طرابلس – «القدس العربي»: يحظى اتفاق «4+4» في ليبيا بدعم متزايد من مجلس الأمن والأمم المتحدة باعتباره خطوة نحو إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات ومعالجة الخلافات الدستورية والقانونية تمهيدا لإجراء الاستحقاقات خلال عامين، لكن اعتراضات داخلية، أبرزها في المجلس الأعلى للدولة، تهدد بمنع انتقاله من تفاهم مدعوم دوليا إلى اتفاق قابل للتنفيذ ويحظى بغطاء مؤسسي ليبي.
وفي أحدث المواقف الدولية الداعمة للاتفاق، رحب مجلس الأمن الدولي بالتفاهمات التي جرى التوقيع عليها في العاصمة طرابلس في 30 آب/أغسطس الماضي، والمتعلقة بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
واعتبر أعضاء مجلس الأمن الاتفاق خطوة مهمة في اتجاه إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة وشفافة وجامعة، فضلا عن دعم مسار توحيد المؤسسات الليبية والاستجابة لتطلعات الليبيين، داعين الأطراف المعنية إلى دعمه والعمل على تنفيذه.
مجلس الأمن يجدد دعمه للاتفاق
وجدد المجلس دعمه لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وللممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، وخارطة الطريق السياسية التي تقودها البعثة، مطالبا الأطراف الليبية بالمشاركة الجادة في الجهود الأممية وتحقيق تقدم ملموس في مختلف المسارات المرتبطة بالعملية السياسية.
وربط مجلس الأمن بين التقدم في المسار السياسي وضرورة معالجة الانقسام الذي تعاني منه المؤسسات الليبية، مؤكدا أهمية إحراز تقدم في توحيد مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسات العسكرية والأمنية، والوصول إلى سلطة تنفيذية موحدة، إلى جانب معالجة الملفات الاقتصادية والمالية التي تفاقمت خلال السنوات الماضية.
كما شدد على الدور المركزي للأمم المتحدة في تيسير عملية سياسية بقيادة وملكية ليبية، وضرورة امتناع الأطراف الخارجية عن التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد بما يمكن أن يزيد حالة الانقسام أو يعرقل الجهود الرامية للوصول إلى تسوية سياسية.
ويمنح موقف مجلس الأمن دفعة جديدة للاتفاق الذي جاء بعد سلسلة من الاجتماعات بين لجنة مصغرة تضم أربعة ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وأربعة عن القيادة العامة في شرق البلاد، فيما أثار تشكيل اللجنة منذ البداية جدلا بشأن طبيعة تمثيلها ومدى حصول أعضائها على تفويض رسمي من المؤسسات التي ينتمون إليها.
وكانت اللجنة قد توصلت خلال اجتماعاتها إلى تفاهمات حول عدد من الملفات السياسية والانتخابية، قبل التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق في تونس في 20 آب/أغسطس، ثم الإعلان عن التوقيع الرسمي في طرابلس في 30 من الشهر نفسه.
ويركز الاتفاق بصورة أساسية على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب معالجة النقاط الخلافية في القوانين والإطار الدستوري المنظم للانتخابات الرئاسية والتشريعية، بما يمهد لإجراء الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية موحدة وخلال سقف زمني لا يتجاوز 24 شهرا.
وتعد إعادة تشكيل المفوضية واحدة من القضايا التي ظلت موضع خلاف سياسي خلال الفترة الماضية، في ظل الجدل بشأن استمرار مجلس إدارتها الحالي، بينما يرتبط الملف الآخر بالقواعد المنظمة للانتخابات وما تتضمنه من شروط للترشح للرئاسة والعلاقة بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية وغيرها من المسائل التي أسهمت سابقا في تعثر إجراء الاستحقاقات.
وأحالت البعثة الأممية مخرجات الاتفاق إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة، ومنحتهما مهلة للتعامل مع الترتيبات المطروحة، ما يجعل موقف المؤسستين عاملا حاسما في تحديد إمكانية انتقال الاتفاق من مرحلة التفاهم السياسي إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
تصعيد داخل المجلس الأعلى للدولة
لكن الدعم الدولي المتزايد للاتفاق تزامن مع تصعيد واضح داخل المجلس الأعلى للدولة تجاه المشاركين في اللجنة، إذ اتخذ المجلس إجراءات بحق عضوين شاركا في اجتماعات «4+4» ووقعا على مخرجاتها، على خلفية عدم حصولهما على تفويض رسمي من المجلس.
وكان المجلس الأعلى للدولة قد أكد في وقت سابق أنه لم يكن طرفا بصورة رسمية في لجنة الحوار المصغر، رغم مشاركة أعضاء ينتمون إليه في الاجتماعات، مشددا على أن أي اتفاق سياسي أو تفاهم يمس اختصاصاته يجب أن يمر عبر أطره الرسمية وأن يحظى بموافقة المجلس.
ويعكس هذا الموقف اتساع الفجوة بين رئاسة المجلس والمسار الذي أنتج اتفاق «4+4»، خاصة أن رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة لم يشارك في مراسم التوقيع، وأكد في مواقف سابقة أن اعتراضه لا يستهدف مبدأ الوصول إلى الانتخابات، وإنما يرتبط بالطريقة التي جرى من خلالها التوصل إلى الاتفاق ومدى احترامها للاختصاصات المؤسسية.
وجدد تكالة خلال لقاءاته الأخيرة مع عدد من الدبلوماسيين التأكيد على ضرورة أن يقوم أي مسار انتخابي على قاعدة دستورية وقانونية واضحة، وأن يمر عبر المؤسسات الليبية المختصة ويستند إلى توافق وطني يسمح بإجراء انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.
وتضع هذه المواقف الاتفاق أمام اختبار يتعلق بشرعيته الداخلية أكثر مما يتعلق بحجم الدعم الخارجي الذي يحظى به، خصوصا أن عددا من الأطراف الليبية أبدى تحفظات على اللجنة وآلية تشكيلها، بينما دعمت أطراف أخرى الاتفاق باعتباره فرصة لتحريك حالة الجمود التي رافقت المسار السياسي خلال الفترة الماضية.
وكان الاتفاق قد أثار منذ الإعلان عنه ردود فعل متباينة، إذ أبدى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي تحفظات على بعض التفاهمات والمسارات السياسية التي تتم خارج الأطر المؤسسية الرسمية، بينما أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ترحيبه بالاتفاق ودعمه للجهود الرامية للوصول إلى الانتخابات.
كما حظيت التفاهمات بترحيب من أطراف في شرق البلاد ومن عدد من الدول والبعثات الدبلوماسية، في وقت استمرت فيه مطالبات سياسية بضرورة ضمان مشاركة أوسع في أي تسوية وعدم حصر القرارات المتعلقة بمستقبل العملية السياسية في تفاهمات بين أطراف محددة.
عقدة ملف الانتخابات
ويظل ملف الانتخابات المحور الأكثر تعقيدا في المسار الليبي، بعد تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية التي كان مقررا تنظيمها في كانون الأول/ديسمبر 2021، وما أعقب ذلك من خلافات حول القوانين الانتخابية وشروط الترشح والعلاقة بين الاستحقاقين الرئاسي والتشريعي.
كما تتصل الأزمة الانتخابية بشكل مباشر بالخلاف حول السلطة التنفيذية، إذ تتمسك أطراف سياسية بضرورة تشكيل حكومة موحدة قبل إجراء الانتخابات، في حين ترى أطراف أخرى أن الدخول في مسار جديد لتشكيل الحكومات قد يؤدي إلى تمديد المرحلة الانتقالية بدلا من إنهائها.
وفي هذا السياق، يطرح اتفاق «4+4» إجراء الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية موحدة، وهو ما يعيد ملف الحكومة إلى صدارة النقاش السياسي، إلى جانب الملفات المرتبطة بالمؤسسات السيادية والأمنية والعسكرية.
وبينما تسعى البعثة الأممية إلى الاستفادة من الزخم الذي وفره الاتفاق والدعم الدولي اللاحق له، فإن قرارات المجلس الأعلى للدولة الأخيرة تظهر أن الطريق إلى تنفيذه لا يزال يواجه عقبات داخلية، أبرزها الخلاف بشأن الجهة المخولة بإبرام التفاهمات السياسية ومدى إلزام المؤسسات بها.
ويشكل موقف مجلس النواب بدوره عنصرا مهما في المرحلة المقبلة، خاصة أن عددا من البنود المطروحة يتطلب توافق المؤسستين التشريعيتين، في ظل تجربة طويلة من الخلافات بين مجلسي النواب والدولة بشأن القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وتشكيل المناصب السيادية.
ومع دخول مجلس الأمن على خط الدعم المباشر للاتفاق، تتزايد الضغوط على الأطراف الليبية لاتخاذ خطوات عملية خلال الأسابيع المقبلة، إلا أن المواقف المتباينة داخليا تشير إلى أن الحصول على موافقة دولية على خارطة الطريق قد يكون أقل صعوبة من تأمين الغطاء السياسي والمؤسسي اللازم لتنفيذها على الأرض.
وبذلك ينتقل اتفاق «4+4» من مرحلة الاجتماعات والتوقيع إلى اختبار التنفيذ، وسط دعم دولي متزايد يقابله خلاف ليبي حول شرعية المسار واختصاص المشاركين فيه. وتبقى قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات إلى قرارات معتمدة داخل المؤسسات العامل الأبرز في تحديد ما إذا كان الاتفاق سيفتح طريقا جديدا نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات، أم سيواجه المصير ذاته الذي واجهته مبادرات سياسية سابقة اصطدمت بخلافات الشرعية وتقاسم السلطة وآليات التنفيذ.