عودة الدراسة بغزة.. نازحون في فصول وتلاميذ في خيام


غزة: استعدادًا لبدء العام الدراسي الجديد، تحولت باحة “مدرسة النصر” غربي مدينة غزة إلى مساحة تجمع بين تعليم التلاميذ وإيواء النازحين جراء الإبادة التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين.

ففي المدرسة نُصبت 6 خيام لتكون فصولًا دراسية مؤقتة، فيما لا تزال عائلات نازحة تشغل أجزاء من المبنى المدرسي الذي تضرر جراء القصف الإسرائيلي.

تتقاسم مساحة المدرسة المدمرة جزئيًا عائلات نازحة دمرت منازلها خلال الإبادة، وتلاميذ يتوقون للانتظام في مقاعد الدراسة، حيث تختلط حقائب الأطفال مع أمتعة أسر لم تجد مكانًا آخر تلجأ إليه.

المشهد يلخص حال التعليم في قطاع غزة بعد نحو 3 أعوام من حرب عُطلت فيها الدراسة، ودُمرت المدارس وتحولت إلى مراكز إيواء، فيما دُفع مئات آلاف الأطفال إلى نقاط دراسية مؤقتة أو خارج التعليم تمامًا.

وتعد مهمة إعادة التعليم إلى غزة أكبر من مجرد فتح أبواب المدارس؛ فهي معركة لاستعادة جيل كامل وما فقده من سنوات التعلم، وإعادة بناء منظومة تعليمية فقدت مبانيها وتجهيزاتها وكوادرها.

ينطلق العام الدراسي في غزة وفق وزارة التربية والتعليم في 16 أيلول/ سبتمبر الجاري، غير أن العديد من النقاط التعليمية والمدارس الخاصة بدأت الدراسة فعليًا، اعتبارًا من السبت وبعضها الأحد بعد أن استكملت ترتيباتها.

وتتزامن هذه الاستعدادات مع “اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات”، الذي تحييه الأمم المتحدة في 9 سبتمبر من كل عام، لزيادة الوعي بالحاجة الملحة إلى الحفاظ على التعليم وحمايته من الهجمات.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن استمرار استخدام مباني المدارس مراكز إيواء جماعية، إلى جانب محدودية المساحات الآمنة وتقطع دخول المستلزمات التعليمية، ما زال يعرقل الوصول إلى التعليم وجودته في غزة.

ووفق معطيات رسمية فإن 95 بالمئة من مدارس القطاع لحقت بها أضرار نتيجة القصف الإسرائيلي.

ألم الفقد والانقطاع

وسط هذه الظروف، يستقبل إسماعيل أسعد رضوان (10 سنوات) عامًا دراسيًا مثقلًا بفقدان والده في قصف إسرائيلي بالعام 2025، وبانقطاع عن التعليم وبنزوح أكثر من 5 مرات.

يقول: “قرابة 3 سنوات من الحرب، قضيناها في النزوح والقصف والتشريد، وكلما اعتقدنا أننا استقر بنا الحال وبدأنا نعود للدراسة، كانت أوامر النزوح (الإسرائيلية) تباغتنا وننقطع مجددًا عن الدراسة”.

ويوضح إسماعيل أن الخيام لا توفر لهم حماية من الحر ولا البرد، بل تغرق أحيانًا بمياه الأمطار، ما يوقف الدراسة بالكامل.

ويشير إلى أن الحرب تسببت بتقليص أيام الدراسة الأسبوعية إلى 3 أيام فقط، ولمدة ساعتين أو 3 يوميًا، جراء الاكتظاظ ووجود نازحين داخل الأماكن التعليمية.

يقول إسماعيل إن الانقطاع الطويل تسبب في “حالة من التجهيل”، ولا سيما بين الأطفال الصغار الذين لم يحصلوا على تأسيس تعليمي كافٍ في سنواتهم الأولى.

ويطالب بتحسين ظروف التعليم عبر توفير خيام أفضل أو تأهيل صفوف ومبانٍ تليق بالطلاب، معربًا عن تحمسه لعودة الدراسة لأن حلمه لم يتغير.

وختم قائلًا: “أطمح لأن أصبح طبيبًا في المستقبل، حتى أداوي جراح أبناء شعبي”.

اقتسام المساحة

ووسط خيمة اتُّخذت غرفة لإدارة المدرسة، تستقبل المديرة صبا عودة عددًا من الطلاب وأولياء الأمور قبيل بدء الدراسة.

تقول عودة إن المدرسة التي تستقبل طلبة من المرحلة التمهيدية حتى الصف الخامس الأساسي، تعرضت لقصف إسرائيلي في 8 آب/ أغسطس 2024 أدى إلى تدمير جزئي فيها.

ومع تضرر المبنى وامتلائه بالنازحين، اضطرت الإدارة إلى نصب 6 خيام في الساحة وتحويلها إلى فصول مؤقتة، مؤكدة أن وجود النازحين يؤثر سلبًا على العملية التعليمية.

وتضيف أن المدرسة استأنفت التعليم جزئيًا العام الماضي بجهود وزارة التربية والتعليم والمجتمع المحلي، لكنها بلغت طاقتها الاستيعابية القصوى، وبقي عدد من الطلبة على قوائم الانتظار بسبب الاكتظاظ.

خيام لا تلبي الحاجة

وتشير عودة إلى أن الخيام التعليمية، رغم أنها “تسد جزءًا من الحاجة”، لا يمكن مقارنتها بالفصول الدراسية، بسبب افتقارها إلى الظروف الإنسانية الملائمة للتعلم.

وتقول: “الخيمة لا تستوعب العدد الكافي من الطلبة، ولا توفر العزل المناسب لهم لتلقي تعليمهم بشكل أفضل”.

وتضيف واصفة المشهد: “الخيمة باتت أشبه بالدفيئة الزراعية، لا إضاءة ملائمة ولا تهوية جيدة”.

وتقول إن الحرب أعادت التعليم في غزة سنوات إلى الوراء، بعدما قطعت المدارس شوطًا في استخدام الوسائل الحديثة، مثل السبورات التفاعلية والأجهزة اللوحية وشاشات العرض.

ورغم ذلك، تؤكد عودة أن إقبال التلاميذ على التسجيل يحفّز العاملين في التعليم على مواصلة جهودهم، مضيفة: “أهل غزة ينظرون إلى التعليم باعتباره أولوية، ويتهافتون على المدارس والنقاط التعليمية”.

وتشير إحصاءات رسمية إلى أن فلسطين تتمتع بنسبة تعليم مرتفعة، وقال الجهاز المركزي للإحصاء في تقرير الثلاثاء، إن معدلات الأُمية من الأقل في العالم بواقع 2.1 بالمئة بين الأفراد من 15 سنة فأكثر للعام 2023.

وأوضح أن معدل الأمية من نفس فئة الأفراد في دول غرب آسيا وشمال إفريقيا 19.0 بالمئة بالعام 2022، و13 بالمئة عالميًا في العام ذاته.

“فاقد تعليمي” يصعب تعويضه

ولا يقتصر أثر انقطاع الدراسة على ضياع سنوات تعليمية، بل يمتد إلى التحصيل والسلوك والقدرة على الاندماج في البيئة المدرسية.

وتقول مديرة مدرسة “النصر” إن الفاقد التعليمي الناجم عن 3 سنوات من الحرب “كبير جدًا”، مشيرة إلى تراجع المستويين التربوي والسلوكي لدى الطلاب.

وتشير إلى أن الطلاب يحتاجون إلى دور المدرسة التعليمي والاجتماعي والنفسي بعدما عاشوه من قصف ونزوح وفقد.

ولمعالجة هذا الفاقد، تمكن شركاء قطاع التعليم في غزة خلال النصف الأول من العام 2026 من مساعدة 435 ألف طفل في سن ما قبل المدرسة والمدرسة على الوصول إلى تعلم منظم عبر 610 مساحات تعليم مؤقتة، وفق معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”.

لكن هذه الجهود تظل أقل كثيرًا من حجم الاحتياج، في ظل فجوة تمويلية حادة، إذ لم يتجاوز تمويل نداء قطاع التعليم لعام 2026 نسبة 10 بالمئة حتى منتصف العام، وفق الأمم المتحدة.

انعدام الخيارات

والدة الطفلة سجى أبو القرع تنتظر إتمام إجراءات التحاق ابنتها بالصف الثاني الأساسي في مدرسة “النصر”.

تقول أبو القرع إن الخيام “لا تلبي الحد الأدنى من ظروف التعليم”، لكن الأهالي مضطرون إلى التماشي مع الواقع مهما كان قاسيًا، في غياب البدائل.

وتضيف أن إعادة الأطفال إلى الدراسة أصبحت ضرورة بعد ما فاتهم خلال الحرب، معربة عن أملها في تأهيل المدارس وإعادة الطلبة إلى صفوفهم، وداعية الجهات الدولية إلى دعم المنظومة التعليمية.

ومنذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ترتكب إسرائيل بدعم أمريكي إبادة جماعية في غزة، خلّفت أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 174 ألف جريح، ودمارًا طال 90 بالمئة من البنى التحتية.

وخلال الحرب، قتلت إسرائيل أكثر من 20 ألفًا و51 طالبًا وما يزيد على 532 معلمًا، ودمرت كليًا عشرات المدارس، فيما تقلص الدوام من 200 يوم دراسي قبل الحرب إلى 60 يومًا خلال العام 2025-2026، وفق وزارة التربية والتعليم العالي بغزة.

ومن المقرر أن يلتحق نحو 541 ألف طالب وطالبة بالعام الدراسي الجديد، وسط نقص حاد في المدارس والفصول والتجهيزات التعليمية.

(الأناضول)



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *