تونس ـ «القدس العربي»: عندما تنبعث الأضواء السينمائية صوب الجدران الحجرية العتيقة لأقواس الحنايا في باردو السعيد أو باردو الملكي، لا يكون المشهد مجرد عرض فني صيفي عابر في العاصمة التونسية، بل يتعلق الأمر ببعد رمزي عميق يصالح التونسي مع ذاكرته الحضارية والسياسية المتجذرة عبر العصور. فتظاهرة «سينما الحنايا» بباردو، التي انتظمت دورتها الثانية تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية التونسية نهاية هذه الصائفة، تمثل تحفة نسيجية تتشابك فيها الهندسة الإبداعية الحضارية للحنايا، مع المركزية السياسية التاريخية لمدينة باردو، لتلتقيا معا في إطار فعل إبداعي سينمائي وموسيقي يعيد الروح والشريان الحيوي لأحد أهم المعالم التاريخية على الإطلاق في حوض البحر الأبيض المتوسط.
معجزة هندسية
تأتي أهمية هذه التظاهرة الجمالية من كونها تُقام على أعتاب معلم تاريخي غير عادي، إذ تُعتبر الحنايا أو «قناة قرطاجنة» أو قناة «قرطاج» التي شُيدت في تونس الحضارة خلال القرون السحيقة، إحدى أعظم المعجزات الهندسية والمعمارية في التاريخ القديم، حتى صنفها المؤرخون بحق كإحدى عجائب الدنيا في زمانها. يقول المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»: «قال أبو عمرو الكندي في كتاب الموالي، ومنهم أبو غنيم مولى مسلمة بن مخلد الأنصاري، كان شريفا في الموالي، وولاه عبد العزيز بن مروان الجزيرة ثم عزله عنها، وكان يجلس في داره التي يقال لها دار الفيل فينظر إلى الجزيرة فيقول لإخوانه: أخبروني بأعجب شيء في الدنيا، قالوا منارة الإسكندرية. قال ما أصبتم شيئا. قال فيقولون له فقناة قرطاجنة».
لقد امتدت هذه القناة المائية الضخمة على مسافة تتجاوز 132 كيلومترا، لتربط بين نبع «معبد المياه» التليد بقمم جبال مدينة زغوان التونسية وصولا إلى «صهاريج المعلقة» العملاقة في قلب مدينة قرطاج التونسية الإمبراطورية. وقد تمثلت عبقريتها الاستثنائية في نقل ملايين اللترات من المياه العذبة يوميا بالاعتماد الحصري على الجاذبية الأرضية عبر حسابات دقيقة لدرجات الميلان، وحين كانت تعبر السهول والمنخفضات شُيدت لها الأقواس الحجرية المرفوعة الشاهقة الملساء والمعروفة بـ «الحنايا»، لتصنع في المشهد الطبيعي التونسي صرحا معماريا يفيض بالشموخ والهيبة.
باردو الملكي
وفي رحلتها التاريخية والتدفقية الملحمية نحو بحر قرطاج، لا تعبر الحنايا مجرد جغرافيا عادية، بل تخترق منطقة باردو التاريخية التي تمثل بدورها نقطة الارتكاز الإستراتيجية لمركز الحكم والسيادة في الدولة التونسية عبر حقب متلاحقة. فمنذ العهد الحفصي خلال القرن الثالث عشر الميلادي، اتُخذت باردو منتجعا ملكيا لسلاطين تونس من بني حفص ثم مركز حكم لهم بفضل خصوبة أرضها وبساتينها الغناء وتوفر مياه الحنايا القادمة من زغوان باتجاه قرطاج. ومع أواخر العهد المرادي وصولا إلى العهد الحسيني، تحولت باردو إلى العاصمة الفعلية ومقر عرش المملكة التونسية ومجمع القصور والديوان الملكي الذي شهد إبرام الاتفاقيات وصنع السياسات.
واستمرارا لهذه الرمزية السيادية حتى يومنا هذا، تحتضن باردو اليوم مقر البرلمان التونسي بغرفتيه التشريعيتين (مجلس نواب الشعب ومجلس الجهات والأقاليم) ومن المرجح أن تحتضن أيضا مقر المحكمة الدستورية العليا في حال تم تشكيلها. كما تحتضن باردو المتاخمة لمدينة تونس العتيقة المتحف الوطني، هذا الصرح الثقافي العالمي الرابض في جزء هام من القصر الملكي السابق والذي يحتوي على أكبر وأوفر كنز للفسيفساء القرطاجية والرومانية في العالم إلى جانب كنوز نفيسة أخرى من التحف الأثرية القرطاجية والنوميدية والرومانية والإسلامية تحوز على شهرة عالمية وتمنح المتحف أهميته.
تقاطع فريد
من هذا التقاطع الفريد بين معجزة الهندسة المائية العتيقة والرمزية السياسية لباردو، تُنسج الروح التأليفية لبرنامج الدورة الثانية لتظاهرة «سينما الحنايا»، حيث صيغ برنامج الفعالية ليكون امتدادا تناغميا يجمع بين الإشراق الموسيقي، والإبداع السينمائي الوطني والعالمي، والفولكلور الشعبي الذي يعبر عن وجدان الأرض. وقد انطلقت فعاليات التظاهرة بتجمع واستقبال الضيوف، لتتأكد قيمة الانتماء الوطني بتحية العلم التونسي المفدى الذي يعتبر أقدم الأعلام العربية والأفريقية حيث تم إقراره سنة 1827 في عهد الملك حسين الثاني ومن باردو تحديدا تم هذا الإقرار والاعتماد الرسمي سنة 1830.
وتلت الافتتاح الرسمي مباشرة وصلة موسيقية ساحرة هيأت الجمهور الحاضر من سكان منطقة باردو وغيرهم روحيا لعرض الشريط السينمائي العالمي «MICHAEL JACKSON». واختتم يوم الافتتاح على وقع المزاوجة بين الاستعراض الموسيقي العالمي وشموخ الحنايا التي بدت في مشهد مهيب بعد أن كانت إلى وقت قريب تعاني من الإهمال وعدم الالتفات إلى أهميتها التاريخية والحضارية.
السينما التونسية
واستمرارا لهذه التوليفة الثقافية، خصصت التظاهرة اليوم الثاني للسينما التونسية، حيث بدأت الفعاليات باستقبال الحضور وتحية العلم، لينطلق عرض الشريط السينمائي التونسي المتميز «لقشة من السماء»، والذي يستحضر في مضامينه شواهد من الحياة اليومية والذاكرة التونسية تحت سقف السماء التي أظلت القناة المائية العجيبة لقرون. ويدور فيلم «لقشة من السماء» للمخرج سامي بن مسعود حول كائن فضائي تتعرض مركبته لعطب تقني، فيضطر إلى الهبوط على الأراضي التونسية، حيث يجد نفسه فجأة وسط مجتمع لا يعرف عنه شيئا. ويلتقي الكائن بـ«برهوم»، الذي يؤدي دوره بسام الحمراوي، وهو شاب يعيش حالة من الإخفاق والبحث عن هدف في حياته. ومن خلال هذا اللقاء غير المألوف، تنطلق سلسلة من الأحداث والمواقف التي تقلب حياة الشخصيتين رأسا على عقب، خصوصا أن الكائن الفضائي يمتلك قدرة على تغيير شكله والتشكل وفق ما يراه حوله.
ويستخدم الفيلم هذا العالم الغريب لبناء كوميديا تستمد مادتها من تفاصيل الحياة التونسية اليومية، إذ يحاول الكائن القادم من الفضاء فهم سلوك الناس وعاداتهم وطريقة تفكيرهم، فتتحول غرابة الواقع التونسي نفسه إلى مصدر للمفارقة والضحك. ويمزج العمل بين الخيال العلمي والكوميديا الشعبية والمؤثرات البصرية، مقدما نظرة ساخرة عن بعض الظواهر الاجتماعية من خلال عين «الآخر» القادم من عالم مختلف.
الأطفال في الموعد
أما في اليوم الثالث، فقد اتسعت برمجة الفعالية لتشمل الأطفال واليافعين، من خلال عرض الفيلم السينمائي الموجه إلى هذه الفئة العمرية «HOLA FRIDA»، وذلك عقب المراسم الرسمية لتحية العلم. وجاء اختيار هذا العمل في إطار توجه تربوي وثقافي يهدف إلى تقريب الناشئة من عالم الفن والسينما، وربطهم بالتراث والمعالم التاريخية بطريقة تجمع بين المتعة والتعلم. كما مثل العرض مناسبة لتعزيز حضور الثقافة في الحياة اليومية للأطفال، وتشجيعهم على اكتشاف الفنون البصرية والتعرف إلى الشخصيات والأعمال التي أسهمت في إثراء الذاكرة الإنسانية.
ويعكس إدراج السينما الموجهة إلى الأجيال الجديدة ضمن برنامج الفعالية وعيا بأهمية الاستثمار في الذائقة الثقافية منذ سن مبكرة، وترسيخا لعلاقة إيجابية بين الطفل ومحيطه التاريخي والفني. وبذلك لم تقتصر الفعالية على جمهور الكبار، بل سعت إلى بناء جسر ثقافي مع جيل جديد، عبر أنشطة تجمع بين البعد الترفيهي والرسالة التربوية.
وتوجت هذه الملحمة الثقافية في اليوم الرابع باحتفالية شعبية جامعة، حيث انطلق عقب تحية العلم عرض موسيقي واستعراضي ضخم للفرقة الوطنية التونسية للفنون الشعبية بعنوان «فرحة». ليتداخل الموروث الغنائي والرقص الشعبي التونسي مع ظلال أقواس الحنايا في مشهد يجسد الفرح الجماعي والهوية التونسية الأصيلة.
مشروع ثقافي حضاري
إن تظاهرة «سينما الحنايا» بباردو، بهذه الصيغة التأليفية المتكاملة، تتجاوز حدود العروض الترفيهية والتنشيطية للمدن التونسية لتشكل مشروعا ثقافيا حضاريا يعيد صياغة العلاقة بين المواطن التونسي ومعالمه التاريخية. إنها أطروحة عملية تؤكد أن الآثار ليست حجارة صلبة متحفية للماضي، بل هي فضاءات حية وقادرة على احتضان المستقبل. وكما كانت قناة قرطاجنة تدفق المياه العذبة لتروي ظمأ قرطاج وتمنحها الحياة والازدهار في العصور القديمة، تتدفق اليوم «سينما الحنايا» بالضوء والفن والموسيقى لتروي الوجدان الثقافي لباردو الملكي ولتونس قاطبة، معلنة أن شريان الذاكرة الوطنية سيبقى دائم التدفق والإبداع.
وقد صدق من قال بأن الحنايا التي تعبر باردو في شموخ وكبرياء مستمدة من حضارة تونس وعراقتها التاريخية ليست مجرد أطلال حجارة صامتة ينظر إليها السائح بحسرة التاريخ. إنها برأيه القناة التي تدفق عبرها شريان الحياة نحو قرطاج القديمة، لتتحول اليوم بفضل السينما والفنون إلى شريان ينبض بالثقافة والهوية في قلب مدينة باردو المعاصرة المتعطشة للفعل الثقافي والأنشطة الهادفة الموجهة لساكنتها ولكل التونسيين.