ليس أمراً قليل الأهمية أن سوريا قد انتقلت، بسقوط نظام الأسد، من محور الممانعة والتحالف مع روسيا إلى موقع آخر في المعادلات الإقليمية والدولية.
تربت أجيال من السوريين (والعرب)، منذ الخمسينيات والستينيات، على النظر إلى الغرب الأمريكي والأوروبي باعتباره عدواً سياسياً، سواء بسبب دعمه لإسرائيل التي تحتل أراضي سورية إضافة إلى فلسطين، أو بسبب «مطامعه الإمبريالية» في بلدان العالم الذي تنتمي إليه سوريا، حسب اللغة الإيديولوجية القومية – اليسارية التي سادت طوال عقود، ليس فقط في خطاب النظام ووسائل إعلامه ومناهجه المدرسية، بل كذلك في الخطاب المعارضة، وفي قسم وازن من وسائل الإعلام العربية المشبعة بالعداء لإسرائيل وللغرب الإمبريالي الداعم لها. النزعة الوطنية والقومية، وإلى حد ما اليسارية الاشتراكية، كانت في خلفية أي كلام في السياسة ما لم تكن هي موضوعها. وإذا أردنا تقسيم التاريخ القريب حسب الأيديولوجيات الوازنة، أمكننا القول إن الخمسينيات كانت قومية، والستينيات اشتراكية، والسبعينيات إسلامية، من غير أن يعني هذا التعاقب اختفاء القديم مع ظهور الجديد وتسيده. هذه الأيديولوجيات الثلاث اتفقت على معاداة إسرائيل والغرب مع تفاوتات غير حاسمة. في العقود التالية تراجع وزن التيارين القومي والاشتراكي لمصلحة صعود التيار الإسلامي. وأدى تراجع التيار القومي إلى بروز نزعة وطنية شكلت خلفية إيديولوجية ثابتة للتيار العلماني الذي تشكل في تقابل مع صعود الإسلام السياسي.
كشفت ثورات الربيع العربي عن مدى تراجع ثوابت إيديولوجية كانت راسخة لعقود، في الوجدان العام، لمصلحة رغبة عارمة في التخلص من أنظمة متوحشة
كشفت ثورات الربيع العربي عن مدى تراجع ثوابت إيديولوجية كانت راسخة لعقود، في الوجدان العام، لمصلحة رغبة عارمة في التخلص من أنظمة متوحشة حكمت طوال عقود باسم تلك الثوابت، كالوطنية والقومية والاشتراكية، ومعها العداء لإسرائيل والغرب الإمبريالي. فلا غرابة إذن حين نلاحظ أن إعادة تموضع سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لم تثر أي حساسية سلبية لدى غالبية السوريين، بما في ذلك الانفتاح على الولايات المتحدة وفتح قنوات تفاوض مع إسرائيل التي تواصل إذلال سوريا من خلال التوسع في قضمها مزيداً من الأراضي في الجنوب. أو ظهور قادة إسرائيل العسكريين والمدنيين فوق جبل الشيخ كل حين وحين في استعراض قوة وتحد للسلطة الانتقالية.
شهدنا بالمقابل صعود الهويات الفرعية، منذ سقوط نظام الأسد، بعدما كان مجرد الاعتراف بوجودها من المعايب في اللغة السياسية. ليس الجديد في هذا الإطار هو الاعتراف بوجود تلك الهويات، بل في تحويلها إلى العامل الأول في تحديد الانتماء، على حساب هوية وطنية جامعة، وفي بث لغة كراهية تجاه بعضها بعضاً، أدت في الواقع إلى مجزرتين وعملية دمج قسري ما زالت متعسرة.
بموازاة إعادة التموضع الإقليمية – الدولية، ثمة نقلة على صعيد النموذج الاقتصادي – الاجتماعي للدولة: من نموذج هجين فيه عناصر «اشتراكية» (أو اجتماعية) مع اقتصاد سوق لمصلحة طبقة النظام ومحاسيبه فيما سمي بـ»اقتصاد السوق الاجتماعي»، إلى «نموذج سنغافورة» أي اقتصاد سوق بلا أي عنصر «اجتماعي».. أيضاً لمصلحة طبقة الحكم الجديدة ومحاسيبهم. الاحتجاجات التي شملت، قبل يومين، ثماني محافظات، على رفع أسعار مشتقات النفط بنسب عالية هي نتيجة متوقعة لطرح «الاجتماعي» من اقتصاد السوق المنفلت من أي ضوابط. ليست بلا دلالة أن الناس بدأوا يقارنون بين مستويات الأسعار بين اليوم والعهد البائد، لتكون نتيجة المقارنة لمصلحة الأخير على رغم أنه تمت شيطنته في الرأي العام باعتباره الشر المطلق. من المحتمل أن «الحساسية الاجتماعية» ستشهد صعوداً مطرداً في الفترة المقبلة، بموازاة عدم اكتراث السلطة بأوجاع المحكومين. من غير أن يلغي ذلك تناقضات اجتماعية أخرى تتفاقم باطراد، كصعود الهويات الفرعية المشار إليه أعلاه وافتعال احتكاكات عنيفة بينها، وتفاقم أسلمة المجال العام، واستمرار نهج الاعتقال العشوائي واستخدام التعذيب في الاستجواب، وغياب الشفافية لدى المجموعة الحاكمة، وغيرها.
وبالعودة إلى إعادة التموضع الإقليمية – الدولية، نلاحظ تصاعداً في التنازع التركي – الإسرائيلي على النفوذ في «سوريا الجديدة». لا أحد يتوقع حرباً بينهما، لكن سوريا لن تستقر ما دام هذا التنازع مستمراً ولم ينته إلى صيغة متوافق عليها لتقاسم النفوذ. أما الحساسية العامة لدى السوريين بهذا الخصوص فهي متقبلة للنفوذ التركي، بما في ذلك الوجود العسكري، مقابل رغبة في تجنب شر إسرائيل من أجل التقاط الأنفاس والتفرغ للشؤون المحلية. ولا نلاحظ اعتراضاً قوياً على أي اتفاق أمني أو حتى تطبيعي محتملين مع إسرائيل. لذلك يبدو نوعاً من المزاودة، بدوافع سياسية طائفية، الهجوم على حكمت الهجري وتصريحاته الفضائحية المتعلقة بإسرائيل، وذلك لطمس فضيحة واقعية بحجم مجزرة ارتكبت بدم ساخن بحق أهل السويداء، ولم تتوقف إلا بعدما قصفت إسرائيل مبنى قيادة الأركان في قلب العاصمة دمشق.
٭ كاتب سوري