لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمعلقة نسرين مالك قالت فيه إن المخططات الرامية إلى تهجير الفلسطينيين قسرا من غزة لا تروج لها أصوات هامشية، ومع ذلك يواصل المجتمع الدولي غض الطرف.
وقالت إن الفجوة ظلت شاسعة بين ما يرتكب بحق الفلسطينيين وبين رد الفعل المناسب من جانب المجتمع الدولي، إلا أن هذه الفجوة باتت الآن واسعة لدرجة أنها تبتلع الواقع ذاته.
ففي حين تتزايد تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل من دول مثل ألمانيا، يظل الحديث عن تدابير أكثر صرامة أو فرض عقوبات من جانب دول أوروبية أخرى مجرد كلام لا يتجاوز حدود التصريحات.
في حين تتزايد تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل من دول مثل ألمانيا، يظل الحديث عن تدابير أكثر صرامة أو فرض عقوبات من جانب دول أوروبية أخرى مجرد كلام لا يتجاوز حدود التصريحات
ويستمر قتل الناس في غزة، وتظل العائلات الفلسطينية محاصرة في الضفة الغربية، بينما لا يحاول اليمين السياسي الإسرائيلي إخفاء حقيقة أن هذه الانتهاكات متعمدة، وذلك من خلال إطلاع العالم على آماله وخططه.
وعرضت الكاتبة آخر التطورات، ففي يوم الخميس، قدم وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، تفاصيل مخطط للتطهير العرقي غير القانوني لجميع الفلسطينيين من قطاع غزة. كما نشر مقطع فيديو، حذف لاحقا، تم إنتاجه بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر رجالا فلسطينيين يصعدون على حزام متحرك لينقلوا إلى مراكز الاحتجاز، ويخرجون منه وقد بدت عليهم علامات الهزال والدموع. وقبل بضعة أيام أيضا، صرح وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، بأن البلاد “منظمة ومستعدة” لطرد الفلسطينيين من غزة “بكل السبل الممكنة”.
وقالت مالك إن فصول هذا المشهد المروع تتكشف بشكل مستمر بدرجة يفقد العرض مصداقيته يوما بعد يوم. ففي حين تعد “هيئة السلام” بأن غزة ستشهد “إعادة تطوير لصالح” سكانها، يعبر السياسيون الإسرائيليون باستمرار وتكرار عن فكرة مفادها أنه لا يمكن السماح لهؤلاء الفلسطينيين أنفسهم في غزة بالازدهار، وهو ما يجعل تلك التصريحات تبدو مثيرة للسخرية.
وفي الشهر الماضي، أشار الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، غيورا آيلاند، إلى حقيقة أن قبول إسرائيل لخطة دونالد ترامب المكونة من 15 نقطة كان مسألة تكتيكات عسكرية مؤقتة، وليس سعيا لتحقيق سلام طويل الأمد؛ إذ قال: “ليس لدى إسرائيل أي مصلحة في إعادة إعمار غزة، بل من الأفضل لنا أن تظل مدمرة لأجيال قادمة”.
كما يحضر موشيه فيغلين، الذي كان ينظر إليه سابقا باعتباره شخصية “منبوذة من أقصى اليمين”، على مقربة من تولي منصب وزاري، وذلك بفضل تحالفه مع حزب “الصهيونية الدينية” بزعامة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وذلك وفقا لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”.
وفي مقابلة أجريت معه قبل فترة، قال فيغلين إن من يرفضون مغادرة قطاع غزة يجب إجبارهم على ذلك “بشتى الطرق الممكنة، إذ سنقطع عنهم إمدادات المياه، على سبيل المثال”.
وتعلق مالك بأنه غالبا ما يتم التعامل مع هذا النوع من التصريحات، الصادرة من داخل أروقة الحكومة ذاتها، على أنها لا تعبر عن موقف الدولة الإسرائيلية الرسمي، كما ينظر إليها، في ظل اقتراب موعد الانتخابات، على أنها مجرد خطاب انتخابي مثير للجدل، ولكنه يفتقر إلى الجدية الفعلية. غير أن شخصيات مثل بن غفير وكاتس ليسا مجرد أصوات هامشية، بل هما وزيران يتوليان حقائب تنفيذية ذات تأثير بالغ الأهمية، مثل الأمن والدفاع، وقد وظفا هذه المناصب بالفعل للدفع بسياسات تتسق تماما مع تصريحاتهما.
فقد أعاد بن غفير فتح سجن “راكيفيت” الواقع تحت الأرض، وهو سجن كان قد أُغلق في ثمانينيات القرن الماضي لافتقاره إلى المعايير الإنسانية.
كما نجح في الدفع نحو إقرار عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات “إرهابية”، واحتفل بإقرار هذا التشريع بتقديم كعكة صممت على شكل حبل مشنقة. وتجدر الإشارة إلى أن ممارسات التعذيب والانتهاكات الجنسية في السجون الإسرائيلية موثقة على نطاق واسع، وقد أدى تفشي الانتهاكات الجنسية تحديدا إلى إدراج إسرائيل في القائمة السوداء للأمم المتحدة المتعلقة بالعنف الجنسي في مناطق النزاع. وكثيرا ما يردد بن غفير عبارة: “لقد وعدنا، ووفينا بوعدنا”.
نجح بن غفير في الدفع نحو إقرار عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات “إرهابية”، واحتفل بإقرار هذا التشريع بتقديم كعكة صممت على شكل حبل مشنقة
أما كاتس، فقد وافق على أكبر عملية توسع استيطاني في الضفة الغربية منذ عقود، مبررا هذه الخطوة بأنها “تحول دون قيام دولة فلسطينية قد تشكل خطرا على إسرائيل”. وعمل مؤخرا على شرعنة البؤر الاستيطانية الزراعية في الضفة الغربية، وأصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي بنقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، وهي خطوة خفية تمهد الطريق نحو الضم الفعلي للأراضي.
وقد علق عضو الكنيست أحمد الطيبي في صحيفة “هآرتس” في وقت سابق من هذا العام، بأن هناك وهما متجذرا في صميم السياسة الإسرائيلية، إذ تسير جهود الساسة لشرح وتبرير السياسات أمام الرأي العام الدولي وكأن “العنصرية والتطرف اللذين يوجهان سياسة الحكومة حاليا لا وجود لهما إلا في الهوامش”، في حين أنهما في الواقع يقعان في صلب كيان الدولة.
وتساءلت مالك: لو كانت بعض التصريحات الأكثر تطرفا مجرد دعاية انتخابية، فماذا يعني ذلك بالنسبة لضوابط الخطاب في البلاد حين تكون الحملة الانتخابية قائمة على التطهير العرقي الجماعي؟ وماذا يعني ذلك، ليس فقط لمستقبل غزة، بل لجميع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة الذين يرزحون تحت وطأة هدم المنازل، واعتداءات المستوطنين المتشددين، وضم الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع؟
وتابعت: حتى لو كانت هذه الشخصيات تمثل أقلية، سواء من حيث عدد المقاعد في الكنيست أو النسبة للناخبين الذين صوتوا لها، فإنها تظل ممسكة بمفاتيح السلطة، إذ لا يوجد حراك داخلي ملموس ضدها، كما أن بقية أركان النظام عاجزة عن إيقافها أو تفتقر إلى الإرادة للقيام بذلك.
فالتفاصيل المتعلقة بحجم قاعدتهم الانتخابية أو مدى تمثيلهم للإسرائيليين عموما لا تشكل أدنى فارق بالنسبة لمصير الفلسطينيين الذين وضعوا تحت سلطتهم التنفيذية.
والسؤال المطروح الآن هو: لماذا لا تؤخذ تصريحات هؤلاء الأشخاص على محمل الجد؟ ولماذا تغيب حالة الحاجة الماسة أو الشعور بالغضب إزاءها؟ ولماذا لا تؤخذ هذه السياسات والأهداف المعلنة للدولة الإسرائيلية بجدية، ولا تقابل بالعقوبات المناسبة وحظر التجارة والأسلحة والإدانة الدولية؟ وأجابت أن هناك تفاوتا صارخا فيما يتعلق بكيفية النظر إلى تأثير الخطاب والأفعال الإسرائيلية، فعلى سبيل المثال، أصبحت عبارة “من النهر إلى البحر”، عندما تصدر عن الفلسطينيين ومؤيديهم، وصمة تستوجب الإدانة وتحظر ممارستها، في حين أن التفسير الأكثر تطرفا لهذه العبارة، أي وجود شعب واحد صاحب سيادة في تلك الأرض، يعد أمرا شائعا ومألوفا في إسرائيل.
صرف المجتمع الدولي نظره بينما كانت الخطوط الحمراء تنتهك وتداس؛ ولا يمكن تفسير ذلك إلا بأنه مزيج من الجبن والقبول، وإن تم التستر عليه بعبارات إدانة واهية هنا وهناك
وينص الميثاق التأسيسي لحزب “الليكود” بزعامة بنيامين نتنياهو على أنه “لن تكون هناك سوى سيادة إسرائيلية بين البحر ونهر الأردن”. وقد حضر نتنياهو نفسه، الأسبوع الماضي، تجمعا في مدرسة دينية صهيونية (يشيفا)، حيث كان يهز رأسه موافقا ومستحسنا لأغنية ذات طابع “كاهاني” (نسبة إلى المتطرف مائير كاهانا) كان الحاضرون ينشدونها بحماس. “اذكرني، أرجوك، وامنحني القوة، ولو لمرة واحدة يا الله، لأنتقم من فلسطين، ولو ثأرا لإحدى عيني”، هكذا غنّوا، مضيفين: “ليمح اسمهم!”. وقد وصف أحد كتّاب صحيفة “هآرتس” المشهد قائلا: “لم تعد هناك خطوط حمراء”.
وأضافت مالك: صرف المجتمع الدولي نظره بينما كانت الخطوط الحمراء تنتهك وتداس؛ ولا يمكن تفسير ذلك إلا بأنه مزيج من الجبن والقبول، وإن تم التستر عليه بعبارات إدانة واهية هنا وهناك، نابعة إما من قناعة أو استسلام بأن مصير حياة الفلسطينيين هو الجحيم.
وقالت إن الحقائق واضحة ووفيرة؛ فلدى اليمين الإسرائيلي خطة ورؤية واضحة للمسار الذي ينتهجه، وهي رؤية ظل ينميها طويلا، ثم جاءت هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لتمنحها زخما وقوة.
ورغم أن بعض جوانب هذه الخطة قد تكون غير قابلة للتحقق (مثل التطهير العرقي للفلسطينيين في غزة، الذي تصطدم عقباته بعدم وجود دول قادرة أو راغبة في استقبالهم)، إلا أن أجزاء كبيرة منها قابلة للتنفيذ بالفعل. إن مسار الأحداث واضح، وقد تحققت نجاحات هائلة حتى الآن، وثمة رابط يربط بين مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين طُردوا أو أُجبروا على النزوح عام 1948 وبين واقع اليوم. فالدولة الأمنية القائمة على القمع والسجن التي يعيش في ظلها الفلسطينيون، وتدمير منازلهم وبنيتهم التحتية، والتوسع الاستيطاني، وتمزيق أراضيهم، وبسط السيادة الإسرائيلية عليهم بأساليب تجردهم من إنسانيتهم وتقمعهم، كل ذلك يهدف إلى ضمان عدم قيام مستقبل يتمتع فيه الفلسطينيون بالحرية، ناهيك عن الازدهار في ظل حكم ذاتي.