فيلم الواقع… هل كان قتل عشرات الآلاف من الأطفال في غزة ولبنان بحاجة إلى توثيق؟


تسفي برئيل

لنفترض أن فيلم “نازا” كان بالفعل “فرية وتشويه متعمد للواقع واتهامات باطلة وخطيرة ضد قادة وجنود الجيش الإسرائيلي”، كما وصفه رئيس الأركان دون أن يشاهده. ولنفترض أن كانت هناك حالات تسامح مفرط في معايير الموافقة على الأضرار الجانبية، فإنها “حالات استثنائية”. في كل الحالات، لم يعد النقاش يدور حول الحقائق، أو حول الحقيقة والكذب، بل حول سلامة وأمن الرواية التي نسجناها لأنفسنا، حول طهارة السلاح، والجيش الأكثر أخلاقية في العالم، وعدالة الحرب والمذابح والدمار، التي بنيت عليها الهوية الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر.

لكن في حين يمعن قادة الأمن والقانون والسياسة النظر في مسألة محاكمة الجنود الذين احتفظوا بمعلومات أمنية وسربوها لصناع الفيلم، وخيار سحب جنسيتهم، يجري بالفعل بناء الأرشيف الذي سيستخدم في الفيلم القادم.

لن يكون هذا فيلماً عن الأضرار الجانبية، بل عن القتل والأضرار والتدمير والحرب المتعمدة والطرد والانتهاك والغزو.

سيكون إنتاجه سهلاً، لا حاجة إلى استجواب جنود جهولين وتشويش صوتهم لكشف الحقيقة، وليس ضرورياً إجراء تحقيق معمق لإظهار النوايا الخبيثة والسياسة المنهجية التي تسعى إلى تنفيذ “خطة الحسم” التي وضعها سموتريتش في 2017.

حسب تقرير “بتسيلم” في حزيران، قتلت إسرائيل 1086 فلسطينياً في الضفة الغربية، بينهم 241 طفلاً وفتى، في الفترة من 7 تشرين الأول 2023 وحتى 28 حزيران 2026؛ أي تقريباً ربع القتلى الفلسطينيين في الضفة الغربية في هذه الفترة كانوا من القاصرين. وهذا يعتبر أكبر عدد من الأطفال والفتيان القتلى في الضفة الغربية منذ الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967. ويشير تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، “أوتشا”، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى أن 130 تجمعاً فلسطينياً نزح بشكل كلي أو جزئي في كانون الثاني 2023 وحتى 31 آب 2026. من بين هذه التجمعات، نزح 48 تجمعاً بشكل كامل، و12 تجمعاً نزح في العام 2026. بالإجمال، نزح أكثر من 6400 فلسطيني، بينهم أكثر من 3100 طفل، في ظل هذه الظروف منذ كانون الثاني 2023. ونزح من بين هؤلاء أكثر من 2500 شخص (بينهم 1200 طفل) في العام 2026 وحده.

لم يستخدم الجيش الإسرائيلي المسيرات أو الصواريخ أو القنابل الثقيلة، بل يملك جيشاً من المقاولين على شكل مليشيات وقوات أمن خاصة ومستوطنين يرتدون الزي العسكري ويحملون سلاح الجيش الإسرائيلي. هذه ليست المنطقة الوحيدة؛ ففي لبنان منذ بداية آذار الماضي وحتى بداية أيلول قتل حوالي 4300 شخص، وتم تدمير أكثر من 10 آلاف مبنى، وما زال حوالي 330 ألف شخص نازحين.

هل يعتبر القتل والتدمير أيضاً ضرراً جانبياً؟ لا سيما عندما نسمع تصريحات رئيس الحكومة ووزير الدفاع عندما يعلنان بأن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من جنوب لبنان.

في الفيلم القادم، لا ضرورة لتوثيق جندي أو مستوطن وهو يطلق النار على فلسطيني يقف داخل أرضه، فأفلام الفيديو المباشرة متوفرة بكثرة، ويمكن لرئيس الأركان مشاهدتها في وقت فراغه، لا يجب عليه انتظار الفيلم القادم لتسريع التحقيق الذي سيكشف مستوى التعاون بين جنود الجيش الإسرائيلي والمستوطنين. إذا كانت الشهادات وأفلام الفيديو والتقارير في وسائل الإعلام حول ما يحدث في الضفة الغربية ولبنان كاذبة، فإن لديه فرصة لدحضها الآن.

لكن هنا يكمن الفرق الحقيقي بين فيلم “نازا” والواقع في الضفة الغربية ولبنان؛ ففي “نازا” مخرجون يمكن إعدامهم، وكتاب سيناريو يمكن محاكمتهم، ومنتجون يمكن مهاجمتهم، أما الفيلم الذي يصور هنا فلا يحتاج إلى ذلك كله. الحكومة والجيش سيوفرون الحبكة والممثلين والمواد الخام، ثم يضيفون التعليق الصوتي الذي سيبرر كل شيء. ربما هذه هي ميزة الفيلم الذي تنتجه بنفسك. يمكنك أن تكون البطل، وفي الوقت نفسه الشخص الذي يقرر أن القصة التي تدور حولك ليست سوى محض افتراء.

هآرتس 16/9/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *