يختلف المشهد الراهن للسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط جذريا عما سبقه من مشاهد عاصرناها في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.
فبين الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001 والغزو الأمريكي للعراق في 2003، انقضى العقد الأول من الألفية الجديدة في الشرق الأوسط ودول الإقليم تحاول إما الحفاظ على استقرارها أو استعادته وتسعى لدفع خطوط النار بعيدا عنها وتحقيق شيء من التنمية المستدامة. وبينما عانت الدول العربية جميعها داخليا وخارجيا من تداعيات إرهاب 2001 وجريمة غزو العراق، أفادت دول الشرق الأوسط غير العربية من الأوضاع الإقليمية على نحو غير مسبوق.
التفت إسرائيل حول اتفاقات أوسلو وفرغتها من مضمونها وواصلت خنق الضفة الغربية بالممارسات الاستيطانية وغزة بالحصار الظالم ولم تدع للسلطة الوطنية الفلسطينية فرصة حقيقية للبقاء. أما إيران، فقد أهداها الغزو الأمريكي للعراق فرصة ذهبية لمد شبكات نفوذها الإقليمي نحو بلاد الرافدين التي انهارت بها الدولة الوطنية وصارت ساحة لميليشيات مسلحة وظفت الحكومة الإيرانية الكثير منها، مثلما فعلت دوما مع حزب الله في لبنان وتفعل اليوم مع جماعة الحوثي في اليمن، كخط إنهاك أول للأمريكيين والإسرائيليين وكأداة ضغط على العراق ودول الجوار العربي الأخرى. في المقابل، عظمت تركيا، وكانت آنذاك تمر بفترة من النمو الاقتصادي المتسارع، من حضورها الإقليمي مستغلة المأساة العراقية والضغوط الأمريكية المتصاعدة على دول عربية أخرى وأعادت طرح نفسها كقوة إقليمية قادرة على التدخل العسكري والفعل الدبلوماسي في الجوار.
أما عقد الألفية الجديدة الثاني، فقد شهد إقليميا انفجارات متتالية سببتها تارة الحروب الأهلية، وتارة أخرى تفكك الدول الوطنية، وثالثة تغول دول الشرق الأوسط غير العربية على مقدرات العرب إن في فلسطين ولبنان وسوريا أو في العراق واليمن أو في ليبيا والسودان. وكانت محصلة عقد دخلناه كعرب بآمال ديمقراطية عريضة انكشافات جوهرية، في الداخل الذي تراجعت به فرص التنمية المجتمعية المستدامة بمكوناتها الاقتصادية والسياسية والثقافية وتصدعت به مؤسسات الدول الوطنية في عديد الساحات وفي الخارج الذي صالت به وجالت إسرائيل بوحشيتها العسكرية المعهودة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي لبنان وسوريا وإيران بشبكة الميليشيات التابعة لها التي تمددت من العراق ولبنان إلى اليمن وتركيا بتوغلاتها في سوريا مستغلة حربها الأهلية وفي ليبيا وفي مواضع أخرى.
وبين انكشافات أمننا العربي في الداخل والخارج وبين تغول دول الجوار على مقدراتنا ومغامراتها العسكرية إن المباشرة من خلال جيوشها أو غير المباشرة عبر الوكلاء وعجزنا عن ردعها ونحن نمثل أغلبية قاطني الشرق الأوسط، تصاعدت حدة أزمات عابرة للحدود كالإرهاب وتداعيات التغير المناخي والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة وأضيف إليها تراجع معدلات التنمية بعيدا عن منطقة الخليج ومعاناة بعض الدول الوطنية من حضور حركات اللادولة والميليشيات المسلحة ومنازعتها لحق الدولة الأصيل في احتكار الاستخدام المشروع للقوة واستمرار المعاناة من الفقر وبطالة الشباب وتهميش النساء.
على هذا النحو بدأت عشرينيات القرن الحادي والعشرين، والعرب في الشرق الأوسط يواجهون انكشافات أمن دولهم وأمنهم الجماعي وتتعثر مساعيهم للتنمية المستدامة وتتكالب عليهم دول الجوار، إسرائيل وإيران وتركيا. بدأت العشرينيات، وقضية العرب المركزية فلسطين تتراجع فرص حلها سلميا في ظل هيمنة اليمين الإسرائيلي على السياسة والحكم في الدولة العبرية من جهة، ومن جهة أخرى انصراف كل القوى الكبرى عن دعم الحق المشروع للشعب الفلسطيني في تقرير المصير. بل أن ثقوبا مؤثرة طالت المركزية الدبلوماسية لفلسطين عربيا والتفضيل الجماعي للحل السلمي وفقا لمبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي صاغته مبادرة السلام العربية (بيروت 2002) إن بفعل تطبيع بعض الدول العربية مع إسرائيل في سياق الاتفاقات الإبراهيمية أو بفعل الانشغال عن دعم فلسطين في بيئة إقليمية ودولية صعبة.
يختلف المشهد الراهن للسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط جذريا عما سبقه من مشاهد عاصرناها في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001
اتسمت البيئة الإقليمية باستمرار الحروب الأهلية الآكلة للأخضر واليابس في سوريا واليمن وليبيا، وتعثر السلم الأهلي في لبنان والعراق، واتساع ساحات فعل حركات اللادولة والميليشيات المسلحة إن المتحالفة مع إيران أو المنضوية في شبكات إرهابية واصلت تهديد أمن العرب والجوار. وورطت الحروب الأهلية في سوريا واليمن وليبيا، متبوعة بالحرب الأهلية في السودان، أطرافا خارجية، إقليمية ودولية، في أتونها واستنزفت موارد بشرية ومادية كان يمكن أن توجه لجهود التنمية المستدامة. أما البيئة الدولية، فكانت تشهد في مطلع عشرينيات القرن الحالي تحديات غير مسبوقة للهيمنة الأمريكية التي تبلورت عالميا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في تسعينيات القرن الماضي، وصعودا بينا للقوة الصينية ولقدرتها على منافسة العملاق الأمريكي اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا، وعودة للدور الروسي المؤثر في أوروبا وخارجها بخليط من الأدوات العسكرية المباشرة (التورط العسكري الروسي في سوريا مثالا) وغير المباشرة (دور ميليشيا فاغنر في القارة الإفريقية) وبتحالف مع الصين وباقتراب من الدول المؤثرة في الجنوب العالمي أسفر عن أشكال عديدة من التعاون في مجالات الطاقة والتسليح والتصنيع. وتابعت أوروبا المرهقة بسبب صعود اليمين المتطرف وتراجع معدلات النمو الاقتصادي وتوتر العلاقة مع الولايات المتحدة سنوات إدارة دونالد ترامب الأولى التنافس الثنائي بين الولايات المتحدة والصين والمزاحمة الروسية بقبول صامت لتراجع نفوذها العالمي وبعين على مصالحها التجارية والاستثمارية وبخوف من التداعيات المحتملة للعودة الروسية وبسعي لإبعاد شبح الصراع عن أراضي القارة العجوز.
وكان الاستقرار العالمي النسبي في 2020 و2021، على الرغم من جائحة كورونا، وكذلك الانخفاض الموثق لعدد الحروب والمواجهات العسكرية المفتوحة في هذين العامين مقارنة بما سبقهما، أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة التي حملتها المدافع والدبابات والطائرات الروسية التي غزت الأراضي الأوكرانية. انفجرت الأوضاع الأوروبية على وقع الغزو الروسي لأوكرانيا الذي تحول إلى حرب بين البلدين بخطوط دعم عسكري واقتصادي ومالي ودبلوماسي متفاوتة للطرفين، وتعرضت سلاسل الإمداد العالمية فيما خص الغذاء والطاقة لأزمات جديدة ظهرت آثارها السلبية في أوروبا أولا ثم قارات الجنوب العالمي ثانيا ولم ينج منها الشرق الأوسط. وبات النظام العالمي في مواجهة حرب استنزاف بين عملاق عسكري ذي قدرات نووية وبين دولة أصغر وذات قدرات عسكرية أقل تقف من ورائها القوة العسكرية الأمريكية والأوروبية، ولاح في الأفق سباق تسلح مفزع ورطت به التكنولوجيا الحديثة لتغير شكل وجوهر حروب القرن الحادي والعشرين، وأشهر سلاح العقوبات الغربية في وجه روسيا، وضغطت أطراف المواجهة على الدول المؤثرة اقتصاديا وماليا في الشمال والجنوب العالميين للانضواء إما في المعسكر الروسي أو الأوكراني المدعوم غربيا.
وكأن الشرق الأوسط بكل حروبه الأهلية وانهيارات دوله الوطنية وأزمات الإرهاب والفقر والتهميش والهجرة غير الشرعية التي استوطنت بقاعه لم يرد أن يبقى بعيدا عن حروب الاستنزاف وسباقات التسلح التي اشتعلت أوروبيا، فقرر اللحاق بالركب المدمر بهجمات حركة حماس الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023 وحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة التي تمددت جغرافيا لتشمل الضفة الغربية المحتلة من خلال اتساع نطاق واشتداد عنف الإجرام الاستيطاني، ولبنان على وقع الصراع الإسرائيلي مع حزب الله، وسوريا التي تجددت بها المواجهة بين نظام بشار الأسد السابق وجماعات راديكالية وأصولية مدعومة إقليميا ودوليا وفي سياق ضربات عسكرية إسرائيلية متتالية، والعراق واليمن وبهما وظفت إيران الميليشيات المتحالفة معها لإسناد حركة حماس عسكريا، وإيران التي واجهت ضربات جوية وصاروخية إسرائيلية متكررة برد عسكري محدود وبتصعيد أكبر عبر الوكلاء.
٭ كاتب مصري