أعلن حزب التجمع الوطني الفرنسي، الذي يعتبر يميناً متطرفاً، أنه في حال وصوله إلى السلطة في الانتخابات القادمة، فإنه سيفرض عقوبات مالية على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة. ونقلاً عن قناة الجزيرة، يقول النائب فيليب تانغي، عضو حزب التجمع، إن الحزب سيفرض عقوبات مالية على مرتديات الحجاب في الأماكن العامة في حال انتخبت مارين لوبان رئيسة للبلاد، مؤكداً «سنحارب الأيديولوجية الإسلامية، وسنعاقب على ارتداء الحجاب، تضامناً مع جميع النساء في جميع أنحاء العالم اللواتي يجبرن على ارتدائه واللواتي يمتن من أجل هذه الحرية». ليس هذا الموقف بجديد على فرنسا التي تعاني من «الأديان فوبيا»، ذلك أن لفرنسا تاريخاً طويلاً دموياً مع كل الأديان تقريباً، لذلك هي تتخذ موقفاً متشدداً من الأديان المختلفة إبان الحقب الزمنية المختلفة، التي كان على رأسها الدين المسيحي، وصولاً إلى زمننا هذا الذي تصب إبانه فرنسا بيمينها المتطرف جام غضبها على الدين الإسلامي.
إلا أن الموضوع لا يقف عند هذا الحد في واقع الحال. الموضوع لا يتعلق فقط بخطاب «إسلاموفوبي» حالي يعبر عن عقدة فرنسا الدينية. لقد فتح هذا القرار الباب الذي لم يتم إغلاقه بعد، والذي لا يبدو أنه سيغلق في أي وقت قريب، لحوار إنساني حقوقي يفترض أن استنتاجه يكون من بديهيات عصرنا هذا. اعتناق الدين من عدمه حق إنساني لكل بشر على سطح هذا الأرض، والتعبير عن هذا الاعتناق، من عدمه، هو كذلك حق إنساني يفترض أن يكون مكفولاً لكل إنسان دون أي شعور بالتهديد ودون أي قيود قانونية أو مجتمعية. لكن واقع الحال في مجتماعاتنا البشرية يتناقض تماماً مع هذا الحق الإنساني الأصيل، وربما يبدأ التناقض من عالمنا العربي الإسلامي الذي على الرغم من ثورته العارمة الآن تجاه هذا التصريح الفرنسي اليميني المتطرف، وعلى الرغم من مناداته بعد هذا التصريح بحرية اعتناق الدين وحرية التعبير عن هذا الاعتناق، إلا أنه العالم الأبعد فعلياً عن هذا الحق الإنساني الأصيل.
لا يوجد في عالمنا العربي الإسلامي واقعياً لا قانونياً ولا مجتمعياً، حرية اعتناق أو عدم اعتناق دينية، بل إن قوانين معظم الدول العربية الإسلامية تفرض على المسلمين وغير المسلمين الالتزام بالقواعد الإسلامية المظهرية؛ مثلاً في مواضيع الملبس، الإجهار في الإفطار أو في العلانية في التعبد أو التعبير عن الانتماء لدين ما أو التبشير به، وهذه قواعد لو تم كسرها، فستكون عاقبتها عقوبات قانونية ومجتمعية وخيمة، تتجلى الأخيرة في عنف مجتمعي تجاه «المختلف» لا يستطيع حتى القانون أو حكومة البلد الحماية منه. لذلك، وقبل أن نغضب على فرنسا اليمينية المتطرفة، لو تجلت هذه الفرنسا في سنة 2027، علينا أولاً أن نراجع أوضاعنا الداخلية وما تكفله من حريات وحقوق وحمايات للمغايرين دينياً أو للّادينيين، الذين لا يجدون لحظة أمان أو حرية في مجتمعاتنا.
يبقى أن التصريح الفرنسي لا يمس فقط الحرية الدينية، لكنه يمس بالدرجة الأهم والأخطر موضوع الحرية النسائية، موضوع حق المرأة في حريتها وأمنها واختيارات حياتها. يذكّر هذا التصريح الفرنسي الرجعي الغبي بكل محاولة عالمية مستمرة للتحكم في المرأة، وخصوصاً في مظهرها وملبسها، في محاولة للتحكم في الأيديولوجية الأعمق للمجتمع وفرضاً لسيطرة سياسية واقتصادية واجتماعية عليه. المرأة هي المحور، وفي حال تمت السيطرة على مظهرها، سلوكها، حقوقها، حرياتها، وبالطبع جسدها، ففي ذلك تحكم في أكثر من نصف العالم وتوجيه له، يفيد الأقوياء ويخدمهم. هو كذلك بلا أدنى مبالغة، التحكم في المرأة هو تحكم في العالم، ينساق له الرجال غير الأذكياء المقادون بمفاهيم ذكوريتهم الغابرة، ويستفيد منه الأقوياء، إفقاراً لمناطق وإشعالاً للأسواق في مناطق أخرى، استقراراً لمناطق وإضراماً لنار العنصرية والقمع في مناطق أخرى. المرأة هي المحور، وها هي تستغل ويستغل جسدها مرة تلو الأخرى في لعبة القوى السياسية الدنيئة.
لاحِظوا المؤسسات الرياضية العالمية التي تتحكم، بلا منطق أو سبب عملي، في ملابس الفرق النسائية، وكأنها تبيع صوراً لأجساد النساء لا استعراضاً لمقدراتهم الرياضية. طبقاً لموقع إسراء أبو زايد على «إنستغرام»، تقول إسراء في أحد منشوراتها بالإنجليزية أنه في سنة 2021 اختار فريق كرة اليد النسائية الشاطئية النرويجي لبس «الشورت» بدلاً من «البكيني» وهو القرار الذي تَعَاقب عليه الفريق على الرغم من أن الفرق الرجالية تلبس الشورت كذلك دون أي مشكلة، وفي أولومبياد طوكيو، اختارت لاعبات الجمباز الألمانيات تغيير «الليوتارد» المكشوف المعتاد توجهاً لآخر يغطي كل الجسد، وذلك احتجاجاً منهن على «جنسنة» النساء المتسابقات في الرياضة عموماً، ومن سنة 2007 إلى سنة 2014 منعت الفيفا النساء المتسابقات من ارتداء غطاء الرأس. تقول إسراء على موقعها: «تخيلوا أن الحكومات، اللجان الأولمبية، الفيدراليات الرياضية والمؤسسات العالمية كلها تجتمع لتقرر كم من جسد المرأة يودون أن يروا. لذا، دعونا نطرح السؤال مجدداً: ما هو تعريف المرأة المقموعة؟ أهي امرأة تغطي جسدها، أم امرأة تتم معاقبتها لتغطية هذا الجسد؟».
السر كله في كلمة بسيطة، العدالة تبدأ عندها والقمع ينتهي عندها، إنها الحرية. للمرأة حق أن تتغطى كما أن لها حق أن تتكشف؛ جسد المرأة ملك لها، هي تقرر كيف تريد أن تظهره وما تود أن تقول عن نفسها من خلاله. أعلم أن هذا حديث ثقيل وبعيد عن مجتمعات مجبولة على الوصاية على المرأة، والتي تعامل جسدها على أنه رمز لشرف العائلة؛ السمعة مربوطة به، والقواعد والقوانين تحفر ألماً وتعذيباً عليه. لكنه حديث سنبقى نقوله إلى آخر لحظة في حيواتنا كنساء حرات يعرفن قيمتهن في هذه الحياة. بلا شك، هناك قوانين وقواعد مجتمعية وعادات وتقاليد، إلا أن كل المطالبات تنحصر في أن تكون هذه القوانين والقواعد عادلة في التعامل مع الحريات والحقوق بين كل البشر، وأن تميل كلها، ودائماً، باتجاه المزيد من الحريات لا باتجاه انتقاصها.
في التطرف اليميني الفرنسي الغبي عظة وعبرة، علّنا نتذوق مرار تصريحاتهم وتوعداتهم، فنصلح حالنا الداخلي ونتذكر أن جسد المرأة ملك لها، وأن الموضوع واضح ومباشر: القمع يتجلى في أحلك صوره في غياب الحرية، وفي التحكم في المظهر وأسلوب الحياة، وهذا يجعل فرنسا قمعية تماماً مثلما أفغانستان الطالبانية قمعية، وإيران المرشدية قمعية. تصبح الدول ومجتمعاتها عادلة عندما تتحرر المرأة وتأمن على نفسها وحريتها، هذا هو آخر القول.