“كفى للعنصرية”… 600 شخصية إسرائيلية ترفض استبعاد قسم من العرب كشركاء في الحكم


الناصرة- “القدس العربي”: دعت مئات من الشخصيات الإسرائيلية في عريضة مشتركة لنبذ العنصرية، رافضة محاولة منع واستبعاد قسم من المواطنين العرب في إسرائيل من المشاركة في ائتلاف حاكم محتمل بسبب اعتبارات تتعلق بالهوية الدينية والعرقية أو الجنسية، معتبرة أن كل من يقبل بمبادئ “وثيقة الاستقلال” ويشارك في أعباء الخدمة العسكرية أو المدنية، شريك شرعي في الحكم.

ويدفع النص الذي يقترح قبولا مشروطا بالعرب كشركاء في الحكم، تساؤلات وتحفظات بعض المثقفين الفلسطينيين داخل أراضي 48 من العريضة ولغتها، خاصة أنها تميز بين المواطنين العرب أنفسهم وتشترط قبولها لهم كشركاء في الحكم بالخدمة العسكرية أو بديلتها الخدمة المدنية.

وجاءت هذه العريضة على خلفية حملات إسرائيلية من المعسكرين المتنافسين في الائتلاف والمعارضة، ضد تشكيل حكومة تعتمد على القائمة العربية الموحدة الراغبة بالمشاركة في صناعة القرارات في إسرائيل، وعدم الاكتفاء بالذهاب لبرلمانها (الكنيست). وجاء في العريضة بعنوان “كفى للعنصرية :نحن الموقعون من كل قطاعات المجتمع: الأمن، الأكاديميا، القضاء، الاقتصاد والثقافة، في الماضي والحاضر، نرفض محاولة إلغاء ومنع قسم من المواطنين العرب في إسرائيل من المشاركة في الائتلاف الحاكم على أساس  ديني أو قومي. إن كل من يعترف بمبادئ وثيقة الاستقلال، ومستعد للمشاركة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية أو المدنية هو شريك شرعي في السلطة”.

وأضافت: “نحن نتحفظ بشكل بالغ من الخطاب السياسي الذي يعتبر عملية إقصاء مندوبي المجتمع العربي من الائتلاف الحاكم كأمر مفهوم ضمنا. هذا تعميم عنصري ينافي القيم الديموقراطية ووثيقة الاستقلال التي تقر بالمساواة دون فرق ديني أو عرقي أو جنسي. الشيء الأخطر هو أن هناك أحزابا لليهود الحريدم غير مستعدين للمشاركة في عبء الخدمة العسكرية وبينهم فئات  تعارض وجود إسرائيل كدولة أصلا”.

وتابعت: “مواطنو إسرائيل العرب هم جزء مهم من المجتمع الإسرائيلي ويساهمون فيه كثيرا. في السابع من أكتوبر، خرج مواطنون عرب وأنقذوا إسرائيليين من هجمة حماس، وهناك أطباء وممرضون عرب عالجوا جرحى الهجمة وأنقذوا حياتهم”.

وخلصت العريضة للتنبيه: “لا لتفسير هذا الموقف على أنه يدعم حزبا ما، بل هو موقف قيمي يهدف إلى تعزيز الديموقراطية الإسرائيلية ومناعتها في واحدة من ساعاتها الصعبة”.

عدد قليل من الموقعين

يشار إلى أن هذه العريضة مفتوحة وقد انطلقت في 24 أغسطس/آب الماضي في موقع عبري يدعى “عرائض”. ويتضح أن القائمين عليها قد جمعوا حتى الآن 604 توقيعات فقط، علما أن الهدف هو جمع 100 ألف توقيع كما جاء في صدارة منشور العريضة في الموقع المذكور. ومن بين الموقعين عدد كبير من خريجي المؤسسة السياسية والأمنية وأساتذة جامعات وفنانون أمثال إيهود باراك وإيهود أولمرت وأوري برباش وأورنا عقاد وأميرة أورن وغاي تسور وغيورا عنبار ودافيد ميدان وداني ياتو وطاليا ساسون وعوزي أراد وعاموس يارون وآخرون.

علاوة على الفجوة بين المنشود وبين الموجود من ناحية عدد الموقعين، هناك من يتحفظ من جودة الموقف السياسي، ومنهم الناشط الأهلي السياسي ابن النقب عامر الهزيل الذي عقّب على صفحته في منشور بعنوان: “وثيقة الـ500 ورسالتها: ما تغيّر ليس فقط موقف حزب عربي بل تغيّر معيار العربي الشرعي سياسيا في إسرائيل”.

وفي تعقيبه عليها يقول الهزيل: “هنا نكتشف أن قوة الوثيقة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في الشروط التي تضعها لقبول المواطن العربي كشريك شرعي في الحكم: وثيقة الاستقلال والخدمة العسكرية أو المدنية، وإثبات المساهمة في خدمة الدولة”.

ويتنبه الهزيل للمفقود فيها بقوله إنها “لا تقول ببساطة إن العربي مواطن، ولذلك له الحق المتساوي في المشاركة السياسية. بل تنشئ اختبار ولاء لتصبح مواطنا سياسيا كامل الشرعية عندما تثبت أنك تستوفي شروط العربي المقبول”. وعن ذلك يضيف: “هنا تثبت الوثيقة أن اليمين الصهيوني الديني الحاكم، واليمين الليبرالي واليسار المعارض يشتركان في جعل شرعية المشاركة العربية في الحكم مشروطة بقبول البنية القانونية العنصرية للدولة اليهودية الديمقراطية وأخطرها قانون القومية والمواطنة اللذان يبقيان العرب بدون دولة، وقانون الأرض، وغياب دستور وقانون مساواة يحمي حقوق العرب واستمرار وجودهم في واقع تحول إسرائيل الثالثة لدولة يهودا الإبادية خطوة خطوة”.

خلاصة القول

ويتساءل الهزيل في تعقيبه: “لماذا جزء وليس كل العرب؟ لماذا ترفض العريضة محاولة استبعاد جزء من المواطنين العرب في إسرائيل من المشاركة في الائتلاف الحكومي.”.على هذا السؤال يجيب الهزيل بنفسه: “هنا يحدد أصحاب الوثيقة من هو العربي المقبول سياسيا والعربي غير المقبول. هكذا تصبح الوثيقة ليست مجرد دفاع عن المساواة بين المواطنين العرب واليهود، بل تصبح دفاعًا عن نموذج معين من العربي الإسرائيلي المتصهين المقبول كشريك في الدولة. وبذلك يثبت أصحاب الوثيقة بعنوان كفى للعنصرية أن عقلهم مفخخ بالعنصرية ذاتها التي يدينونها”.

تأييد لخطة الحسم

ويرى الهزيل أن الوثيقة أكثر خطورة، ويذهب إلى حد القول إن موقّعي العريضة يوافقون سموتريتش خطته تحت عنوان “الحسم “. مذكّرا بأن هذه الخطة المستوحاة كما يقول سموتريتش نفسه، من رسائل يهوشوع بن نون لأهل بلاد كنعان قبل دخولها: بن نون خيّر أهل البلاد في حينه بين ثلاثة خيارات: من يستسلم للأمر الواقع فليفعل ذلك وينجو بروحه، من يقرر مغادرة البلاد فليغادر، ومن يقرر الحرب فليحارب. والوثيقة تطالب العرب بالاستسلام للأمر الواقع لينجوا بأرواحهم. وهذا ما بين موقف منصور عباس وإستراتيجية اليمين للحسم”.

ويمضي في انتقاداته لها: “بكلمات أخرى، تقول الرسالة الضمنية للوثيقة إنه يمكن للعربي دخول مركز السلطة الإسرائيلية، ولكن عندما يعيد تعريف علاقته بالدولة على النحو الذي يجعل اعترافه بيهوديتها وقبوله بوثيقة الاستقلال واستعداده للخدمة العسكرية أو المدنية ومشاركته في مؤسساتها أساسًا لشراكته السياسية”.

بعد إيجابي

وفي الجهة الأخرى، يرى الهزيل أنه في هذا السياق، يمثل نهج منصور عباس تحولًا مهمًا إذ تحوّل من محاولة تغيير تعريف الدولة إلى محاولة التأثير فيها من داخل تعريفها اليهودي القائم. وهذه هي النقطة برأي الهزيل التي تجعل وثيقة الـ600 شخصية مهمة، لأنها تقول للعرب، بصورة ضمنية: أنتم مرحب بكم على هامش مركز الحكم، ولكن بشرط أن تقبلوا قواعد اللعبة الأساسية للدولة اليهودية الديمقراطية كما فعل منصور عباس.

والخطر هنا وفق رؤية الهزيل أن تصبح هذه الشروط بوابة الشرعية للعربي في الحكم واستمرار التواجد في الدولة. وعليه، فإن ما تغيّر ليس فقط موقف القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس، بل تغيّر معيار العربي الشرعي سياسيًا في دولة أصلا ليست بدولته، ومواطنة ناقصة لا تمنع قانونيا وزير الداخلية من تجريده منها أو حتى تهجيره قسرا.

في المقابل، يرى الباحث في العلوم السياسية والفلسفة البروفيسور سعيد زيداني في تصريح لـ”القدس العربي” أن الوثيقة فيه بعد إيجابي يتمثل بكونه أساسا لحماية القوائم العربية الراغبة بالمشاركة في انتخابات الكنيست من الشطب، خاصة أن هناك محاولات حقيقية لذلك مرشحة للتصعيد.

ويشير زيداني إلى أن الوثيقة بيان يجمع بين الالتزام المبدئي بذلك التوازن بين يهودية الدولة وديموقراطيتها، ذلك التوازن الذي اختل كثيرا خلال السنوات الأربع الأخيرة. وينبّه زيداني إلى أن هذه الموازنة بين اليهودية والديموقراطية في تعريف الدولة تنبع من وجهة نظرهم لا من وجهة نظرنا، مذكرا بوجود تحفّظات لدينا من كل مفهوم يهودية الدولة.

ونوّه أن الوثيقة داعمة عمليا للمحكمة الإسرائيلية العليا حين يأتي دورها في البت بشأن شرعية كل القوائم العربية لا “الموحدة” فحسب بعد شطبها المحتمل جدا من قبل لجنة الانتخابات المركزية.

وفيما يتعلق بسؤال المواطن العربي الشرعي وغير الشرعي، يرى زيداني أن المقياس المبدئي المعتمد من جهة الموقعين هو الأهم: الرجوع إلى وثيقة إسرائيل وخطاب الإسرائيليين الليبراليين الداعي للموازنة بين الديموقراطية واليهودية. كما يرى أن الوثيقة لم تأت لمنح الشرعية لمنصور عباس، بل هي رسالة موجهة للمحكمة العليا”.

ويضيف: “مهم في هذه المرحلة الدقيقة الآن النظر لما جاء في النص، لا لما يرد بين الكلمات وخلف السطور. ونحن ملزمون بعدم الاكتفاء بالتشخيص الدقيق فحسب”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *