البروفيسور إيال زيسر
لمن ينظرون إلى الأمور من الجانب، يبدو سلوك الولايات المتحدة في المواجهة مع إيران يفتقر إلى الهدف، متقلباً، بل وحتى فوضوياً. مزاج ترامب عندما يستيقظ ويبدأ بالتغريد هو ما يقرر الخطوات في الميدان. في يوم ما تكون وجهتنا إلى هجوم شامل يمحو إيران عن الخريطة، وفي الغداة وجهتنا إلى اتفاق، وها نحن اليوم نكتفي بحصار اقتصادي.
ومع ذلك، في الجنوب قدر ما من المنطق. منطق الرئيس ترامب، وهو رجل أعمال مخضرم انتخب لرئاسة الولايات المتحدة مرتين. ترامب لا يريد الحرب، وهو لا يخفي ذلك. يبدو أن ظنه خاب من الإنجازات المحدودة، برأيه، للمواجهة مع إيران في الربيع الأخير، ولا رغبة لديه “في تكرار التجربة”.
صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربتا قدرات عسكرية ونووية لإيران، لكن لا يزال لديها صواريخ، ومُسيرات ووسائل قتال أخرى، وهي تستخدمها ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة
صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربتا قدرات عسكرية ونووية لإيران، لكن لا يزال لديها صواريخ، ومُسيرات ووسائل قتال أخرى، وهي تستخدمها ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة؛ بل والأهم: نظام آية الله لا يزال حياً ويتنفس، بل وحتى يركل، وليس لترامب صبر لاستخدام القوة التي لا تجلب نتائج فورية.
وبدلاً من الحرب، يفضل ترامب مواجهة دبلوماسية أو حتى اقتصادية، وبدلاً من مهاجمة إيران يوثق الحصار الاقتصادي عليها ويمنعها من تصدير النفط واستيراد البضائع. ثمة حقيقة تلعب في صالح ترامب، وهي أن الاقتصاد العالمي تكيف مع الواقع الجديد في الخليج، والدليل أن أسعار النفط في العالم، وأساساً في محطات الوقود في الولايات المتحدة، لا ترتفع. وبعامة، عشية انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، نزلت الحرب عن العناوين الرئيسة ولم تعد تشغل بال الجمهور الأمريكي، الذي كان منذ البداية غير متحمس لها.
وثمة حقيقة تلعب في صالح ترامب أيضاً، وهي أن الوضع الاقتصادي داخل إيران آخذ في التفاقم. سعر الريال الإيراني ينهار مقابل الدولار، ونقص منتجات الغذاء يبدو ملموساً في الأسواق، والأسعار ترتفع ارتفاعاً شاهقاً. واضح للجميع أن نظام طهران سيصعب عليه إعالة دولة من 90 مليون نسمة في واقع كهذا على مدى الزمن.
المشكلة أن تعبير “على مدى الزمن” قد يكون له عدة تفسيرات: أشهر قليلة، لكن أيضاً بضع سنوات.
من هنا تنبع استراتيجية ترامب القاضية بأن الإيرانيين سيتراجعون أولاً ويستسلمون. غير أن ترامب لا يأخذ بالحسبان بأن الإيرانيين لا يملكون شيئاً ليخسروه. فالتنازل أو الاستسلام – أو كبديل جر الأرجل إلى أن ينهاروا اقتصادياً – أسوأ في نظرهم من تصعيد واسع ومن استئناف القتال. فبعد كل شيء، لا يفكر الإيرانيون كأنهم هم الذين هزموا في الحرب. ترامب هو الذي تراجع أولاً؛ أوقف النار، وكان متحمساً للوصول معهم إلى اتفاق. بل وبقيت في أيديهم قدرات عسكرية ذات مغزى، ربما يستخدمونها لإشعال نارا كبيرة في الخليج.
وعليه، يتعين على ترامب وإسرائيل أن يأخذا بالحسبان أن الإيرانيين بقدر ما يأنفون الحرب فإنهم بالمقابل يرون أن الحرب أهون الشرين، بل ربما يرون أن “الاقتحام إلى الأمام” نحو مواجهة شاملة، أفضل من انتظار انهيارهم اقتصادياً. ربما يفترض الإيرانيون أن ترامب يخاف الحرب أكثر منهم، ولهذا يؤمنون بأنهم إذا ما فتحوا النار لن يتجرأ ترامب إلى العودة إلى قتال قوي، وسيفعل كل شيء كي يحقق التهدئة. من الأفضل بالتالي أن يحرص ترامب على إقناع الإيرانيين بأنه جدي وسيعمل ضدهم بكل قوة إذا اقتضت الحاجة. وليس هذا هو الوضع في هذه اللحظة.
إن فرضية العمل في إسرائيل وواشنطن هي أن الوضع تحت السيطرة، وأن الولايات المتحدة وإيران تديران حواراً بالقوة، لكنه حوار تحت السيطرة، ولا خوف من استئناف القتال. غير أن هناك حاجة للأخذ بالحسبان أن إيران ستختار تحطيم القواعد إذا ما رأت مسنودة اقتصادياً، أو أن ترامب لن يصمد أمام الضغط وسيتنازل إذا ما استأنفت إيران القتال أولاً.
لقد أُعطيت النبوءة للمجانين، وبخاصة عندما يدور الحديث عن مسألة ماذا سيفعل ترامب وماذا سيفعل الإيرانيون. ومع ذلك، الحذر واجب في وضع كهذا.
إسرائيل اليوم 6/9/2026