إيتمار آيخنر
في مكتب هاكابي بالقدس صورتان ترويان القصة كاملة. في إحدى الزوايا غيتار باس أسود – يعزف عليه كل يوم أحد في جوقة كنيسته. وفي الزاوية الأخرى على حائط قريب تم تعليق خارطة أحضرها من صف في غزة: خريطة فلسطين وتعلوها صورة كلاشينكوف. إسرائيل بكل مدنها محيت منها، بين هذين الشيئين، غيتار المؤمن وخارطة العدو، يجلس الشخص الذي أصبح في غضون سنة ونصف السفير الأمريكي الأكثر تأييداً لإسرائيل.
عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن إسرائيل لا يتردد هاكابي للحظة، تلمع عيونه بحماسة وهو يدافع عنها، وهو أمر نادر حتى في أوساط المتحدثين الرسميين الإسرائيليين اليوم. يستشهد بحجج لا تطرح في منتديات حزب الليكود أو الصهاينة المتدينين: حول نمو الجالية المسيحية في إسرائيل، من 34 ألف نسمة في العام 1948 إلى حوالي 200 ألف نسمة اليوم، وحول عرب يتولون أقساماً في مستشفى هداسا ويشرفون على طواقم يهودية، وحول حقيقة أن زوجته تعالج على يد طبيب عربي وطبيب يهودي يعملان معاً منذ عشرين سنة. ويقول: “إذا كان هذا فصلاً عنصرياً، فإنهم لا يجيدونه”.
الصحن الأول والرئيسي
السؤال الذي أثار دهشة هاكابي أكثر من مرة هو: ما الذي تستعد الولايات المتحدة لفعله من أجل الدفاع عن إسرائيل في حرب إقليمية أوسع؟ أجاب بجواب عكسي: “أمريكا لم تدافع عن إسرائيل قط”، لم نرسل قوات برية إلى إسرائيل منذ العام 1948. “قد تكون إسرائيل هي الصحن الأول، لكن نحن الصحن الرئيسي. عندما يردد أحدهم شعار “الموت لأمريكا” لمدة خمسين سنة تقريباً، فعليك الاستماع إلى ما يقوله”. لذلك، يختم هاكابي حديثه بالقول: “نحن لا ندعم إسرائيل، بل نحن شركاؤها، وهذا أيضاً لمصلحتنا الخاصة”.
وبحسب هاكابي، عندما تتحرك الولايات المتحدة ضد إيران فهي لا تدافع عن إسرائيل، بل عن مصالحها الخاصة.
مع ذلك، عندما سئل هاكابي إذا كان ترامب “خُدع” للاعتقاد بأن الحرب مع إيران ستؤدي إلى سقوط النظام، كان حازماً في رده: “لا أوافق على فكرة أن أحداً ضغط عليه أو ضلله أو خدعه”. وقال إنه كان بغرفة العمليات في البيت الأبيض عند اتخاذ قرار عملية “زئير الأسد”، وأكد “لا أستطيع الكشف عن كثير مما حدث في تلك الغرفة، لأنه سرّي. ربما سأؤلف كتاباً ذات يوم. يمكنني القول بأن الرئيس لم يتصرف تحت ضغط من إسرائيل”. إسرائيل لم تضغط قط على الرئيس ترامب من أجل التدخل، بل فعل ذلك بمبادرة منه، وهو حريص على عدم تقديم التزامات بشأن مستقبل الحرب مع طهران، إذ يقول: “لا أتوقع أي عمل عسكري آخر. الرئيس سيتخذ القرار في واشنطن”.
ولكن الواضح أن إيران “في أضعف حالاتها منذ خمسين سنة تقريباً، عسكرياً واقتصادياً، وهي تضعف كل يوم”. ويرى أن تعريف الولايات المتحدة للنصر في إيران هو عدم امتلاك سلاح نووي وعدم تخصيب اليورانيوم وفتح مضيق هرمز، وربما أيضاً تقليص قدرة الصواريخ التي تضاعف مداها في السنة الماضية، من 2000 كم إلى 4100 كم. وأضاف: “من طهران، من دون منصة إطلاق بحرية أو أي قاعدة أخرى، يمكنهم ضرب لندن وباريس وبرلين وبروكسل وروما وأثينا، تقريباً كل أوروبا”. لقد تفاجأت من ضعف ردة فعل أوروبا عندما تبين الأمر بعد استهدافهم لقبرص.
ويصف العلاقة بين نتنياهو وترامب بأنها “ما زالت قوية جداً”. وحسب أقواله، يواصل ترامب ونتنياهو التواصل بانتظام ويحافظان على علاقة شخصية متينة بنيت على مر السنين.
يصف هاكابي العلاقة بين واشنطن و”القدس” [تل أبيب] بأنها وثيقة جداً، قائلا: “نحن شركاء ونعمل معاً بتعاون وثيق جداً، أكثر بكثير مما يعرفه معظم الناس”.
وعندما سئل عن الانتخابات القادمة في إسرائيل كان حذراً، خاصة بعد اتهامه في السابق بالتدخل في الشؤون الإسرائيلية عندما أثار مسألة تشكيل حكومة وحدة وطنية. هذه المرة أوضح وقال: “السياسة الأمريكية، أن هذا قرار يخص الناخبين الإسرائيليين، ليس من حق الولايات المتحدة تحديد شكل الحكومة بعد تشرين الأول، كما أنه ليس من حق إسرائيل أن تملي علينا من ننتخب”. وسواء تم تشكيل حكومة تشبه الحكومة الحالية أو ائتلاف مختلف بقيادة مشابهة أو حكومة مختلفة كلياً، فإن “علاقاتنا لا تبنى على الانتخابات القادمة، إنما على مصالحنا المشتركة”. وعندما سئل عن كيفية تأثير انتخابات نصف الولاية في أمريكا على العلاقات بين الدولتين، أجاب: “أعتقد أن معظم الأمريكيين يدركون أن إسرائيل شريكة استراتيجية مهمة، وليست حليفة فقط، بل شريكة حقيقية”. وكدليل على ذلك، أشار إلى التعاون أثناء عملية “زئير الأسد”، حيث قال له الجنرال كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، إنه لم يسبق أن شاهد التاريخ العسكري الأمريكي تعاوناً سلسلاً كهذا.
من يقوضون الاستيطان
كانت اللحظة البارزة في المقابلة تتعلق بزيارة هاكابي إلى تُرْمُسعَيَّا [قرية فلسطينية بين رام الله ونابلس] قبل عشرة أيام، حيث صور بهاتفه المحمول مستوطنين متطرفين يقتحمون منزل عائلة فلسطينية بسيارة عسكرية، في حين كان يقف على شرفة المنزل. وعد هاكابي الحاضرين في حينه بتسليم الفيديو لترامب، لكنه لم يكشف عن رد فعل الرئيس.
يعترف هاكابي أنه تفاجأ من رؤية المستوطنين يقتحمون منزل العائلة الفلسطينية، في حين كان طاقمه الأمني موجوداً وأمام وسائل الإعلام. وقال: “كان الأمر مزعجاً. تفاجأت من سلوكهم الوقح. من حق الناس الدفاع عن ممتلكاتهم، لكن ليس لهم الحق في اقتحام ممتلكات الآخرين، بل وأحيانا تخويف الناس لمجرد وجودهم هناك. لم أنسب كل هذه الأفعال للمستوطنين. في الواقع، أقول إنهم ليسوا مستوطنين، بل مضعضعين للاستقرار”. كثيرون ممن يفعلون ذلك لا يعيشون في “يهودا والسامرة”، بل خارج المنطقة. وقال إن “حوالي 99.9 في المئة من المستوطنين مسؤولون جداً. لقد بنى الناس هناك مجتمعات جميلة ومستشفيات وعيادات ومدارس وكنساً ومحلات تجارية، سواء في “معاليه أدوميم” أو في “أفرات” [مستوطنتان بالضفة الغربية]: وغيرها من المستوطنات. هي أماكن رائعة يعيش فيها الناس ويرغبون في تربية أولادهم”.
وهاجم هاكابي وسائل الإعلام الدولي بسبب “وصفها لكل ما يحدث في “يهودا والسامرة” بأنه عنف استيطاني متطرف. هذا غير دقيق وغير عادل، ويسيء إلى سمعة السكان المحليين. وفيما يتعلق بالمواطنين الأمريكيين المتضررين في “يهودا والسامرة”، أقر بأن هناك قيوداً خطيرة جداً. فالولايات المتحدة غير مخولة بالتحقيق في النشاطات الإجرامية أو الحكم عليها، نحن ضيوف في دولة أجنبية، ما يمكن أن نفعله هو التأثير ولفت الانتباه والمطالبة بالتحقيق – ليس فقط التحقيق، بل التحقيق والنتائج”. وضرب مثالاً على حالة تأخر فيها التحقيق بسبب رفض عائلة فلسطينية تسليم جثة لتشريحها لأسباب دينية. “أحترم ذلك، لكن دون تشريح جنائي، يصبح التحقيق صعباً جداً”، قال.
التحدي أمام حماس
يعارض هاكابي دعوات وزراء الحكومة لتشجيع الهجرة الجماعية من غزة، لكنه يعارض أيضاً من يسعون إلى منع الغزيين الذين يرغبون في المغادرة. “لا أعرف أي شخص في موقع سلطة حقيقي يؤيد الترحيل القسري لأي شخص في غزة. ولكن من غير المعقول أن يكون هناك من يريد إجبار الناس على البقاء في غزة عندما يرغبون في ذلك”، قال. “لماذا قد يرغب أي شخص في حبس الناس واحتجازهم كرهائن في مكان لا يرغبون في العيش فيه؟”. ويستشهد بنتنياهو وترامب: “لقد سمعت هذا منهما مباشرة، وأنا أتحدث إليكم الآن، لا ينبغي إجبار أي شخص على المغادرة، ولا ينبغي إجبار أي شخص على البقاء في مكانه بدلاً من أن يبدأ حياة جديدة في مكان آخر”.
في هذا السياق، يبرز سؤال ماذا سيحدث إذا واجهت إسرائيل تهديداً وجودياً حقيقياً، وهل سيعطي ترامب الأولوية لأمن إسرائيل حتى على حساب مواجهة مباشرة مع إيران أو أي قوة عظمى أخرى؟ أجاب هاكابي بابتسام: “هذا سؤال ملغم. لا يمكنني إلا القول بأن الرئيس سيتحرك إذا كان ذلك يصب بوضوح في مصلحة أمريكا. هذا ما هو ملزم به – ليس “سأحمي إسرائيل على حساب أمريكا”، بل “سأتدخل، لأن ذلك يعزز مصالح أمريكا”. ولتوضيح ذلك، ذكر أنه منذ توليه المنصب، أرسل ترامب قوات للعمل ضد إيران مرتين، مرة بقاذفات “بي 2” ومرة في عملية “زئير الأسد”. “هو لم يفعل ذلك لأن إسرائيل توسلت. إسرائيل لم تتوسل قط. بل فعل ذلك بمبادرة منه، لأنه يرى أن إيران تهديد لأمريكا والأمريكيين، وليس صدفة أن 700 ألف أمريكي يعيشون الآن في إسرائيل”.
يديعوت أحرونوت 16/9/2026