اليد تكتشف


في عالم الفوضى والكوارث والحروب والزيف، لا نستطيع أن نثق إلا بالجمال، والتميّز الفني هو الدين الجديد للعصر، لأنه يستعصي على الفساد.
أول ما يُلفت نظرك وأنت تواجه عبد الزهرة زكي عيناه؛ الحدقتان بلون العشب الأخضر عندما يبهت في ضوء الغروب، مع لون رمادي فرح غير واقعي وغير حقيقي، يُهجس ولا يُرى. لكن السحر في الشعر لا يمت بصلة إلى الواقع، وإلا بطل مفعوله وصار لا شيء، ومصدره لدى شاعرنا هو الصبغة الرمادية في الحدقتين.
مسحة الحزن الدائم في ملامحه تصلك حتماً وأنت تجالسه، بالإضافة إلى العزلة التي فرضها على نفسه في مدينته وبين ناسه، كلّ هذا وغيره يؤكد أن الشعر العظيم يولد من شعور قوي بالوحدة يؤلم القلب؛ من يمضي وحيداً يأخذ معه الآخرين، يتعرّق من أجلهم دم روحه باستمرار، ولك أن تعدّ هذا أحد تعاريف الشعر.
نشر عبد الزهرة زكي كتابه الشّعريّ الأول «اليد تكتشف» عام 1993، في وقت كان عبد الوهاب البياتي يتأهّب لمغادرة السّاحة، وسعدي يوسف من منفاه يُثبت يوماً بعد آخر أنه شاعر العراق والعرب الأوّل. كان اسمُ حسب الشيخ جعفر قد فَقَدَ بريقه منذ زمان، وعقيل علي يأتينا في ساعات جدّه بالعجائب. في البصرة، مدينة السيّاب وسعدي، كان نجم محمود البريكان يزداد إشراقاً وبُعداً، وحسين عبد اللطيف أثبت أنه شاعر نادر ورفيع منذ حوالي عقدين، بينما الفتى طالب عبد العزيز يُجري تمارين الإحماء. أخيراً كزار حنتوش؛ شاعرٌ يُدهشني ولا يذكره النقد كثيراً، لعلّ السبب يعود إلى صعلكته وكحوليته، فهو صديق عقيل علي ولكن يختلف عنه كثيراً في الصّنعة.
في ذلك العهد كان الشابّ عبد الزهرة عائداً من حرب الثماني سنوات وحرب غزو وتحرير الكويت. أكثر من عقد من العيش وسط النار، لكن بمقدور اليد أن تقوم بأفعال غير حمل السّلاح. فهي تقول الكثير عن المرء، ظاهره وباطنه، وفي راحتها خارطة طرقه، ما سلكه منها وما لم يسلكه بعد. في الموروث العراقي رسمة لكفّ تتوسطها عين بمقلة واسعة. هل هي عينُ (يد) الشاعر؟
«أفرِّط الذهبَ الذي يتبقى في يدي،
حيث لا أبصره،
على جسدِك
*
اليدُ تكتشف… والجسدُ يتحرّر».
تعود رسمة الكفّ إلى عهد السومريين، وربما أبعد من ذلك. لا أريد الخوض في دلالتها الرّمزية، لأنها اختلفت مع تغيّر العصور. أحياناً ننظر في يد ونبحث فيها عن عين، أو ننظر في عين فنرى فيها يداً. وهناك من يعتقد بأن عين يده ضعيفة أو قاصرة عن النظر، فيسندها بخاتم كعين إضافية، أو بخاتمين وأكثر. للشاعر حسين عبد اللطيف في إحدى قصائده هذه الخلاصة:
«يدي.. يا يدي المستحيلة/ ألا تنظرين الذي حلّ بي.. من يديكِ!/ ألا تنظرين ذبول الورود الجميلة…». يخاطب الشاعر يديه معاتباً، وكان يرى فيهما صورة لمنتهى وجهه وغايته، ولطريقة تفكيره أيضاً ومزاجه وسريرته وسيرته.
سعدي يوسف هو القائل: «عيناي يد امرأة». اختار لهما الحنوّ والرّقّة، بالإضافة إلى القدرة على الخلق، وهذه صفة عامة لدى جميع من يسكن أرض الفن.
قد يكون الشميم الثاقب سبيلاً إلى القصيدة، وكذلك الملمس، خشنه وناعمه، وما يُحسّ عن بُعد. يحدث ذلك حين يمرّ الشاعر بحالة في النفس فوق طبيعية، يتجلى عندها عمق الحياة في أي مشهد يتاح لأي من الحواس، مهما كان عادياً. الأذن، مثلاً، تستطيع أن تقوم بعمل اليد التي تكتشف:
«ليس في البناية 32 ديك/ ليوقظه/ ويوقظ معه سكّان البناية عند الفجر».
القصيدة من «الديوان الغربي للشاعر الشرقي 2018»، كتبه عبد الزهرة زكي في رحلته إلى ألمانيا؛ بدلاً من الطائر الأرضي الذي تنفلق لصياحه السماوات، يوجد في المبنى الذي سكن فيه الشاعر كلبٌ ينبح، ويؤدي هذه المهمة:
«يواصل الكلب نباحه في العادة لدقيقة/ أو اثنتين/ تكون البنايةُ خلالهما قد استيقظت تماما/ وتفتّحت أبوابُ شقق…».
هو الزمن الذي يستغرقه الديك فجر كل يوم، عندما ينبّه الخلائق. غير أن للديك ميزة أنه لا يصيح إلا في وقت السلم واستتباب الأمان، بينما الكلب يهيج وينبح وينهش أعقابنا أكثر من المعتاد، في أوقات الشدّة والاضطراب.
ميزة الشّعر الحديث أنه يهتمّ بالخفايا والألغاز، وبالتّعقيدات التي يعيش الإنسان تحت سطوتها، ومنها تتكوّن حياته. العالم يسوده الظّلم أينما اتجهت ببصرك، وقراءة الشّعر عمل جاد، لا مجرّد وسيلة للهروب من الواقع أو تحريفه بالوهم. إنها المحاولة الأكيدة لترميم روح العصر، عبر صنع واقع أصيل غير مزيّف بالمؤامرات والمخاتلة والخيانة. كان الأوّلون يخلطون النّبوّة بالشّعر، أو يجمعون بينهما، لأن من أمارات الشّاعر عندهم الرّؤية العميقة الشّاملة للوجود. جاء في الذِّكر: «كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون» (الانفطار: الآية 11).
قصيدةُ «مصير» قرأتُها في حانة صاخبة لا تعرف فيها كوعك من شدة الازدحام من بوعك، ولم أضع عليها إشارة، أو أنقل منها اقتباساً، كما جرت العادة فيما يصادفني عند القراءة ويعجبني، لغرض العودة إليه. قرأتها تماماً ونسيتها تماماً. لكنّ ذاكرة الإنسان تعمل وفق قوانين لم يكتشفها العلم حتى الآن، وبإمكان الأدب أن يسهم ويقدّم المساعدة.
بعد حوالي شهر، أيقظني من النوم الصيّادُ الفقير منحوس الحظ، بطل القصيدة: «كان النهرُ، هو الآخرُ، منشغلاً بالأسماك/// الصيّادُ الذي يأتي كلَّ فجر، بسنّارتِه، وسلّتِه الفارغة، وبأملٍ ما/ عادَ الظهيرةَ أدراجَه قانطاً وحزيناً/ سلّتُه في يدِه خاوية/ وعيناه تلتفتان/ صوبَ أملٍ تركَه يابساً عندَ النهر/ وفمُه يتمتم/……./ ……/ النهرُ، هو أيضاً، وقد خلا من سكّانه، أمواجُهُ راكدة/ وصامتٌ عليها قشٌّ أسودُ وديدان ميتة/ وموحشةٌ فيها المياه، يلتفتُ بوجوم وغضب/ نحوَ صيّادٍ يقفلُ عائداً إلى منزلِه».
إن ذاكرة الإنسان مجبولة على العناد، فهي تمسك ما تريد بقوة، وتُزيده الأيام لمعاناً وثباتاً، وللنفس غير العاقلة فينا، التي تُدعى باسم غامض هو «اللاوعي»، دورٌ أيضاً في بعث ما نريد وما لا نريد، من أحداث ومشاهد وأقوال إلى الحياة ثانيةً، بعد أن همدت ونامت وماتت.
ينهض الشّعر العظيم في الذاكرة رغم حرائق النسيان والإهمال وفوضى الحياة، فهو من اختصاص النفس غير العاقلة، تلك القابعة في الظلام، ولا دور للعقل بالأمر البتّة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *