الخرطوم ـ «القدس العربي»: اختتمت الآلية الخماسية المعنية في السودان، الخميس، زيارتها إلى الخرطوم، بعد سلسلة لقاءات مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، ونائبه مالك عقار، ورئيس الوزراء كامل إدريس، ومسؤولي وزارة الخارجية، إلى جانب قوى سياسية ومدنية وناشطين من النساء والشباب، مؤكدة عدم وجود حل عسكري للحرب، وداعية إلى إطلاق مسار سياسي سوداني شامل، وذلك في وقت استهدفت فيه العاصمة الخرطوم بهجمات بالمسيرات أسفرت عن سقوط إصابات.
«مناقشات بناءة»
وقالت الآلية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، في ختام زيارتها، إنها أجرت «مناقشات بناءة» مع البرهان، وإدريس، ووكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي.
وشملت لقاءات الوفد «الكتلة الديمقراطية»، إلى جانب اللجنة المعنية بتهيئة المناخ الملائم للحوار السوداني، التي عرضت أسس عملها، فضلاً عن مجموعات مستقلة من النساء والشباب.
وأكدت الآلية أن هدف الزيارة تمثل في الاستماع المباشر إلى أصحاب المصلحة داخل السودان وربط التحركات الدولية بالمبادرات السياسية السودانية التي تنشأ من الداخل، معتبرة أن تضافر هذه الجهود يمكن أن يدفع نحو عملية سياسية «ذات مصداقية وشاملة» يقودها السودانيون ويمتلكونها، وصولاً إلى مرحلة انتقالية وحكومة ديمقراطية بقيادة مدنية.
وجددت الآلية موقفها بأن الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل/ نيسان 2023 لا يمكن حسمها عسكرياً، وأن التسوية تتطلب عملية سياسية مستدامة تترافق مع خطوات واضحة لحماية المدنيين ووقف القتال.
ويأتي هذا الموقف في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية بين الحكومة السودانية وقوات «الدعم السريع»، مع انتقال ثقل المواجهات بصورة متزايدة إلى ولايات كردفان وأجزاء من إقليم النيل الأزرق، بينما لا تزال قوات «الدعم السريع» تسيطر على مساحات واسعة من إقليم دارفور.
وأكدت الخماسية خلال لقاءاتها التي بدأت في الخرطوم، الثلاثاء الماضي، أهمية أن يكون السودانيون أصحاب الدور الأساسي في تحديد مستقبل بلادهم، وأن تساند الجهود الدولية والإقليمية العملية السياسية بدلاً من أن تحل محلها.
وشددت على أن العملية السياسية يجب أن تكون سودانية القيادة والملكية، وأن تفضي إلى انتقال نحو حكومة مدنية ديمقراطية تعكس تطلعات السودانيين.
وسعت الخماسية خلال الزيارة لتوسيع دائرة مشاوراتها لتشمل قوى سياسية ومدنية لا تنتمي إلى المؤسسات الرسمية أو الأطراف العسكرية. وقالت إنها التقت ممثلين عن «الكتلة الديمقراطية»، واستعرضت مع اللجنة المعنية بتهيئة المناخ للحوار السوداني رؤيتها للعملية السياسية.
وتقول اللجنة أنها تسعى إلى تهيئة الظروف اللازمة لإطلاق حوار سوداني- سوداني، في وقت لا تزال فيه المواقف السياسية بشأن توقيت الحوار وشروطه والمشاركين فيه متباينة.
وتطرح إمكانية أن يسير الحوار السياسي بالتوازي مع جهود وقف الحرب، بدلاً من انتظار انتهاء العمليات العسكرية بصورة كاملة.
وفي المقابل، تشدد قوى سياسية ومدنية سودانية على ضرورة أن يكون أي حوار شاملاً، وألا يتحول إلى ترتيبات بين «الأطراف المسلحة» وحدها، مع ضمان مشاركة القوى المدنية والشباب والنساء والمجتمع المدني.
اختتمت زيارتها إلى الخرطوم… ورفضت إقامة هياكل موازية للدولة
وتزامنت الزيارة مع تحركات حكومية لتأكيد الاستعداد للتعامل مع المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب.
وكان إدريس قد أكد خلال استقباله وفد الآلية، أن الحوار السياسي المرتقب يجب أن يكون ملكاً للشعب السوداني، فيما أعلن استعداد حكومته للتعاون مع الجهود الرامية إلى الوصول إلى تسوية سياسية. وأكد تمسك الحكومة السودانية بوحدة الدولة ومؤسساتها ورفض أي ترتيبات سياسية أو إدارية موازية للحكومة المركزية.
فيما شددت الخماسية على دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ورفض إقامة هياكل موازية للدولة.
وتجري التحركات السياسية في وقت تتسع فيه دائرة المواجهات العسكرية، فقد أعلن الجيش الخميس أنه تصدّى لمسيّرات أطلقتها قوات «الدعم السريع» في اتجاه العاصمة الخرطوم، فيما سقطت إحداها في منزل في أم درمان وأسفرت عن إصابة 8 أشخاص، حسب مصدر طبي.
ويسيطر الجيش السوداني على العاصمة منذ أخرج قوات «الدعم السريع» منها في آذار/مارس 2025 في عملية عسكرية واسعة، غير أن الأخيرة تشن هجمات جوية عليها بين الحين والآخر.
وقال مصدر عسكري لوكالة «فرانس برس» «تعاملت دفاعاتنا مع مسيّرات الميليشيا التي حاولت استهداف مناطق شمال أم درمان وأسقطتها جميعا ولم تحقق أهدافها».
وأوضح مصدر طبي في مستشفى النو في أم درمان «سقطت واحدة من المسيّرات في منزل بقرية غرب أم درمان وأصابت 8 بينهم 5 أطفال يتلقون العلاج الآن في المستشفى».
وسُمعت في الخرطوم أصوات مضادات أرضية تبعتها خمسة انفجارات في وقت مبكر من صباح الخميس بالقرب من منطقة عسكرية واسعة في شمال أم درمان.
يأتي ذلك مع استمرار النزوح وتراجع قدرة المنظمات الدولية والمحلية على تقديم الخدمات الأساسية.
وتقدر المنظمات الدولية أن الحرب تسببت في نزوح أكثر من 13 مليون سوداني داخل البلاد وإلى دول الجوار، فيما تواجه مناطق واسعة أوضاعاً حادة من انعدام الأمن الغذائي ونقص الرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية.
وتضرر القطاع الصحي بصورة كبيرة جراء القتال ونقص التمويل، وأغلقت عشرات المراكز الصحية أو خفضت خدماتها، بينما تعمل نسبة كبيرة من المرافق الطبية في مناطق العمليات بصورة جزئية أو خرجت من الخدمة.
وتتصاعد التداعيات الصحية مع انتشار أمراض مثل الكوليرا والحصبة والملاريا، في ظل صعوبة وصول الفرق الطبية والإمدادات إلى المناطق المتضررة من العمليات العسكرية. وتواجه منظمات الإغاثة تحديات متزايدة بسبب تراجع التمويل الدولي والقيود الأمنية واللوجستية المفروضة على وصول المساعدات إلى مناطق القتال.
وتتهم تقارير دولية وإقليمية أطرافاً خارجية بتقديم دعم عسكري أو لوجستي لقوات «الدعم السريع»، معتبرة أن ذلك ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد جهود وقف إطلاق النار.
بالتزامن، يواصل عدد من الدول الأوروبية فرض حظر على الذهب السوداني.
وقالت الحكومة السويسرية إنها فرضت حظراً على شراء واستيراد ونقل الذهب ذي المنشأ السوداني عبر أراضيها، ضمن حزمة قيود تستهدف تجفيف مصادر تمويل الحرب في السودان.
وشملت العقوبات الجديدة كذلك تقديم الخدمات والموارد المالية المرتبطة بتجارة الذهب السوداني، بالإضافة إلى حظر بيع وتوريد عدد من المواد الكيميائية المستخدمة في عمليات التعدين واستخراج الذهب.
عقوبات
وقالت الحكومة السويسرية إن الإجراءات تأتي في إطار تنفيذ العقوبات والقرارات الدولية المتعلقة بالسودان، وتهدف إلى الحد من تدفقات الأموال والموارد التي يمكن أن تسهم في استمرار الصراع وتمويل الأطراف المتحاربة.
ويعد الذهب أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في السودان، كما يمثل قطاع التعدين مورداً اقتصادياً رئيسياً في البلاد.
وشدد الاتحاد الأوروبي في يوليو/ تموز الماضي نظام عقوباته على السودان، وفرض حظراً على شراء واستيراد ونقل الذهب ذي المنشأ السوداني، إلى جانب حظر بيع أو توريد أو نقل أو تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما مادتان تستخدمان على نطاق واسع في عمليات تعدين الذهب واستخراجه. وقال مجلس الاتحاد الأوروبي إن القيود تستهدف الحد من الموارد المالية المتاحة للأطراف التي تواصل الحرب، مع وضع استثناءات محددة لبعض استخدامات المواد الكيميائية، بينها الأغراض الإنسانية وحالات الطوارئ الصحية والاستجابة للكوارث.