نهاية دبلوماسية «الإعراب عن القلق»


لو أن العقوبات الاقتصادية تُجدي فتيلا، ولو بعد حين، لَأجدت مع نظام فيدل كاسترو في كوبا بعد ما لا يقل عن نصف قرن من الحصار الأمريكي الشامل، أو مع نظام ولاية الفقيه في إيران بعد عقود من العقوبات الأمريكية والأوروبية المتنوعة والمتزايدة. إذ أثبتت التجارب المختلفة منذ منتصف القرن العشرين أن العقوبات الاقتصادية، حتى لو تواطأت عليها دول مجلس الأمن مع القوى الغربية كلها، ما هي إلا إجراء محدود الأثر، بل لعله عديم الأثر أصلا، وكفى بنظام كوريا الشمالية اليوم دليلا. على أن حقيقة محدودية أثر العقوبات الاقتصادية في مواجهة جرائم الدول المارقة أو المعتدية على سكانها أو جيرانها لا ينفي حقيقة أخرى هي أن فرض العقوبات قد يكون في بعض الحالات هو الموقف الوحيد المطلوب لأنه الوحيد الممكن، أي أنه من قبيل أضعف الإيمان عندما ينعدم إمكان اتخاذ مواقف أقوى وأجدى.

هذه منذ ستة عقود هي المرة الأولى التي تقر فيها بريطانيا بأن الاحتلال أصلا، وليس مجرد الاستيطان، غير شرعي في نظر القانون الدولي

ولهذا فلا ينبغي التهوين من الأهمية الدبلوماسية والإعلامية للعقوبات الاقتصادية التي اتُّخذت هذا الأسبوع ضد حركة الاستيطان اليهودي الإرهابي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. إنها المرة الأولى «في ذاكرة الأحياء» من البشر، كما يقول التعبير الإنكليزي، التي تتحالف فيها ما لا يقل عن اثنتي عشرة دولة غربية (هي بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا والبرتغال وإيرلندا وفنلندا والسويد والدنمارك وإيسلندا والنرويج وبولندا) في موقف موحد ضد إسرائيل. صحيح أن كل وزارات خارجية هذه الدول حرصت على التوضيح بأن هذه العقوبات ليست موجهة ضد شعب إسرائيل «الذي تجمعنا به آصرة لا تنفصم»، على حد تعبير الحكومة البريطانية، بل هي موجهة حصرا إلى «إرهابيِّي المستوطنين»، ومن خلفهم الحكومة الإسرائيلية الحالية التي أُنشئ أثناء سنوات حكمها الأربع من المستوطنات عدد أكبر بكثير مما أنشئ طيلة السنوات العشرين السابقة. ولكن الصحيح أيضا أن الحكومة الحالية، ومعها شعب إسرائيل (الذي لا تزال الحكومات الأوروبية الطيبة القلب تحسن الظن به وتحب أن تتشبث بوهم أنه «يحب السلام»، وأنه يعترف للشعب الفلسطيني بالحق في أن يعيش هو أيضا في دولة آمنة) يريان أن هذه الإجراءات تستهدف إسرائيل في الذات والصميم، شعبا وكيانا واحتلالا كولونياليّا سابقا واستيطانا دينيا لاحقا واحتكارا لسرديّات المظلومية الكونية واستئثارا بذُرى الأعالي الأخلاقية وخريطة تلمودية مفتوحة على الملاحم والمغازي والأخذ بالقوة.
وكانت فرنسا قد سعت في الأشهر الماضية لدى بقية دول الاتحاد الأوروبي لاتخاذ موقف إجماعي بشأن فرض نظام كامل من العقوبات الأوروبية يشمل في الحد الأدنى حظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان لمثل هذا الموقف، لو اتُّخذ على صعيد الاتحاد الأوروبي بأكمله، أن يكون له أهمية تتجاوز المجالين الدبلوماسي والإعلامي، بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لإسرائيل. ومع ذلك، ورغم طول التأخر، فإن موقف كندا والدول الأوروبية الـ11، يظل ذا قيمة وأهمية، خصوصا مع إعلان قرب انضمام دول أخرى، مثل بلجيكا وهولندا، إلى هذا التحالف غير المعهود.
ولا شك أن أهمية هذا التحول في الموقف من إسرائيل هي أكبر في بريطانيا منها في بقية الدول. أولا لأن لِبريطانيا مسؤولية تاريخية عن نكبة الشعب الفلسطيني باعتبارها الطرف الذي منح ما لا يملك لمن لا يستحق. ثانيا، لأن وزارة الخارجية البريطانية ظلت مكتفية منذ عام 1967 باجترار بيانات باهتة مكرورة لا موقف فيها غير كليشيهات «الإعراب عن بالغ القلق» من تزايد الاستيطان إلى حد أن بعض مسؤوليها السابقين، مثل آلان دانكن وألستير بيرت، قد اعترفوا بالحرج من غثاثة هذا اللا-موقف وسذاجته. ثالثا، لأن هذا التحول هو تنفيذ لتعهد أعلنه رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام الذي وصف معاناة الشعب الفلسطيني بأنها «وصمة عار في جبين الإنسانية»، وأنه أتى على لسان وزير الخارجية اليهودي إد ميليباند الذي فر أبواه من بولندا إلى بريطانيا وفقدت عائلته عشرات من أفرادها في مذابح النازية. أخيرا، هذه منذ ستة عقود هي المرة الأولى التي تقر فيها بريطانيا بأن الاحتلال أصلا، وليس مجرد الاستيطان، غير شرعي في نظر القانون الدولي. إنه تحول دبلوماسي مهم قد يكون له ما بعده. لهذا مضت الغارديان إلى حد القول بأن خطاب ميليباند قد كان من المناسبات القليلة التي بدا فيها أن مجلس العموم بمثابة «قُمرة قيادة للتاريخ»!

٭ كاتب تونسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *