لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “أوبزيرفر” تقريرا أعده دونالد ماكنتير من بلدة حلحول الفلسطينية، قال فيه إن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند دعا إلى إنهاء علاقة بريطانيا مع “المزارع” غير الشرعية الإسرائيلية، في وقت يقول فيه النقاد إن هذا غير كاف.
وقال ماكنتير إن لقطات الفيديو التي تنشرها أيالا بن باروخ على إنستغرام، تعتبر صورة مثيرة عن الحياة الريفية البسيطة التي تنعم بها هي وزوجها يائير منذ العام الماضي.
وتظهر بن باروخ وهي تصطحب ابنتها الرضيعة في جولة على ظهر حمار، أو وهي تساعد نعجة ضعيفة في إطعام خرافها، أو وهي تستعرض ملابسها الفضفاضة التي تحب ارتداءها، وهنا يظهر الزوجان وهما يتعانقان، وزجاجة نبيذ في يد يائير، خلال عيد البوريم.
وقال ماكنتير إن هناك العديد من الصور التي تنشرها بن باروخ وهي تعد طعاما صحيا ومنتجا بطريقة عضوية، أحيانا في قدر ورثته عن جدتها الأوزبكية، مصحوبة بدعوات لمتابعيها البالغ عددهم 49,000 لاتباع وصفاتها المفصلة التي تشاركها معهم.
ولكن النصوص التي ترفقها بن باروخ بالفيديو تشير إلى وجود أمر أكثر تعقيدا، فقد كتبت في إحدى المرات أنه قبل إنشاء “غيفين عامي”، حيث استقر الزوجان الشابان، وقبل إنشاء مزرعتين جديدتين أخريين في الجوار، كان “أعداؤنا” “يتجولون” في المنطقة. وتضيف: “إن المزارع والتلال تؤدي عملا مقدسا، نابعا من تفانيها في غزو الأرض واستيطانها”.
ويعلق الكاتب أن “غيفين عامي” ليست مجرد مجتمع رعوي عادي، بل هي جزء من ظاهرة أكبر بكثير: طفرة غير مسبوقة في نمو المستوطنات اليهودية وعنف المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ تولي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء في نهاية عام 2022، وهي طفرة تسعى العقوبات البريطانية، المتوقع الإعلان عنها خلال أيام، إلى كبحها.
ومثّل تحذير إد ميليباند الأسبوع الماضي من اتخاذ إجراءات لوقف مشاركة الشركات البريطانية في بناء المستوطنات، تحولا ملحوظا في السياسة تجاه احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية. ودعا أكثر من 140 نائبا من حزب العمال، من بينهم جميع رؤساء اللجان المختارة في الحزب، إلى حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
ورفض ميليباند وآندي بيرنام الدعوات، التي تضمنت رسالة موقّعة من 100 دبلوماسي بريطاني وفرنسي سابقين، لتعليق اتفاقية التجارة مع إسرائيل. وسيوضحان أن هذه الإجراءات تستهدف المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي، وليس إسرائيل نفسها. لكنهما رفضا أيضا حجة شخصيات بارزة في الجالية اليهودية البريطانية بضرورة التريث في اتخاذ أي إجراءات إضافية، لا سيما في ظل الأجواء المتوترة التي تسبق الانتخابات في إسرائيل.
ويقول ماكنتير إنه من الصعب تطبيق حظر شامل على الواردات من المستوطنات الإسرائيلية، لأن سلعا مثل المنتجات الزراعية قد تدخل أحيانا إلى إسرائيل نفسها ثم تصدر دون توضيح مصدرها. لكن مؤيدي الحظر يجادلون بأنه قد يلحق ضررا باقتصاد المستوطنات. ومن المؤكد أن هذا سيثير رد فعل غاضبا من وزراء إسرائيليين مثل جدعون ساعر، وزير الخارجية، الذي حذر الأسبوع الماضي من أن بريطانيا سترتكب “خطأ فادحا” بفرض عقوبات، وأنها ستواجه ردا انتقاميا. ومن المرجح أيضا أن تعارض واشنطن هذه الخطوة.
وتعد جيفين عامي واحدة من ست بؤر استيطانية إسرائيلية إستراتيجية أنشئت خلال العامين الماضيين، وتقع على حدود حلحول، وهي بلدة تقع في عمق الضفة الغربية، وتشتهر ضواحيها بكروم العنب وبساتين الفاكهة التي يزرعها الفلسطينيون منذ أجيال. وتقع أراضيها وأراضي قرية بيت أمر المجاورة، على جانبي الطريق رقم 60، وهو الطريق الرئيسي بين بيت لحم والخليل في جنوب الضفة الغربية.
وبحسب منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية غير الحكومية، فقد أنشئت 185 بؤرة استيطانية يهودية في أنحاء الضفة الغربية. وتزعم المنظمة أن هذه البؤر تسيطر على أكثر من 420 ميلا مربعا من الأراضي الفلسطينية، ثلاثة أرباعها تم أخذها بالقوة، خلال السنوات الثلاث الماضية، ولا سيما منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وكان الأثر الاقتصادي لهذه البؤر الاستيطانية مدمرا، إذ قطعت سبل عيش عشرات المزارعين الفلسطينيين ومن يعتمدون عليهم.
ووفقا لدرور إيتكيس، أحد أبرز المراقبين الإسرائيليين لنمو المستوطنات، فإن هذه البؤر الجديدة حول حلحول وبيت أمر، المحمية من قبل الجيش الإسرائيلي، جعلت نحو 1,500 فدان من الأراضي الزراعية غير متاحة لأصحابها الفلسطينيين. ويقدر المزارعون المحليون خسائر محاصيلهم هذا العام بعشرات الملايين من الجنيهات.
وتلقى أحد هؤلاء الملاك، محمد البو، اتصالا قبل عشرين شهرا من جار له أخبره فيه أن مستوطنين، برفقة جنود، استولوا على أكثر من خمسة عشر فدانا من كروم العنب وأشجار الخوخ التي تملكها عائلته منذ قرون، حيث يمتلك وثيقة تثبت أن أسلافه كانوا يدفعون الضرائب عليها منذ العهد العثماني. ومنذ ذلك الحين، ورغم المحاولات المتكررة، منعه المستوطنون ووحدات من الجيش الإسرائيلي من الوصول إلى الأرض. ويقول إنه خلال إحدى المحاولات، اعتدى أحد المستوطنين على عمه البالغ من العمر ثمانين عاما بالهراوة، ما استدعى نقله إلى المستشفى لمدة أسبوع. وأخبره الجنود الإسرائيليون في الموقع أنه أصبح الآن “منطقة عسكرية مغلقة”. وكما يقول البو: “مغلقة علي، لكنها ليست كذلك بالنسبة للمستوطنين”.
وفي جولة بالسيارة بالمنطقة الشهر الماضي، شاهد الكاتب “الكرفانات” أو الوحدات السكنية المؤقتة على قمة تل غرب الطريق 60. وأشار البو إلى بوابة صفراء يصل من خلالها المستوطنون، الذين يملكون مفتاحها، إلى الأرض عبر طريق كان يستخدمه حتى أوائل عام 2025 دون مضايقة للوصول إلى بستانه. وفي يوم السبت السابق، تمكن مع ستة مزارعين آخرين من التوغل 500 متر داخل البوابة قبل أن يتم إيقافهم خلال مشادة كلامية حادة مع المستوطنين، وكان أحدهم على الأقل مسلحا ببندقية هجومية، ووصل الجنود في غضون دقائق. يقول البو إنه عندما احتج الفلسطينيون، قال لهم أحد الجنود: “إنهم [المستوطنون] إخوتنا”.
ويعلق ماكنتير أن فقدان عائلة البو لأرضها لا يعد أمرا غير مألوف في هذه الأيام. وأشار إلى فقدان البو شقيقه فراس خلال الانتفاضة الثانية عام 2002 عندما كان يسير باتجاه نقطة تفتيش قادما من حلحول لزيارة صديق له في قرية سعير المجاورة. ويقول البو إن الجنود اعتبروا فراس، الذي كان في الثانية والعشرين من العمر ويدرس إدارة الأعمال في جامعة الخليل، تهديدا. ولم يكن يحمل معه سوى بطاقة هويته، ويضيف البو: “أطلقت عليه 30 رصاصة”.
وما حدث لشقيقه ترك أثرا كبير على البو، البالغ من العمر الآن 38 عاما، ومتزوج ولديه أربعة أطفال. ورغم أن فارق العمر بينهما عام واحد فقط، إلا أنهما، كما يقول، كانا كالتوأم. “كانت أول فكرة خطرت ببالي هي الانتقام، لكنني فكرت لاحقا أنه حتى لو قتلت جميع الإسرائيليين فلن يعود فراس، لقد مررت بفترة عصيبة للغاية”.
وأشار ماكنتير إلى أن البو غضب من والده عندما انخرط في جماعة إسرائيلية- فلسطينية تعرف باسم “منتدى العلائات” ممن فقدوا أفرادا من عائلاتهم بسبب الحرب. وغضب على والده وقاطعه، وقال له كيف تتعامل مع من قتلوا ابنك. ولكن الوالد أقنع الابن بحضور اجتماع واحد، حيث اقتنع أن بإمكانه عمل شيء، وأصبح البو عضوا فاعلا في المنتدى. لكن الزيارات المتبادلة للمدارس، لم تلق استحسان حكومة نتنياهو أو مؤيديها. فمنذ عام 2023، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى تقديم استئنافات متكررة لمحكمة القدس المركزية لإلغاء قرارات الحظر المتتالية على زيارات المدارس. وتعرض المنتدى لمضايقات من قبل متظاهرين من اليمين المتطرف، ويضطر المنظمون إلى إبقاء أماكن اجتماعاتهم سرية حتى اللحظة الأخيرة لتجنب أي تعطيل.
لا يجد البو، الذي يتحدث العبرية بطلاقة، صعوبة في التمييز بين أصدقائه وزملائه الإسرائيليين، وبين أولئك الذين استولوا على أرضه وأرض عشرات الآلاف من الفلسطينيين غيره. إلا أنه يشعر أيضا بإحباط شديد ليس فقط من انتهاكات المستوطنين، بل أيضا من تقاعس الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية عن ردعهم.
في البداية، أبلغت الشرطة البو أن المستوطنين وصلوا بطريقة غير شرعية وسيتم إخلاؤهم من أرضه، وهو ما حدث بالفعل، قبل أن يعودوا على الفور تقريبا ودون أي عقاب. ونقل عن آفي بلوت، قائد القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي، في أيار/مايو قوله إن إحدى “المزارع” على الأقل، وهي “كيريم حمامي”، التي أصبحت بؤرة توتر، غير شرعية وسيتم إخلاؤها. إلا أنها لا تزال مزدهرة.
ووفقا لإيتكيس، الذي يدير منظمة “كيريم نافوت” لمراقبة المستوطنات، فإن البؤر الاستيطانية في منطقة حلحول “بدون استثناء” ليست غير شرعية بموجب القانون الدولي فحسب، بل غير شرعية أيضا وفقا للسلطات الإسرائيلية. ويقول: “لكن كل شيء مستمر، لا أحد يمنعهم. لا أحد يكترث، وقد دمروا بشكل أساسي سبل عيش آلاف الفلسطينيين”. ويقول إيتكيس إن سكان البؤر الاستيطانية لديهم القدرة للسيطرة على “مساحات زراعية شاسعة محيطة بهم. وقدرتهم على التخريب لمنع الناس من الوصول إلى الأراضي فعالة للغاية لأنهم يمتلكون أسلحة ويتمتعون بتعاون كامل وإفلات من العقاب”.
في 21 آب/أغسطس، قُتل على مشارف قرية سعير، شاب فلسطيني يبلغ من العمر 17 عاما بالرصاص بعد أن اقتربت مجموعة من المستوطنين، بينهم مسلح واحد على الأقل، من القرية فيما وصف رسميا بأنه “نزهة”. لم يتضح بعد ما إذا كان كريم سند شلالده قد قُتل برصاص منسق أمن المستوطنة أو جندي من الجيش الإسرائيلي. واتُهم الشاب برشق المستوطنين بالحجارة، بينما تقول عائلته إنه كان يصور توغلهم بهاتفه.
وفي بؤرة غيفين عامي الاستيطانية، تظهر أيالا بن باروخ في أحدث منشوراتها وهي تحيك بطانية، مبتسمة، بينما ينظر إليها طفل صغير. عائلة سعيدة مثالية، بحسب الكاتب.