نخبة من العلماء والخبراء السودانيين أسسوا مبادرة «السودان أولا»، وتوافقوا على بذل عصارة أفكارهم وخبراتهم في مشروع وطني لبناء الدولة السودانية وفق أسس علمية. ومن قيادات هذه المجموعة، المهندس صلاح الدين عوض السيد التوم الذي مدنا مشكورا بملخص لمناقشات المبادرة لدعوات الحوار التي انطلقت مؤخرا في البلاد.
يقول المهندس صلاح، إن موقف مبادرة «السودان أولاً، من الدعوة للحوار ينطلق من أن التجربة السودانية لا تعاني من غياب الحوار بين القوى السياسية، وإنما من أزمة مزمنة في طريقة إنتاج السلطة نفسها. ولهذا تتساءل المبادرة، بشيء من التوجس، عن نتيجة هذا الحوار، وهل سينتهي إلى اتفاق بين الكيانات السياسية والعسكرية على تقاسم مؤسسات الحكم، فتتغير أسماء المشاركين فقط بينما تبقى الطريقة التي أنتجت الأزمات السابقة قائمة؟! فالحوار يمكن أن يصبح خطوة مهمة نحو الحل فقط إذا تحول إلى منصة لاختيار أفضل مشروع وطني قابل للتنفيذ، وفحص الخطط ومقارنتها وتطويرها. أما إذا انحصر في مفاوضات حول كراسي السلطة ومواقع النفوذ، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج للمشكلة نفسها: سلطة تُصنع في القمة، ثم يُطلب من المجتمع قبولها. ويحذر المهندس صلاح من أن يقع السودانيون في الفخ فيحصروا اهتمامهم في من دُعي للحوار ومن استُبعد؟ وكيف يُمثل هذا الحزب وتلك الحركة؟ بينما السؤال الأهم هو: ماذا سيخرج لنا هذا الحوار؟ وعلى المواطن أن يطالب الحوار الوطني بخطة لا بمجرد اتفاق؛ وبمعايير لبناء المؤسسات لا بحصص؛ وببرنامج زمني واضح، لا بشعارات عامة؛ وبآلية يستطيع من خلالها مراقبة السلطة بعد تشكيلها، لا أن يمنح السياسيين تفويضاً مفتوحاً ثم ينتظر النتائج. نعم اليوم يحتاج السودان إلى أن يتحاور أبناؤه بحثا عن تسويات تنهي الحرب، لكنه يحتاج أكثر من أي وقت مضى، إلى ألا نعيد الأسباب نفسها التي أنتجت الحرب.
وبحسب المهندس صلاح، تقترح مبادرة «السودان أولا» قلب المعادلة بالكامل، بحيث لا نبدأ بسؤال المحاصصات، وإنما بسؤال كيف نبني سلطة يثق بها المجتمع السوداني، وقادرة على تنفيذ مشروع متكامل لبناء الدولة؟ وفي هذا الصدد تتبنى المبادرة تصورا للسلطة بحيث لا تنزل من اجتماع سياسي في القمة إلى المواطنين، وإنما تصعد من المواطنين إلى مؤسسات الدولة من أصغر وحدة اجتماعية منظمة وليس من طاولة حوار القوى السياسية. وتبدأ العملية بالركيزة، وهي تجمع الأسر المتجاورة ويبلغ مجموع أفرادها نحو مائة شخص. ومن داخل هذا المجتمع الصغير يُصعَّد مفوض الركيزة وفق شروط تقوم على استيفاء الموثوقية والكفاءة وأعلى الصفات التفضيلية. وتتجمع عشر ركائز لتكوين الألفية، ثم تتجمع عشر ألفيات متجاورة لتكوين العشرية التي تضم نحو عشرة آلاف مواطن. ومن هذه البنية يبدأ التصعيد إلى المستويات الأعلى: المحلية، فالولاية، ثم المستوى القومي، وصولاً إلى مجلس أمناء الدولة، ومن بعده المؤسسات الانتقالية التي تشمل برلمان الأزمة وحكومة الأزمة. والأهم أن دور المواطن لا ينتهي بمجرد تصعيد ممثليه؛ فهياكل السلطة المجتمعية تظل حاضرة في إدارة الشأن المحلي ومتابعة الخدمات والخطط والأداء العام ومراقبة القيادات، بما يجعل الرقابة الشعبية جزءاً من بنية الدولة نفسها، لا نشاطاً موسمياً يظهر عند الأزمات.
كيف نبني سلطة يثق بها المجتمع السوداني، وقادرة على تنفيذ مشروع متكامل لبناء الدولة؟
وتقترح المبادرة خطة من سبعة مسارات لإنهاء الحرب في السودان، وأساسها استنهاض المجتمعات السودانية عبر نفير وطني يجعل المواطن شريكاً في الحل، بدلاً من أن يبقى مجرد متلقٍ لنتائج التفاوض بين الآخرين. ومن هنا توزع المسؤوليات بدلاً من تركها معلقة على طرف واحد؛ فتحدد ما ينبغي القيام به لبناء الشرعية الوطنية، وتثبيت الهدنة والاستقرار العسكري والأمني، وإدارة الاستجابة الإنسانية، وتنظيم الرعاية الدولية، وتعبئة المجتمع السوداني، وتفعيل دور الجاليات السودانية في الخارج، ثم تحدد مسؤوليات السلطات القائمة وآلية الانتقال المنظم للسلطة. وبذلك لا تبقى مهمة إنهاء الحرب محصورة بين المتحاربين والوسطاء، بل تتحول إلى مشروع وطني موزع المهام يعرف فيه كل طرف ما هو مطلوب منه، بما في ذلك المواطن نفسه.
ويقول المهندس صلاح، إن «مبادرة السودان أولاً» تفرق بين حق الحزب في العمل السياسي والتنافس على البرامج، وبين تحويل الفترة الانتقالية إلى مساحة لمحاصصة مؤسسات الدولة بين الأحزاب والقوى المسلحة. فالأحزاب يجب ألا تسأل كم مقعداً سنحصل عليه؟ بل أن تقدم إجابات عن أسئلة المواطن: كيف ستُصلح الكهرباء والخدمات وتُبنى المدارس والمستشفيات؟ كيف سيُصلح الاقتصاد وتُعاد هيكلة مؤسسات الدولة؟ وكيف سيُمنع السودان من العودة إلى الحرب مرة أخرى؟ أي أن السياسة يجب أن تنتقل من المنافسة على السلطة إلى المنافسة على الحلول والبرامج.
وفي الختام، تؤكد مبادرة «السودان أولا» أن المسألة ليست تأييد الحوار أو رفضه، وإنما هل يستطيع السودانيون استثماره ليصبح منصة وطنية لفحص المشروعات، واختيار أفضل الآليات لإنهاء الحرب، والاتفاق على كيفية إنتاج الشرعية، واعتماد برنامج طويل المدى لبناء الدولة، أي أن يتحول من مجرد حدث سياسي إلى نقطة تحول في تاريخ السودان؟ ومن هنا تقدم المبادرة خطة المسارات السبعة لإنهاء الحرب وخارطة طريق السودان أولاً لبناء الدولة، لا باعتبارهما نصين مغلقين أو مشروعاً مفروضاً على السودانيين، وإنما مقترحاً وطنياً مفتوحاً للفحص والنقد والتطوير. أما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى المواطن قبل السياسي هي: لا تمنح تأييدك لاسم، ولا لحزب، ولا لتحالف، ولا لطاولة حوار لمجرد انعقادها. أسأل عن المشروع/البرنامج الذي سيحكم مستقبلك، وافحص طريقة تكوين السلطة وآليات مراقبتها، ثم أيّد ما تراه قادراً على إنهاء الحرب وبناء الدولة. فالسودان لا يحتاج بعد هذه الحرب إلى اتفاق جديد على من يحكم فقط؛ بل يحتاج قبل ذلك إلى اتفاق وطني على كيف تُبنى الدولة، وكيف تُدار، وكيف يظل المواطن حاضراً في سلطتها ورقيباً عليها.
٭ كاتب سوداني