الأمم المتحدة- «القدس العربي»: عقد نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، مؤتمراً صحافيا عن بعد الاثنين، عقب عودته من مهمة ميدانية في السودان، أكد فيه أن زيارته للفاشر كانت من أصعب التجارب التي عاشها. ووصف سكاو ما شاهده في الفاشر بأنه تجربة «مروعة»، مشيراً إلى أن برنامج الأغذية العالمي يصل حالياً إلى نحو 20 ألف شخص داخل المدينة بالمساعدات الغذائية المنقذة للحياة، لكنه قال إن الغذاء هو عملياً المساعدة الوحيدة التي تصل إلى السكان الذين ما زالوا هناك.
وسألت «القدس العربي» مسؤول برنامج الأغذية العالمي عن طبيعة المساعدات الغذائية التي يحصل عليها الأطفال في السودان، وما إذا كانت توفر نظاماً غذائياً متكاملاً ومتنوعاً، قبل أن تطرح سؤالاً ثانياً حول ما إذا كان البرنامج يدرس تأثير نقص التغذية على القدرات المعرفية للأطفال وأدائهم الأكاديمي.
وجاء السؤالان في ختام المؤتمر، بعد أن قدم سكاو صورة عن الظروف الإنسانية التي واجهها خلال زيارته لعدد من المناطق المتضررة من الحرب والنزوح.
وأوضح سكاو أن المساعدات الغذائية والنقدية الأساسية التي يقدمها البرنامج تعتمد على مواد غذائية أساسية مثل الفاصوليا والأرز والذرة الرفيعة وغيرها من السلع الأساسية.
وأضاف أن الاستجابة التغذوية تشمل أيضاً برامج متخصصة ينفذها البرنامج بالتعاون مع اليونيسف، موضحاً أن الأطفال الذين يعانون من سوء تغذية متوسط يحصلون على الدعم والمتابعة، فيما تتم إحالة الأطفال الذين يحتاجون إلى علاج إلى برامج اليونيسف.
وقال سكاو إنه زار عدداً من العيادات الصحية في مخيمات النازحين، مشيراً إلى أن نحو 90 في المئة من الأطفال الذين يصلون إلى بعض هذه العيادات يعانون من سوء التغذية، مضيفاً أن سوء التغذية يظهر أيضاً بين الأمهات المرضعات.
وأوضح أن الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم إضافي يحصلون على مكملات غذائية، ثم تتم متابعتهم وتقييم حالتهم، بحيث يمكن وقف التدخل إذا تحسنت حالتهم أو مواصلته إذا بقيت حالتهم الصحية حرجة.
وقال سكاو إنه لا يعلم بوجود دراسة محددة يجريها البرنامج في السودان حول هذا الموضوع، لكنه أشار إلى وجود دراسات عديدة على المستوى العالمي حول آثار سوء التغذية لدى الأطفال.
وأكد أن سوء التغذية يمكن أن يؤثر على صحة الأطفال وقدراتهم طوال حياتهم، ولذلك شدد على أهمية الوقاية منه، واكتشافه مبكراً، وعلاجه.
وربط سكاو بين أزمة التغذية وأزمة التعليم التي يواجهها الأطفال في السودان، مشيراً إلى أنهم كانوا خارج المدارس أولاً بسبب جائحة كوفيد-19، ثم بسبب أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.
وأوضح أن برنامج الأغذية العالمي يدعم جهود إعادة الأطفال إلى المدارس من خلال برامج الوجبات المدرسية، مشيراً إلى أن هذه البرامج تساعد في توفير الغذاء للأطفال ودعم عودتهم إلى التعليم.
وقال إن البرنامج يرغب في توسيع هذه المبادرات إذا توفرت الموارد اللازمة.
وقال سكاو إنه انتقل من الفاشر إلى مخيم زمزم، الذي كان يضم أعداداً كبيرة من النازحين قبل بدء الحصار، وقال إن المكان أصبح الآن «مدينة أشباح»، بعد تدمير المنازل والمساكن ومغادرة السكان.
وتابع سكاو رحلته باتجاه طويلة، مشيراً إلى أن نحو 700 ألف شخص كانوا قد سلكوا الطريق من الفاشر بحثاً عن الأمان خلال أقل من عام.
وقال إن طويلة تستضيف الآن قرابة 950 ألف شخص، مقارنة بنحو 700 ألف خلال زيارته السابقة في نيسان / أبريل ، بعد وصول نحو 250 ألف نازح إضافي.
ورغم تحسن بعض ظروف المأوى مقارنة بزيارته السابقة، قال إن المنطقة لا تزال تفتقر إلى عدد من الاحتياجات الأساسية، من بينها الرعاية الصحية والتعليم والمساحات المناسبة للأطفال.
وأوضح أن برنامج الأغذية العالمي يقدم المساعدة لنحو 950 ألف شخص شهرياً في طويلة، لكنهم يحصلون على نصف الحصة الغذائية فقط، أي ما يكفي لنحو أسبوعين.
وقال إن كثيراً من الأسر تعيلها نساء فقدن أزواجهن أو أبناءهن، وإن النساء اللواتي تحدث إليهن يواجهن صعوبة في جعل الحصص المحدودة تكفي.
إلى جانب الحرب والنزوح، قال سكاو إن الجفاف أصبح مصدر قلق إضافياً في دارفور، مشيراً إلى أن المنطقة لم تشهد جفافاً بهذا المستوى منذ عام 1984، رغم أن الزيارة تزامنت مع موسم الأمطار.
وقال إن السكان الذين التقاهم كانوا يتحدثون باستمرار عن تأثير الجفاف على الزراعة، في وقت يعتمد فيه كثير منهم على المساعدات الغذائية.
وأضاف أن الخطر يتمثل في تزامن تراجع الإنتاج الزراعي مع انخفاض تمويل المساعدات الغذائية، وهو ما قد يفاقم أزمة الغذاء خلال الأشهر المقبلة.
وقال سكاو إن برنامج الأغذية العالمي ممول حالياً بنحو ثلث مستوى التمويل مقارنة بالعام الماضي، رغم وجود تعهدات إضافية خلال مؤتمر برلين في بداية العام.
وأوضح أن نقص التمويل يفرض على البرنامج خيارات صعبة، بما في ذلك إعطاء الأولوية للنازحين الجدد على حساب أشخاص نزحوا قبل سنوات وما زالوا غير قادرين على العودة إلى مناطقهم أو العثور على مصادر دخل.
وأشار إلى أن البرنامج يعمل في المناطق الأكثر استقراراً على دعم قدرة السكان على الاعتماد على أنفسهم، من خلال برامج الوجبات المدرسية ودعم سبل العيش والإنتاج الزراعي.
وأوضح أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تحسن توافر الغذاء وتخفض الأسعار، ما يزيد من أثر المساعدات النقدية.
لكن الجفاف ونقص الأسمدة قد يؤديان، بحسب سكاو، إلى انخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار، الأمر الذي سيزيد الضغط على الأسر التي تنفق معظم مواردها على الغذاء.
وفي ختام حديثه، شدد سكاو على أن إنهاء الحرب هو الحاجة الأساسية، داعياً إلى مزيد من الاستثمار السياسي لإنهاء الصراع، بالتوازي مع توفير المساعدات الإنسانية للسكان.
كما دعا المانحين إلى توفير التمويل اللازم، مؤكداً أن وكالات الأمم المتحدة لديها القدرة والحضور على الأرض، لكنها تحتاج إلى الموارد حتى تتمكن من توسيع الاستجابة والوصول إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة