متابعة/المدى
أفادت السلطات السعودية، الثلاثاء، بإصابة أكثر من 70 شخصاً واندلاع حرائق في عدة مواقع، بينها قاعدة الملك خالد الجوية العسكرية ومطار أبها الدولي ومنشآت تابعة لشركة أرامكو النفطية الحكومية في أبها وجيزان، إثر هجمات شنتها جماعة أنصار الله “الحوثيون” باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ.
وقالت السلطات إن الهجمات أسفرت عن إصابة 73 مدنياً في المملكة، فيما تعهد التحالف الذي تقوده السعودية بالرد بحزم، بالتزامن مع تصاعد القتال في اليمن خلال الأيام الأخيرة.
وأكدت وزارة الخارجية السعودية، في بيان، “حقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها”، مشددة على “ضرورة الوقف الفوري لكافة أشكال التصعيد الذي تمارسه تلك الميليشيا، وتهديداتها المتواصلة لأمن الملاحة البحرية”.
في المقابل، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع، شن عملية عسكرية واسعة في العمق السعودي.
وقال سريع، في بيان عبر منصة “إكس”، إن “القوات المسلحة اليمنية” نفذت “عملية عسكرية نوعية وواسعة”، استهدفت شركة أرامكو في أبها ونجران والمدينة الاقتصادية وأرامكو جيزان، إضافة إلى قاعدة خميس مشيط الجوية، باستخدام عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وأضاف أن الإصابات كانت “دقيقة ومباشرة” وتسببت بأضرار كبيرة في المنشآت المستهدفة، مشيراً إلى أن الهجمات جاءت رداً على شن الرياض “121 غارة جوية” في اليمن خلال الأيام الثلاثة الماضية.
وحمل سريع السعودية مسؤولية التصعيد، متوعداً بأن “كل اعتداء على بلدنا وشعبنا سيقابل برد حازم”، ومؤكداً استمرار الحوثيين في تنفيذ عمليات باتجاه العمق السعودي واستهداف التحشيدات، و”تثبيت معادلة الحصار بالحصار”، حتى وقف ما وصفه بالعدوان ورفع الحصار عن اليمن.
وتأتي الهجمات بالتزامن مع أعنف موجة قتال يشهدها اليمن منذ سنوات، بعدما شن الحوثيون، منذ الخميس، هجوماً برياً تزامن مع قصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مناطق ساحلية مطلة على البحر الأحمر وفي محيط تعز، في محاولة للتقدم نحو مناطق متاخمة لمضيق باب المندب الاستراتيجي والخاضعة لسيطرة الحكومة.
وفي السياق، أدانت مصر “بأشد العبارات” الهجمات الحوثية على عدة مواقع في جنوب السعودية، معتبرة إياها “تصعيداً خطيراً وانتهاكاً لسيادة المملكة وتهديداً لأمن وسلامة شعبها”.
وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان صباح الثلاثاء، إنها تعرب عن تضامنها الكامل مع السعودية، مشددة على أن “أمن المملكة جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي”.
تطورات ميدانية في اليمن
وتضاربت الأنباء بشأن سير المعارك في اليمن، في وقت أعلن فيه كل طرف تحقيق مكاسب ميدانية.
وأفادت صحيفة “فايننشال تايمز” بأن منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو السعودية في جيزان تعرضت لهجوم جديد، بعد شهر فقط من ضربة منفصلة أدت إلى تعطيل جزء من إنتاج مصفاة الشركة في المنطقة بشكل مؤقت.
واتهم الحوثيون السعودية بشن غارات جوية وإطلاق صواريخ كروز على محافظات الجوف والبيضاء ومأرب وتعز يوم الاثنين.
وقالت وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” التابعة للحوثيين إن السعودية استهدفت المحافظات الأربع بعدد من الغارات الجوية وصواريخ كروز، فيما أعلن الحوثيون إسقاط طائرة استطلاع سعودية، صباح الاثنين، في أجواء محافظة البيضاء وسط البلاد.
وقال المتحدث باسم قوات الحوثيين، العميد يحيى سريع، إن قواته أسقطت طائرة استطلاع مسلحة من طراز “وينغ لونغ 2″ أثناء قيامها بـ”مهام عدائية” في أجواء محافظة البيضاء، مؤكداً أنها استُهدفت “بسلاح مناسب”.
وأشار إلى أن الطائرة هي الثالثة التي تسقطها جماعة “أنصار الله” خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
ولم تعلن السعودية مسؤوليتها عن الغارات والصواريخ التي تحدث عنها الحوثيون، كما لم تؤكد إسقاط أي من مسيّراتها.
في المقابل، أعلنت القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ومقرها عدن جنوبي البلاد، تنفيذ عمليات واسعة على عدة جبهات، مؤكدة استعادة مواقع وإفشال محاولات تسلل للحوثيين.
وقالت القوات الحكومية، المدعومة عسكرياً وسياسياً من الرياض، إنها نفذت 13 غارة جوية على مواقع وتجمعات وآليات تابعة للحوثيين في محافظة البيضاء، إلى جانب غارات أخرى على مواقع وتجمعات ومعسكرات للحوثيين في جبهات مأرب ومناطق أخرى.
وأعلنت وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” التابعة للحكومة اليمنية، أن قواتها سيطرت، الاثنين، على نقيل وجبل الكورة في جبهة الكدحة بمديرية مقبنة غربي مدينة تعز، عقب مواجهات عنيفة مع الحوثيين.
ويعد جبل الكورة من المواقع الجبلية الحاكمة والمطلة على أجزاء من منطقة الكدحة، ويمر عبره الطريق الرابط بين مدينتي تعز والمخا على الساحل الغربي.
كما أكد مصدر عسكري حكومي أن “القوات المسلحة تمكنت من تثبيت مواقع لها شمال مدينة حيس، بعد تقدمها في المنطقة”، في إشارة إلى المديرية الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي لمحافظة الحديدة، على خط المواجهة وعلى بعد أقل من 30 كيلومتراً من ساحل البحر الأحمر.
وبدأت موجة القتال الأخيرة بعدما شن الحوثيون، الخميس، هجوماً واسعاً على جبهات الساحل الغربي للبحر الأحمر وفي محيط تعز، تزامن مع قصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في محاولة للتقدم نحو مناطق متاخمة لمضيق باب المندب الاستراتيجي والخاضعة لسيطرة الحكومة، ما أدى إلى تصعيد كبير في المواجهات مع القوات الحكومية.
استهداف منشآت أرامكو
ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن شخصين مطلعين أن البنية التحتية النفطية لأرامكو في جازان تعرضت لضربة الاثنين، فيما يجري تقييم حجم الأضرار.
وأشار أحد المصدرين إلى أن الهجوم الأخير كان مماثلاً من حيث الحجم للضربة التي وقعت الشهر الماضي، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
وتقع جازان قرب الحدود اليمنية، وسبق أن تعرضت لهجمات عدة من الحوثيين، وتضم المنطقة مصفاة نفط بطاقة تكريرية تبلغ 400 ألف برميل يومياً، وهي من بين أكبر المصافي في المملكة، إلى جانب منشآت مرتبطة بها وبنية تحتية للطاقة.
وكان الرئيس التنفيذي لأرامكو أمين الناصر قد أعلن الشهر الماضي أن الهجمات تسببت في بعض الانقطاعات في إنتاج الشركة النفطي، من دون أن يكون لها تأثير جوهري على عملياتها أو وضعها المالي، فيما لم ترد أرامكو فوراً على طلب الصحيفة للحصول على معلومات بشأن الهجوم الأخير.
وبحسب مصادر عسكرية حكومية تحدثت إلى وكالة فرانس برس، فإن أحد الأهداف الرئيسية لهجوم الحوثيين يتمثل في عزل مدينة المخا الساحلية، الخاضعة لسيطرة الحكومة، عن بقية المناطق الواقعة تحت سيطرتها، إلى جانب محاولة التقدم باتجاه المناطق القريبة من مضيق باب المندب.
وتعرضت مدينة المخا خلال الشهر الماضي لهجمات متكررة، فيما حذرت الحكومة اليمنية في أغسطس الماضي من خطط حوثية للسيطرة على ساحل باب المندب، محذرة من أن أي تغيير في خريطة السيطرة على المنطقة قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود اليمن، خصوصاً على حركة الملاحة الدولية.
تحذير أممي من توسع النزاع
وحذر المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، الاثنين، من أن هجوم الحوثيين “أدى إلى تصاعد حدّة الاشتباكات، ما ينذر بتوسع النزاع”.
وقال إن “العودة إلى قتال واسع النطاق ومستدام ستكون لها عواقب وخيمة على المدنيين، وستزيد من صعوبة المسار الصعب أصلاً نحو التوصل إلى تسوية سياسية”.
وأسفرت الاشتباكات بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين جنوب غربي اليمن عن مقتل أكثر من 300 مقاتل وعدد من المدنيين منذ الخميس، بحسب حصيلة لوكالة فرانس برس استندت إلى مصادر عسكرية وطبية من الطرفين.
وأفاد مصدران عسكريان في القوات الحكومية بمقتل 84 من أفرادها بين ظهر السبت وصباح الأحد، بينما أفادت أربعة مصادر من جانب الحوثيين بمقتل 57 من أفرادهم خلال الفترة نفسها.
كما دفعت المعارك عدداً من العائلات إلى الفرار من منازلها في المناطق التي تشهد اشتباكات.
معسكر اللبنات الاستراتيجي
وفي محافظة الجوف على الحدود اليمنية السعودية شمالاً، تواصل القتال للسيطرة على معسكر اللبنات الذي كان تحت سيطرة الحوثيين.
وأعلنت القوات الحكومية دخول المعسكر، إلى جانب السيطرة على قرية المساعفة قرب مدينة الحزم، فيما لم يصدر عن الحوثيين بيان يؤكد أو ينفي هذه التطورات.
وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي إن وزارة الدفاع استخدمت في العملية “قدرات نوعية أُدخلت الخدمة حديثاً، تمكنت من تدمير وتحييد قدرات وعناصر الحوثي في المعسكر”.
وتنبع أهمية معسكر اللبنات من موقعه شرقي مدينة الحزم، عاصمة محافظة الجوف، وعلى محور طرق مهم يربط الجوف بصنعاء وصعدة، كما يكتسب أهمية بالنسبة إلى خطوط الحركة بين الجوف ومأرب.
ومن شأن السيطرة على المعسكر التأثير في طرق إمداد الحوثيين وتسهيل تحرك القوات الحكومية في المنطقة، فضلاً عن وقوعه على طرق تؤدي نحو صعدة وعمران، وهما من أبرز مناطق نفوذ الحوثيين، ما جعله طوال سنوات الحرب هدفاً متكرراً للعمليات العسكرية من الطرفين.
وأفادت تقارير محلية بأن الحوثيين استخدموا المعسكر خلال السنوات الماضية موقعاً عسكرياً ومخزناً للأسلحة والذخائر، ونقطة لتحريك القوات باتجاه جبهات مأرب والجوف.
عودة التصعيد الإقليمي
وعاد اليمن في يوليو الماضي إلى واجهة التصعيد الإقليمي، مع تجدد المواجهة بين الحوثيين والسعودية على وقع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وبدأت المواجهات بعدما اتهم الحوثيون الرياض بقصف مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية فيه، قبل أن يعلنوا فرض حصار بحري على السعودية ويستأنفوا استهداف ناقلاتها ومنشآتها النفطية.
وأدى ذلك إلى إنهاء الهدنة مع الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، والتي كانت قد بدأت عام 2022، لتدخل البلاد مجدداً في موجة تصعيد عسكري واسعة.