي تيسرها الأمم المتحدة.
وصوت مجلس النواب، خلال جلسته الرسمية التي عقدها الإثنين برئاسة عقيلة صالح، على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة «4+4». وقال عضو المجلس عبد المنعم العرفي إن 40 نائبا حضروا الجلسة وصوتوا بالإجماع لمصلحة الاتفاق.
وأبلغ عقيلة صالح رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، رسميا بموافقة المجلس على الاتفاق. وأوضح، في خطاب وجهه إليها، أن مجلس النواب اطلع على الوثيقة النهائية التي وقعها أعضاء اللجنة وأحالتها البعثة الأممية إلى المجلس، قبل أن يقرر اعتمادها بالإجماع.
وأكد عقيلة خلال الجلسة أن ما تضمنه مقترح لجنة الحوار المصغر بشأن العملية السياسية يتوافق مع رؤية مجلس النواب، مجددا دعوته إلى تشكيل حكومة موحدة تبسط سيطرتها على كامل الأراضي الليبية، وتتولى الإشراف على الانتخابات الرئاسية والتشريعية. لكن المصادقة جاءت وسط خلاف واسع داخل مجلس النواب بشأن اكتمال النصاب القانوني للجلسة. وشكك 64 نائبا قاطعوا الجلسة في قانونية انعقادها، مؤكدين أن النصاب المطلوب يبلغ 87 عضوا، وأن أي قرارات تصدر في غيابه يمكن الطعن فيها أمام القضاء.
وهدد النواب المقاطعون بالتوجه إلى عقد جلسة مكتملة النصاب برئاسة أكبر الأعضاء سنا، واتخاذ الإجراءات اللازمة لاختيار رئاسة جديدة للمجلس، ردا على ما وصفوه بمحاولة الالتفاف على مقاطعتهم. كما تمسكوا بضرورة تعديل اللائحة الداخلية للمجلس قبل التصويت على مخرجات لجنة «4+4».
ويضع هذا الخلاف مصادقة مجلس النواب أمام تساؤلات تتعلق بمدى قدرتها على منح الاتفاق الغطاء السياسي والقانوني الكافي، رغم الترحيب الأممي والبيان الصادر عن 103 أعضاء دعما للمسار.
ولا تبدو العقبات محصورة في مجلس النواب، إذ سبق أن أعلن المجلس الأعلى للدولة أنه لم يكن طرفا في لجنة الحوار المصغر، معتبرا أن الأعضاء الذين شاركوا فيها لم يحصلوا على تفويض رسمي منه.
وفي التاسع من سبتمبر/أيلول الجاري، قرر مجلس الدولة إسقاط عضوية عبد الجليل الشاوش وعلي عبد العزيز، على خلفية مشاركتهما في اجتماعات اللجنة وتوقيعهما على مخرجاتها «دون تفويض أو إذن من المجلس».
وكانت نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية في ليبيا، ستيفاني خوري، قد أعلنت أن أمام مجلسي النواب والدولة مهلة شهر للموافقة على الاتفاق اعتبارا من تاريخ توقيعه، مؤكدة أن البعثة أحالت الوثيقة إلى المجلسين.
وبالتوازي مع التطورات السياسية، تواجه ليبيا أزمة جديدة في قطاع النفط، بعدما حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من احتمال إعلان حالة «القوة القاهرة» في عدد من الحقول، على خلفية إغلاق صمام خط الشحن الرئيسي الرابط بين الحمادة والزاوية.
وقالت المؤسسة إن مجموعة من عناصر حرس المنشآت النفطية أغلقت الصمام بصورة غير قانونية، مما تسبب في ارتفاع مفاجئ للضغط عند حقل الطهارة وتوقف الإنتاج والتشغيل بصورة كاملة في حقل الحمادة «إن سي 8»، وحقل الطهارة «إن سي 4»، والمحطة «إن سي 5».
وحذرت من أنها قد تضطر إلى إعلان حالة القوة القاهرة إذا استمر إغلاق الصمام أو امتدت الإغلاقات إلى مواقع أخرى، مطالبة الجهات المختصة في الدولة بالتدخل الفوري لإنهاء الأزمة وإعادة عمليات التشغيل.
كما رفضت المؤسسة التهديدات بإغلاق حقل شمال الحمادة، التابع لشركة نفوسة، أو استخدام الحقول والآبار النفطية وسيلة للضغط في الاعتصامات والمطالب، مؤكدة أن وقف الإنتاج، خصوصا مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، يلحق أضرارا مباشرة بالاقتصاد الليبي.
ونبهت إلى أن استمرار الإغلاقات يهدد سمعة ليبيا باعتبارها موردا مستقرا للطاقة، ويضعف قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، وفي مقدمتها دفع رواتب الموظفين، بالنظر إلى اعتماد الخزانة العامة بصورة أساسية على الإيرادات النفطية. ولم تكشف المؤسسة حجم الإنتاج المتوقف جراء إغلاق الخط.
وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه السلطات الليبية إلى زيادة إنتاج الغاز الطبيعي إلى ما لا يقل عن أربعة مليارات قدم مكعبة يوميا خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.
وقال وزير النفط والغاز، خليفة رجب عبد الصادق، إن تنفيذ هذه الخطة يحتاج إلى استثمارات تقدر بما بين 17 و18 مليار دولار، مشيرا إلى استعداد ليبيا لإطلاق جولة جديدة من تراخيص التنقيب أواخر العام الجاري أو مطلع العام المقبل، ستكون الأولى من نوعها منذ نحو عقدين.
وبينما تراهن الأمم المتحدة على اتفاق «4+4» لكسر الجمود السياسي وفتح الطريق أمام الانتخابات، يعكس تجدد الانقسامات داخل المؤسستين التشريعيتين وعودة الإغلاقات النفطية صعوبة الفصل بين الأزمة السياسية والضغوط الاقتصادية، في بلد ما زالت موارده الرئيسية عرضة للتجاذبات وموازين القوة المحلية.