الصحافيون المغاربة يستعدون لانتخاب ممثليهم في «المجلس الوطني» وسط جدل التوقيت وصراع التنظيم الذاتي



عبد العزيز بنعبو

الرباط – «القدس العربي»: ينشغل المشهد الإعلامي المغربي هذه الأيام بانتخابات مهنية، سيختار من خلالها الصحافيون ممثليهم في المجلس الوطني للصحافة. وقد حدد موعد التصويت في 15 من أيلول/ سبتمبر الحالي، وذلك على بعد أيام قليلة جداً من موعد الاقتراع في الانتخابات التشريعية المقررة في 23 من الشهر نفسه، وهو ما دفع بعض المنتقدين إلى اعتبار هذا التزاحم نوعًا من التسرع.
عدد من الهيئات المهنية النقابية، وعلى رأسها «النقابة الوطنية للصحافة المغربية» و»الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال»، قررت المشاركة في هذا الاستحقاق. وبذلك تتجه أنظار الأسرة الإعلامية المغربية إلى هذا الموعد باعتباره أول اختبار حقيقي لإعادة ترتيب البيت الصحافي وتشكيل المجلس بعد سنوات من الخلافات التي أحاطت بتدبيره وبمستقبل نظام التنظيم الذاتي للمهنة.
ورغم وجود أصوات معترضة على التوقيت والطريقة وحتى مكاتب التصويت، فإن غالبية الصحافيين يرون في هذه الانتخابات فرصة لتجديد دماء هياكل المجلس الذي طاله الكثير من الفتور وصار هدفًا لمختلف الانتقادات، خاصة في ظل ما وصف بمحاولة الوزارة الوصية (الشباب والثقافة والتواصل) فرض صيغتها للتنظيم الذاتي. لذلك، تدخل هذه المحطة في إطار السعي لتمكين المؤسسة من استئناف أدوارها الدستورية والقانونية في تأطير المهنة وتنظيمها والدفاع عن أخلاقياتها. وقد أنيط باللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الإشراف على مختلف مراحل العملية الانتخابية وصولاً إلى الإعلان عن النتائج النهائية.
وتنبع أهمية المجلس من كونه الهيئة المكلفة بتنظيم المهنة ذاتيًا، إذ يشرف على احترام أخلاقيات العمل الصحافي، ويبت في القضايا التأديبية، ويساهم في حماية حرية الصحافة، كما يتولى منح بطاقة الصحافة المهنية وإبداء الرأي في القضايا المرتبطة بتطوير القطاع.
وعلى بعد أيام من موعد توجه المهنيين إلى صناديق الاقتراع في مكاتب للتصويت عبر مختلف أقاليم المغرب، تظهر منشورات عبارة عن ملصقات للمرشحين تتصدر واجهة مواقع التواصل الاجتماعي، هي بمثابة حملة انتخابية تبرز فيها مجموعة من الشعارات والقضايا المشتركة التي يرددها المرشحون، دون اختلاف كبير في العناوين الكبرى.
ومن خلال قراءة لأبرز الشعارات، تبدو الأولويات متقاربة بين معظم المرشحين، إذ يركزون على تحسين الأوضاع الاجتماعية للصحافيين، وتعزيز استقلالية المجلس، وتطوير التدريب المهني، ومواكبة التحولات الرقمية التي يعرفها القطاع، غير أن عددًا من المهنيين يرونها مجرد شعارات قد لا تتحول إلى إجراءات ملموسة.
وكانت اللجنة المكلفة بمهام المجلس قد كشفت قبل مدة عن القائمة النهائية للمرشحين المقبولين، وحصرت عددهم في 39 صحافياً، وستجري هذه الانتخابات بنمط الاقتراع الفردي، وفي ظل قانون أثار الكثير من الجدل والشد والجذب بين الوزارة والنقابات المهنية وحتى هيئات الناشرين.

39 مرشحا في سباق «إعادة بناء الثقة»

وعلى الرغم من الانتقادات التي اعتبر أصحابها أن هذه المحطة طبعها التسرع، واضعين علامات استفهام حول الغاية منها، فإن الإقبال على الترشح كان كبيرًا، إذ كشفت اللوائح عن تنوع كبير في الخلفيات المهنية للمرشحين، بين ممثلي الإعلام السمعي البصري بشقيه العمومي والخاص (ومنها القناة الثانية «دوزيم» والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة)، والحرص على تمثيلية الصحافة المكتوبة بشقيها الورقي والإلكتروني.
وبالنسبة للترشيحات النسائية، تسجل المرأة الصحافية حضورًا ملحوظًا بثماني مرشحات، وهو ما يؤكد تنامي حضور النساء في مواقع المسؤولية داخل المؤسسات الإعلامية ودورهن في تدبير الشأن المهني.
ولم تمر الحملة الانتخابية للمرشحين دون انتقادات، وانقسمت الآراء بين من يعتبرها فرصة لإعادة بناء الثقة داخل الجسم الصحافي، وبين من يرى أن نجاح المجلس المقبل سيظل رهينًا بقدرته على تجاوز الانقسامات التي طبعت السنوات الأخيرة وترسيخ استقلاليته عن مختلف مراكز التأثير.
لكن هناك فئة من الصحافيين الذين قدموا قراءة لمحتوى الشعارات، ومنهم الحسين أيت بيهي الذي استهل تدوينته بعنوان: «لا لحالات تسلل في المجلس الوطني للصحافة»، منتقدًا السطحية التي تطبع حملات المرشحين، ومبرزًا أنهم اكتفوا بعرض السير الذاتية والشعارات العاطفية دون تقديم خطط عمل واقعية ومحددة للترافع عن المهنة.
ورفض صاحب التدوينة التصويت لأي مرشح لا يقدم أفكارًا عملية لتحسين الأوضاع المادية والتنظيمية للصحافيين، كما طالب المرشحين بالتركيز على رفع الأجور، وتطوير نظام التقاعد لحفظ كرامة الصحافيين بعد الستين، ودعم المقاولة الصحافية، محذرًا من استغلال ثغرات القوانين المنظمة للوصول إلى المجلس بغرض تحصيل التعويضات المادية والشخصية فقط.
وفي تدوينة مماثلة، ناقش الصحافي حسن بنطالب رهانات انتخابات التمثيلية المهنية للصحافيين المغاربة ودورها في مواجهة التحولات الراهنة، مشددًا على ضرورة تجاوز غياب معرفة المرشحين والارتهان للعلاقات والشعارات الفضفاضة، عبر اعتماد برامج عملية محددة بأهداف وآليات قابلة للقياس والتقييم. وبدوره، اعتبر تحسين الأجور، والحد من الهشاشة، وتوفير الحماية الاجتماعية، شروطًا أساسية لضمان استقلالية الصحافي وجودة المنتج الإعلامي، إلى جانب مواكبة التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي. ويرى أن على الصحافيين عدم الاكتفاء بالتصويت، بل الانتقال إلى ممارسة الرقابة والتقييم الدوري لحصيلة الممثلين المنتخبين، على غرار معايير المساءلة التي يطالب بها الصحافي في العمل السياسي.
هذا الجدل بين مؤيد ومعارض ومتحفظ على الطريقة والتوقيت، يؤكد معطى أساسيًا، وهو ما تكتسيه هذه الانتخابات من أهمية خاصة بالنظر إلى السياق الذي تجرى فيه. فالمجلس الوطني للصحافة شهد خلال السنوات الماضية حالة من التوتر والصراع بين عدد من الفاعلين المهنيين حول تدبير المؤسسة واختصاصاتها وطرق تجديد هياكلها. وقد أدى تعثر تنظيم الانتخابات في الآجال المحددة إلى إحداث «لجنة مؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر»، قبل أن يتم لاحقًا اعتماد قانون جديد لإعادة تنظيم المجلس، تضمن مقتضيات انتقالية أحدثت لجنة مؤقتة جديدة للإشراف على المرحلة الانتقالية والتحضير للانتخابات الحالية.
كما عاش المشهد الإعلامي المحلي على إيقاع مواقف متباينة بين عدد من التنظيمات النقابية والمهنية، تمحورت حول كيفية تدبير المرحلة الانتقالية ومستقبل مؤسسة التنظيم الذاتي. وفي المقابل، ما فتئت وزارة الشباب والثقافة والتواصل تؤكد أن الهدف من الإصلاحات القانونية والإجراءات الانتقالية هو ضمان استمرارية المؤسسة وتهيئة الظروف القانونية والتنظيمية الكفيلة بإجراء انتخابات جديدة في إطار من الشفافية واحترام القانون.
وحسب بعض المتتبعين، فإن الرهان الأساسي المطروح اليوم لا يقتصر على انتخاب أعضاء جدد للمجلس، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة الاعتبار لفكرة التنظيم الذاتي للصحافة، وتعزيز الثقة بين مختلف مكونات القطاع، وتمكين المؤسسة من الاضطلاع بأدوارها في حماية حرية التعبير وتطوير الممارسة المهنية في سياق يشهد تحولات فرضتها الرقمنة وتغير أشكال الإنتاج الإعلامي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *